فصلان من رواية الجوكر العربي

السعيد عبدالغني
2021 / 11 / 21

المتن

ورقة الجوكر من الكوتشينة مرمية على منضدة قديمة في مقهى.
أنا بهذا المكياج للجوكر أسير في القرية، في البداية كانت الناس مستغربة رغم أنهم يعرفون هويتي الحقيقية بينما الغريبين عن القرية يستغربوا جدا من ذلك ويخافوا. كنت أريد أخفي وجهي الذي كنت أستكرهه، لا لنبذ بل لمحاولة التخفي وراء بعض المواد المزينة التي بلا قيمة.
هل كان عليّ التمرد في وجود نوع هذا الآخر الأصولي؟ هل كان عليّ أن أتمرد كل هذا التمرد وأفقد وجودي في الرفض؟ أسئلة الليل البغيضة وطلق المعاني والدلالات بالرِدة على كل ما فعلته.
كان المؤذن يرفع آذان الفجر بصوته البغيض فيما كنت أعد سطر الهيروين وأنهي إعداده وألف سيجارة محشوة بالحشيش كذلك كعُدة على الذهاب للمطلق الغريب. شممت الهيروين وكانت معي عاهرة كلزوم الارتفاع إلى المالانهاية. فبعد النشوة بالجنس دوما كنت أشم الهيروين لاكمال العالم الحركي النشِط الوحيد في حياتي.أُصبح الطائر الكبير في سماوات المتَخيّل و الموهوم.
مشيت نحو مصدر الموسيقى وأنا عاميا، رفعت أصابعي في الهواء لتتنعم برنات خلاسية رغم أني لا اعرف كيف أعزف. الارتقاء من الكهف وصيادة العوالم في الآفاق المكتنَزة فيها النبوات فالآفاق للحزانى، من ملكيتهم ،نظرت لها بألفة أكثر من النظر لذاتي في المرآة وفتحت تلك الحدود للانفجار، وانفجرت لعمران ذهاني.
أستهلك ذاتي أكثر ومللت من مصارعة ما لا أعرف من العالم، أفقد كل يوم شغف قديم في العالم وموازنة عقلي بالسائد والمعلوم. غرقت في مدن المتَخيّل، في متنها وإثرها المقبّحَين من العوام. هل هو هراء شواء العالم في قصيدة متَبّلة بالزوال؟
إنى أبصر في ذاتي أبعاد وأنا أدمر ذاتي بالكتابة لا أبصرها في أي شيء أفعله، فالصلة مع المجاز صلة أهلية للهوية المنتَجة من الرفض، سند يتزود من الفوضى لا متن مصمَت.
نزلت من غرفتي حزينا، من هذه الصومعة المحكمة،متجها إلى كشك السجائر، شعري طويل جدا وفوضوي وعيناي تحتهما تعب السهاد والسهر والأرق ، يداي ترتعش من كثرة الأدوية النفسية، وهناك مستغلقات كثيرة تحتاج أن أفتحها أو أحاول كعبء يومي للتأمل. قابلت امرأة لا اتذكر جيدا هل كانت تعطيني درسا في الصغر أم لا ؟، تنظر لي باستغراب واستعجاب واندهاش، ربما من بوهيميتي وربما من عدم تراثية ذلك في عائلتي المهندَمة. لا أعرف هل هي تنظر كذلك لشبهة إلحادي أم لشكلي!. لم أعرها انتباها لكنها تركت في داخلي غصة أليمة، وكانت هذه هي الغصة الأولى في اليوم. مشيت أجر بقدمي لشدة الألم النفسي والضيق المستمر من استمرار مفعولات كثيرة للآخر في كوني، كوني الذي كنت اظن انه قيومي كامل لكنه ليس مستقلا تماما. اخترقت خوض الشاعر والأطفال ماوراء بيوت كثيرة حتى وصلت لكشك السجائر.
كنت أفكر لقد تلغزت لدرجة قصوى وتهت في لاأدرية مطلقة ، في إنكاريات بليغة،وتخليت عن دوري الواقعي الإيقاعي
وناجيت الحلاج وتذكرته فقلت في نفسي "العالم يا حلاج للتافهين ولنا التراب المَهين البرىء المقدس ، فنادِي يا خمَار الصلبان والصالبين،المنوط بهم الحوي لم يحووا لذلك بحثت في مضاجع العاهرات عن الدفء وفي مضاجع الكتب عن الإكسير ولكنها مليئة بآلام أخرى."
أدين كل شيء على وحدتي وأدين بالخصوص المجانين الداخليين، المنظومين المرتبين خارجيا لأنهم لم يحضنوا جوهرهم.
والعالم مع ذلك يشرئب للحزانى الوحيدين ، في ملكوتاتهم الجديدة الغريبة ، و لا يدري معنى أن تكون وحيدا. لعبة التأويلات الجمة هنا ونظريات التلقي للذات بالنسبة للآخر، للقوقعة بالنسبة للبحر.معنى أن تكون وحيدا برأسي هو أن تكون تائقا يبحث عن متُوقَه المجهول الغائب، منادِي يبحث عن ندائه ومنادَاه،هو أن تسري في الأعالي والبطون لكل شيء بالبداهة وإن كظمت إسرائك غاب نفيك عنك واغتربت. والوحشة تلك التي أشعر بها رمز على تلاقى بشاعة الجوهر الداخلي مع الخارجي، تلاقي مستديم في عيان كامل البهاء، لذلك أقول لنفسي عش في وحدتك ولا تنم إلا في حيز وحدة أخرى أو سكر!


الدفء والصقيع
(1)
حزينا وغير مطمئن.خرجت من البيت لأني لم أدفأ به إلى الشوارع، أبحث عن دفء في صحبة، في موقف، في كادر، يخذل هذا الحزن الجواني. ويطعمني بجماليات أخرى غير الجماليات النظرية ولذة العقل والتفكر.
كنت ألعب كرة قدم من الصغر وكانت تسعدني جدا هذه الهالة من الدفء والعرق ولكني تركتها بعد التدخين وتعقد الرؤى جميعها،والتتفيه من كل شيء فهي مجرد بالونة مملوءة بالهواء يجري وراءها الكثير. عرفت الكثير من الأصدقاء منها وكانت المنفذ الوحيد كون عائلتي صارمة في التعرف مع الناس خوفا عليّ فهذه طريقتهم الركيكة في الحماية ومداواة خوفهم.كنا نلعب قبل موعد المدرسة في أرض تركها أهلها للرياح والمطر ونختبىء عند قدوم أحد الأساتذة في المدرسة، في القش المجاور للملعب غير المجهَز. فقد كنت ألعب في أي مكان فارغ أو على سطح البيت حتى مع أولاد عمومتي وبعد المدرسة وقبل وبعد الدروس. كنا نقلق مضاجع الناس بخبطات الكرة وكنت أشترى باستمرار الكرات التي قطعها أصحاب البيوت بجوار الملعب عندما ترتطم ببيوتهم. الحياة كانت بسيطة وجميلة ومغوية حتى توفى والدي منذ سنوات .علاقتي به كانت غريبة رغم أنه كان يشع دفءا وحنانا كبيرا. إلا أنه كان يسافر باستمرار،في كل عودة له للبيت كان عيدا للبيت كله،يأتي بالشوكولاته واللب بأنواعه. أحلم كثيرا بعودته تلك كأنه مخلِص ما، مخلِص من الروتين واليومي إلى الاغوائي والإعجازي الشعوري.
لا أعرف لم هذا الحنين الرهيب الآن ؟ لم في ذلك الوقت من الانتكاسة؟ هل يكشف الألم شعورنا الحقيقي نحو الأشخاص؟ أحلم بأبي كل يوم تقريبا، كأثر للحنين ولا أعلم هل سأتخلص من هذا الطفل المختبىء المسؤول عن أعمق المشاعر أم لا؟
أدخن بشراهة ، ما يقارب علبتين في اليوم وبالرغم من ذلك أريد العودة لممارسة الرياضة، أشعر بعود إليها في مخيلتي،المواقف القليلة النادرة التي كنت فيها راضيا عن كل شيء.كان التأمل في الأشياء صافي وبلا كآبة. ذهبت مثل الأطفال لشراء كرة قدم من الدكاكين، وكلما أذهب إلى دكان يضحك البائع عندما أقول له إني أريد شراء كرة قدم ولكني لم أكن أعر بالا كثيرا للناس. شاهدت على الإنترنت بعض التمارين التي تخص كرة القدم ومهاراتها، وحاولت على سطح البيت تنفيذها أو استعادة قدمي للعب مرة أخرى. سطح البيت مكان فارغ خاوي إلا من بعض قطع الطوب التي كان يُبنى بها والنوافذ مفتوحة، يراقبني البعض كوني أكملت الخامسة والعشرون ولازلت ألعب كرة القدم مثل ذي قبل عندما كنت صغيرا، ولكني لم أعد صغيرا مثل قبل فالظاهر يهتم به الناس وينتبهوا لمخالفته ،من الصورة التي لدى الجيران عنيّ، يجب أن أهتم بالعلم وبالأدب لا باللعب كون عائلتي كلها متفوقة دراسيا.
أخذ التاب الالكتروني معي وموبايلي وأصعد إلى السطح وهو الدور الخامس من بيتنا المشتَرَك مع عائلتي لأنفذ ما أراه بعد ممارسة بعض التمارين الاستعدادية الإحمائية. أريد العودة بكليّ إلى ما كانت حياتي عليه وكنت سعيدا بها. الاشتراك في مجموع وفي الجمع فالاغتراب كان قاسيا بشكل رهيب والشعور به كان طاغيا. سأذهب بعد أيام إلى الملعب،بعد أن أستعيد جزءا من مهارتي ومن قدرتي على المراوغة والركل..إلخ.
أعمل قليلا، ولكن العمل لا يوفر لي حاجياتي جميعها، لذلك كنت أعتمد على إعالة ميراث أمى وإعالة ميراث أبي ومرتبي من المدرسة التي لم أكن أذهب إلا نادرا وفُصلت في النهاية وكان ذلك يجعل أمي تتحكم أحيانا في بعض المواقف في السابق في حياتي رغم طيبتها. لم أكن أُعِر إلى المال قيمة، كنت أعتبره ورقا بلا أي قيمة بتاتا ولكني كلما كبرت عرفت أني يجب أن أُعِر إلى قيم العالم قيمة، كون كل شيء أصبح يُسَعر بما فيها الأشياء الروحية. فلكي تحصل على كتاب ضد سيطرة المال عليك أن تشتريه أولا !
أعرق كثيرا بالتمارين كون جسدي زاد وزنه ولكني كنت أحلم في رأسي لا أن أكون أديبا كبيرا بل لاعب كرة قدم، هذا هو الحلم المفضل لي منذ الطفولة والذي ابتعدت عنه مدة طويلة، أن أسوق هذه البالونة إلى الثقب الكبير في نهاية الملعب. ورغم ذلك كانت لدي مشاعر مختلطة كون أني لا أريد أن يتذكرني الناس بأي شيء.
كانت مباراة مهمة ذهبت لأراها مع ابن عمة أبي، الرجل المسن الجميل الذي كنت أحبه كثيرا كونه تلقائيا ومشعا بالحب والألفة بعد أن ذهبت إلى ملعب القرية الصغير نوعا ما والفقير ترتيبه لكنه كان يُسمَح باللعب فيه. كنت أفكر وأنا ذاهب إلى الملعب أني شطحت كثيرا عن واقعي وابتعدت عنه بشكل كبير وحتى حلمي أصبح بعيدا وتفكيري أصبح مخالفا لما يتم التَفكُر فيه. لم أحافظ على هذه الشعرة التي تربطني به حتى بل تقوقعت في غرفة صغيرة أخرج منها كل مدة لما يمكن أن يُغذِي الدخول لها ثانية. و النبوة التي كنت أظن أني أحملها هي في عقلي فقط، في التفكير المجرد واستخدام اللغة ولكني كرهت هذه النبوة كثيرا وأردت النبوة الواقعية أو القليل منها. ذهبت للملعب بعد العصر،كنت أول من يصل من اللاعبين الكبار، جلست أشاهد الأطفال الصغيرة التي تلعب وتسب وتسابق وتعرق ولكنها سعيدة جدا بما تفعل وأدخلني ذلك في زوبعة من التفكير أني أريد أن أكون مثاليا في كل شيء، أن أحقق كل شيء رغم أني محدود واقعيا بأشياء كثيرة خارجة عني ومنيّ، منها جسدي ومنها عمري ومنها قدرتي على فعل الأشياء.
يجلس بجواري أحد الصغار الذي يبدو أنه تم تغييره بأحد ما آخر فكلما مسك الكرة هذا الآخر يقول "لا يعرف يلعب"ووجهه أحمر ومعرَق. أردت الاستعانة بالكتابة لتشجيعي على اللعب كون لا أحد يهتم بوجداني ولا يغذيه سوى صديقة واحدة هى ما أشاركها بعض مما يعتريني ولا أشاركها كل شيء خيفة أن تؤَذى نفسيا فالرهافة تمنعنى من إيذاء أحد غيري.
تذكرت ما حكيته لها "أني خرجت من المقهي يوم العيد أبكي في الشارع كوني رأيت أولاد صاحب المقهى الطيب حوله، يغنجهم ويضحكون معه" تذكرت أبي حينها وهربي كان لشدة الألم والحنين لذلك الطيف الغائب الذي لم يسمح لي القدر أن أحيا معه. ربما ذلك الفقد كون لي صوفية وجدانية وحدسية وجعلني أكتب بعض الشعر الصوفي الذي لم أكن أعرف أني أكتبه وأمتلىء بمعاني الغياب وبالتوق للغائبين بالكل أو بالنأي المكاني "
لا تعذبني ببقائي
خلصني من ألمي ولو بفنائي
فقلبي الذي صقلته وعبدك
ينتهي الآن من عشقه الضاري.
*
لم أناجي سوى قلبك يا إلهي
وكانت النجوم تتلألأ منه
فرحة بنغم ندائي
أنا الوليد الضال عن دفئك
الهاجر البعيد عن أرضك
الباحث عن كلك في خلقك
المبحِر في وحدته ووحدتك.
سدى كل ما أشعر به غيرك
سدى العالم الهمدان من نأيك."
لعبت الكرة وجريت ونهجت وانقطع نفسي وواصلت اللعب، ركلت الكرة كثيرا رغم ارتعاشة قدمي ربما من الدواء النفسي وربما من عدم اللعب لمدة طويلة، فأتذكر أني لم ألعب منذ ما يقارب سنتين ولم أجري حتى أو أبذل أي مجهود عنيف، كان الطقس غائما وأمطرت قليلا في بداية اللعب فكنت أحث الباقين باللعب سريعا قبل أن تمطر كثيرا، تم تقسيم الفرق ولعبت مع صديقي الذي كنت أحبه كثيرا لاختلافه النفسي وطيبته ورجولته عن باقي الناس في الملعب. كان تكوين الصداقات سهلا لكن الفهم كان نادرا لما لا يمكن أن يفهمه الشخص. كنت أحاول إيجاد مشترَك معه في الاهتمام وكانت الكرة والأشياء الذاتية هي المشترَك بينما لا يجب أن تكون الصداقة عن طريق الفكر فقط ،هناك مجالات أخرى للتشارك والتشارك القوي، كنت كلما بحثت عنه أجده وكلما احتجت سنده أجده، كان دافعا وملهما في كرة القدم. قبل أن ألعب جلس بجواري أحد الشباب الذي كنت ألعب معهم وقال لي"أريدك أن تراوغهم كثيرا،كما كنت تفعل في السابق"فقلت له"أني لم ألعب من فترة طويلة والسجائر والشيشة أخذوا نفسي" فقال"راوغهم وأنت واقف حتى كما كنت تفعل"
حزنت بعد خروجي من الملعب بعد اللعب لمدة ساعة وما يزيد عليها،حزنت على هذه السعادة التي أغفلت عيني عنها لصالح أشياء أخرى وحزنت على إضاعتي للكثير من الوقت وحيدا رغم وجود أشياء ليتم فعلها وممارستها. وعلى تغطية تلك الوحدة لي بالعتمة المطلقة النفسية. لا أنكر أن فكرة الانتحار لم تذهب من رأسي ولكنها خفتت وواجهتها بالدفء واحتمالات تكونه وذهاب الصقيع المتراكم منذ زمن طويل في قلبي. فقد كنت أحتفظ بوحدة طويلة عذابية جلادية في كياني وفي رؤيتي، كل شيء يتكون منها،كل رؤاي.هذه البراءة المنعوت بها دوما رغم أني لا أرى نفسي على هذه الشاكلة أبدا، لا أرى أي ضوء فيّ ولا أرى أي خضار ولا أي بذور حتى يلقيها وجودي في الاخرين، إنه بور مطلق كئيب موحِش، ولا أرى أي فجر يبزغ أبدا، كلها عتمات تتكون بشراهة ولا تنقرض.
رأيت وأنا عائد إلى البيت بعد اللعب طيفا للموت وكتبت في رأسي حتى عدت ودونته رغم كراهيتي للفة والكتابة والشعر.
يتمدد الطيف الضوئي الهائج المضطرب في فضاء رؤيتي
يختلسني
ويختم هناي بالعدم.
هذا الهارب من السماء الآمنة المتقدمة
وأنا الأرضي الاعزل الملىء بالخوف الذي لا يندثر.
أين أجد لي بيتا وسط المذنبات والنيازك والكواكب؟
البيت حفرية هي كل شيء.."
قلبي كان مضطرب جدا، عدت جسدي متخشب ومتصلب وكنت أشعر بكراهة كبيرة ورغبة في الرحيل،الشعور ذلك المزدوج الثنائي الذي يأتي وتأتي بعده سعادة مجهولة ولكني أحمل في قلبي ربما ذنبا وربما مسؤولية تجاه هذا العالم وكتبت
"
ليس بوسع قلبي سوى أن يحوي العالم
في حضنه الجاف المتقرح
رغم كراهته وعدوانيته
ليس بوسعه سوى أن يقبل بالصلب
ويعترف بأحقيته فيه
ويخلق صليبه بنفسه."
لينك الرواية :
https://foulabook.com/ar/book/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-pdf

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير