المجرمون في نصوص القرآن ودورهم في تخريب الوجود

عباس علي العلي
2021 / 11 / 19

التعذر والأعتذار المتأخر وصولا إلى مرحلة اللا عودة واللا ممكن منه أو منها تعبير عن حالة إفلاس الإنسان من إدراك الحقائق أو الفرصة المناسبة للعودة إلى الطريق أو تصحيح الخطأ والخطيئة، هذه الحالة لازمت الكثير ممن فاته أن ينظر إلى الأمام والخلف أو يحاول ولو على الأقل أن يفحص بعقلانية علاقته بالوجود من خلال المستشعرات المنطقية، فيقع ضحية اللا مبالاة وأحيانا العناد أو الغرور، وأحيانا الثقة بالأخرين على أنهم يمثلون الصورة الأكمل، المتأمل والمتبع والمطيع بلا أمتحان ولا حجة سوى أنه تكاسل عن أستخدام منظومته العقلية للفحص والمقارنة وإيجاد المقاربات الأقرب لحقيقة الإيمان يكون جوابهم أنهم (كانوا ضحايا).
في هذا النص محاورة بين الله وبين المغرر بهم من قبل المجرمين الذين ضيعوا على الناس معالم الطريق تبدأ من أكتشاف الحقيقة التي لا يمكن نكرانها ولا يمكن أن تعمى على أحد (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، لماذا وبماذا أكتشف المخدوعون هذه الحقيقة يأتي الجواب منهم صريحا (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، إذا الموضوع أدركوه وهو في النقطة التي لا مجال معها أن تعاد التجربة (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) السجدة 12، هذا المشهد لمن يقرأه بعين القلب والعقل يدرك أن العذر والأعتذار لا ينفع قبل أن يعي الإنسان أنه في الطريق المشوش (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) 158الأنعام .
السؤال هنا حتى نفهم هذا الجزء من المحاورة جيدا، من هم المجرمون أولا؟ وما هي أساليبهم التي يضل بها المعتذرون؟ بالتأكيد مجرد أن نقول مجرمين هذا يعني كل الخارجين عن ناموس الله وقواعد التعامل الإيجابي مع أوامره ونهيه بشرط التعمد والإرادة (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ) هذا في سورة الشعراء نمط من أولئك الذين وصفهم النص بالمجرمين مع ما تقدم لهم من العذر والنذر فكان جوابهم (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)، هذه الطائفة من المتوهمين المعاندين هم ممن كره الحق وتعمد أتباع الباطل رغم كل ما منحهم الله من قدرة على الرؤية والتبصر (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ٨ الأنفال، وفئة أخرى هم الماكرون بأقوامهم أو الذين سعوا إلى رد الناس عن طريق الحق ممن تضخمت لديها الأنا المريضة وسعوا في الأرض فسادا بدل وظيفتهم في الإصلاح وأتباع الخير والفضيلة (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) ١٢٣ الأنعام، هؤلاء الذين أستكبروا عن ذكر الله وأشمئزت قلوبهم وعقولهم منه فكان جزائهم أنهم خالدون في جحيم لا يرحم (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) ١٣٣ الأعراف.
والمجرمون على درجات منهم من تسلق أعلى السلم ومنهم دون ذلك ولكنهم جميعا يجمعهم أنهم كذبوا على الله أو كذبوا بما جاءتهم رسل ربهم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ١٧ يونس، هذه الطبقة من المفترين الكذبة المشركين بالله أو الجاحدين عن علم وقرار لم يكونوا مجرمين في حق الله فقط بل كانوا على الدرجة الأعظم من الظلم لنفسهم أولا ولوجودهم الكلي بالنتيجة (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، إنها قضية المعاناة التي يحملونها في أنفسهم أستكبارا وعدوا وجهلا وظلما (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) ٧٥ يونس، المستكبر لا يرى إلا نفسه ويظن أن الوجود مجرد وعاء له ليمارس تضخم الذات بحرية ودون ألتفات لوهم ذاتي أعتباطي لما تعنيه أن تكون أكبر كثيرا من حجمك الطبيعي مع ما تملك من أسباب (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) 62 النحل.
المجرم عادة هو شخص غير معتاد على أحترام القانون الوجودي بأسبابه وعلاته وميكانيكية عمله، فهو خارج عن طبيعة الأشياء في وضعها الصحيح لينفرد بمسار مناقض وهمي أو متخيل أو غير مفهوم له بشكل مناسب، فيجرم بمعنى يقترف أمر المعاكسة والضدانية دون أن يمتحن سلوكه بالمنطق الوجودي أو العلمي أو بالبرهان المقدم لهم (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) � سبإ﴾، هنا الإجرام سلوك عدواني وليس بالضرورة أن يكون مبرر أو له تفسير طالما أنه يذهب بالأتجاه المعاكس للمنطق والطبيعية المسيرة لحركته في الوجود (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ١٧ يونس.
يكمن خطر الإجرام ليس فقط على الإنسان المجرم وحده فتأثيراته تمتد وتتوسع كلما وجد له حاضنة وتأييد وقبول من قبل أخرين أو حتى من ضحاياه، لذا فالمجرم أضافة إلى أنه عدو نفسه فهو عدو للمجتمع وبؤرة تخريب وخروج عن أستقرار المجتمع وتوازنه الأجتماعي، فهناك أتجاه أجتماعي علمي يرد موضوع الإجرام إلى فعل أجتماعي مصاب بالخلل وعدم التوازن وأهتزاز في القيم المنشئة (وجه العجب فيما يردده بعض الباحثين عن ثبات نسبة الإجرام وهم يعنون بذلك إن كل جماعة من الناس يؤدي للجريمة ضريبة ذات نسبة ثابتة، وان اختلف الباحثون في هذا الأمر فإنهم يتفقون جميعاً على إن الجريمة ظاهرة اجتماعية رافقت المجتمع البشري منذ نشأته)، فالإجرام ليس فقط ظاهرة أجتماعية لكنها تتعدى عن ذلك إلى طبيعة الإنسان الذي يشكل المجتمع ويتشكل بوجوده على النحو الذي يخرجه من دائرة الإيجاب إلى دائرة الفعل التخريبي له وللغير، لذا فالنص القرآني موضع البحث يشير لجزء من هذه الحقيقة (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ).
فالأجرام إذا سلسلة من الأعمال المتنقلة داخل المجتمع أما من فرد لفرد أو من جيل لجيل دون أن ينجح الإنسان أن يضع حد لهذه السلسة بوعيه ونتاج تجربه مع المجرمين (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)، هذه واحدة من عناوين أنتقال الإجرام وخاصة فيما يتعلق بحقيقة أن الإنسان أحيانا عاجز عن التغيير لأن وجد الأمر كذلك وكأنه أمر طبيعي فيستسلم له (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ �﴾ إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ �﴾ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ �﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) الشعراء �﴾، فالإيمان بالله ورسله وكتبه واحدة من أهم مصادر تصحيح هذا الخلل ليس لأنها تتعلق بخوفنا من الجحيم والعذاب، ولكن لأن التجربة الدينية تأريخيا تثبت أن المؤمنين الحقيقين المتقيدين بضوابط الإيمان مردوعين بشكل ذاتي عن فعل الإجرام، ولا علينا بمن يتخذ هذا الموضوع مبررا لإجرام من نوع أخر لأنهم أصلا كاذبون (قلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) 69 النمل، فدعوة المؤمن الحقيقي هي دوما (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) 17 القصص.
ولا بد لنا ونحن نبحث عن خطر المجرمين علينا أن لا ننسى حقيقة مهمة لها العامل المركزي والأكبر في ظاهرة الإجرام ومنها المفهوم الديني للجريمة، وهي مسألة الأنحراف عن الخط الطبيعي للتطور العقلي عند الإنسان، هذا الأنحراف يكشف أن الإنسان المجرم لا يكون كذلك ما لم يوضع بذاته أو تحت عوامل كثيرة أو في طريق الشك ثم التردد ثم الأنحياز للطريق الأسهل الذي يعفيه من محاكمة عقليه للقرار الذي يتخذه، فلا يوجد إنسان مجرم بطبيعته، كما لا يوجد إنسان غير قابل لأن ينحرف ثم يجرم بعدها (ظاهرتا الانحراف والجريمة من الظواهر الأجتماعية الطبيعية التي تحتاج دوما إلى العناية بدراستهما ومراقبة نتائجهما وحساب الأثر الأجتماعي لهما على أستقرارية ونمو المجتمع بشكل سليم، فهما ليستا مجرد خروج بعض أفراد المجتمع عن الأوضاع الاجتماعية والقانونية المعمول بها في المجتمع فحسب، بل إنها تكشف أيضاً عن مدى تقصير المجتمع بجميع قطاعاته في رعاية بعض أفراده على اختلاف أعمارهم بتوجيههم وإرشادهم نحو السلوك الأمثل الذي يضمن لهم التوافق مع القيم والمعايير المقبولة في المجتمع).
من هذه الحقيقة ينطلق النص الديني في المعالجة الكلية للظاهرتين كوحدة قيمية وأعتبارية تتناسب مع خطورتهما ومستقبل ما يتركان على المجتمع من وزر وفساد (ولـتـكنْ مـنكم أمّـةٌ يـدعونَ إلى الخير ويأمـرون بالمعـروف وينهون عن المنكـر، وأولئك هُـم المفلحون) آل عمران 104، ويتكر المنهج ذاته في العشرات من النصوص الأمرة بالمعروف التي نتيجتها النهي عن المنكر الذي هو بداية الأنحراف ومصدر الإجرام (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران110، هنا يقدم النص رؤيته على أن مكافحة الإنحراف أولى من معاقبة المجرم لأن النتائج دائما لا تتحصل بدون أسبابها الواقعية ومعالجة الموضوع قبل حدوثه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، فالوقاية من الإنحراف وقاية من الجحيم الذي وعد به المجرمون ونجاة حقيقية للمجتمع الإنساني، يلغي مبدأ الخوف والخشية من العقاب والعذاب وسوء المصير.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير