لولا ثورة 23 يوليو 1952 ما كنت تعلمت

محمد فُتوح
2021 / 11 / 19

-----------------------------------------------
ان كان لى ، أن أقول كلمة من القلب إلى ثورة الضباط الأحرار فى 23 يوليو 1952 ، الثورة ضد الاحتلال البريطانى وفساد القصر ، كلمة واحدة ، تلخص علاقتى الشخصية بالثورة ، دون أدنى تقييم أيديلوجى .
أقول إننى لولا ثورة يوليو التى تبنت مبدأ التعليم المجان ، لكنت الآن فى قريتى الدراكسة بالمنصورة ، مركز منية النصر ، محافظة الدقهلية ، جالساً مع أقاربى وأصدقائى نلعن الفقر الذى حال بيننا وبين التعليم.
فكيف لأسرة فقيرة لديها عدد كبير من العيال ، والأب يعمل إماماً لجامع القرية ، وهو عمل لا يؤهله لدفع مصاريف ومستلزمات التعليم .. والأم ، تساعد بتربية الفراخ والكتاكيت على سطح البيت ثم بيعها فى السوق ، أن تعلم أطفالها، وتدخلهم المدارس والجامعة ؟؟.
بفضل إصرار ثورة يوليو ، على التعليم بالمجان ، تعلمت ، ودخلت الجامعة ، وأهلنى تفوقى إلى تكملة الماجستير ثم الدكتوراه.
وأعتقد أن حالى هو حال الآلاف بل الملايين ، الذين وجدوا مكانا لهم تحت الشمس ، بفضل التعليم المجانى ، الذى أرسته ثورة يوليو 1952 . الأمر الذى كان من المستحيلات ، والأمور الخيالية ، فى ظل الأوضاع الملكية السائدة قبل الثورة .
أوضاع ملكية فاسدة ، تسببت فى يأس الناس ، واحباط الشباب ، ولونت الحياة كلها ، بالقدرة المادية المترفة ، والملكية الخاصة الشرهة ، والتفرقة الطبقية اللعينة .
وعلى مدى السنوات ، لم أكن أبدا طرفاً فى التقييمات السياسية والأحكام الأيديولوجية ، على ثورة انتشلتنى من الجهل إلى النور .. من انغلاق القرية إلى انفتاح المدينة .. من الإحساس بالظلم إلى الإحساس بالإنسانية .. فأنا الفقير ، المقيم فى المدن الجامعية أجلس جنباً إلى جنب مع الغنى الثرى ، الذى يأتى الجامعة بالعربية الفخمة ، وينفق مصروفاً بذخاً يعطيه له أبوه يومياً ، للتفاخر والتعالى واستعراض الطبقية التى كانت تحاول ثورة يوليو القضاء عليها ، ووضع معايير بديلة لتقييم الإنسان المصرى .. لا بالفلوس ولا بالعربيات الفخمة، والملابس الأنيقة والسكن فى جاردن سيتى ومصر الجديدة والزمالك وعضوية الأندية بالدرجة الأولى .. ولكن بالعلم والعمل والتفوق .. كنت فقيراً ومن أسرة فقيرة ومن قرية فقيرة ، لكننى بفضل ثورة يوليو لم يسألنى أحد أبداً ، " انتم مين ، ومين أبوك ؟ " .. أو " ليه بتركب الأتوبيس ؟ " .. أو " ساكن فين ؟ ".
علمتنى ثورة يوليو حتى آخر المشوار .. حافظت على إنسانيتى .. دفعتنى إلى بناء أحلامى وطموحاتى .. وأشعر أننى أنتمى إلى بلد عظيم .. وشعب عظيم .. وجيش عظيم .. أطاحت بفكرة مزمنة تقول بضرورة وجود أسياد وعبيد .. أغنياء لهم الحياة .. فقراء تدوسهم الحياة .. بفضل ثورة يوليو ، " قبيت على وش الدنيا " ، وطلعت من " الحُق اللى كنت عايش فيه " .. ( حدود قريتى ).
هذه كلمتى الشخصية ، الحميمة ، التى يحتفظ بها قلبى لثورة يوليو 1952 .. أقولها دائما ، وسأظل أرددها .
وفى الوقت نفسه ، أود أن أقول كلمة أخرى ، لثورة فى جانب آخر من الكرة الأرضية ، سبقت ثورة مصر بــ 163 عاماً. وأقصد بها الثورة الفرنسية ، التى يحتفل الشعب الفرنسى فى 14 يوليو كل عام ، بذكراها ، التى رفعت الشعار الثلاثى الشهير : الحرية .. الإخاء .. المساواة ، ومعها يسقط فى اليوم نفسه سجن الباستيل ، رمز القهر والديكتاتورية والاستعباد السياسى والدينى.
مثلما كانت ثورة يوليو 1952 ، ملهمة للكثير من الثورات وحركات الاستقلال بين جيرانها ، كانت الثورة الفرنسية ، نموذجاً انبهرت به دول العالم. ومنذ ذلك التاريخ ، بدأت فرنسا صفحة جديدة ، من التقدم الإنسانى فى جميع المجالات ، خاصة المجال الثقافى والفنى والفلسفى ، وأصبحت باريس " مدينة النور" نسبة إلى مصابيحها الفكرية ، التى لا تظلم أبداً، وتجدد نفسها أبداً .. ولا تعترف بالجمود أو الإنغلاق.
ولذلك لم أندهش ، حين علمت أن فرنسا مؤخرا ، قد ألغت من القانون تعبير شرعى وغير شرعى فى وصف الأطفال. وكانت حيثيات الإلغاء ، أن هذا التمييز من أيام القوانين النابوليونية والتى ترجع لعام 1804 ولم يعد له وجود الآن . ثانياً ، إن القانون القديم لا يتوافق مع القوانين العصرية الفرنسية ، التى تحظر التمييز بين الأطفال الذين يولدون داخل الزواج أو خارجه ، وخاصة فى قضية حساسة مثل توزيع الميراث .. وفى أحدث إحصائية فإن 46% من أطفال فرنسا يولدون خارج الزواج. بالإضافة إلى أن القانون القديم النابوليونى ، يستخدم لغة ذات مفردات دينية أخلاقية ، وهى شرعى وغير شرعى ، وهو ما ترفضه فرنسا ، التى تتحدد حركتها محلياً ودولياً ، بمعايير حقوق الإنسان ، وليس معايير الشرع (الحلال) وغير الشرع (الحرام).
خاصة إذا كان الوضع ، يمس أطفالاً لا ذنب لهم ، فى الطريقة التى جاؤا بها للحياة.
أرجو أن تكون فرنسا ، بهذا التعديل القانونى نموذجاً يحتذى به ، فى بلاد مازالت تحكمها قوانين لا تمشى مع متغيرات العصر ، ومتغيرات الحياة و احتياجات الناس المتجددة .
ان التراجع الانسانى ، لن ينتهى إلا بإصدار قوانين مدنية ، مرجعها حقوق الإنسان العادلة بين النساء والرجال والأطفال ، وليس شرعى وغير شرعى .
فالقانون مهمته خدمة مصالح الناس ، واسعادهم ، وتحريرهم ، وليس سجنهم فى قوالب عتيقة تشقيهم وتكبلهم ، وتعيد انتاج ثقافات الماضى باشكال عصرية .
من كتاب" الشيوخ المودرن وصناعة التطرف الدينى " 2002
----------------------------------------------------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار