ََفَعَلَ فِعلَتهُ

سلمى الخوري
2021 / 11 / 18

شهقت بصوت مرتفع مع نفسها وسقطت الكاسة التي كانت تحملها بين يديها الى قفص الدجاج
المثبت في حديقة المنزل ، ووقعت هي بشخصها على أرض الحديقة ، وصار الدجاج الذي ينتظر
غذائه كل صباح في مثل هذا الوقت لكي يبدأ يومه بملئ معدته يتراقص صاعداً نازلاً بحركات
عجولة يتعجل فيها فتح باب القفص المتكون من مشبك حديدي، والباب لم تفتحه سيدة البيت لأنها
سقطت على الأرض فاقدة الوعي وصار صوت الدجاج يعجُ مطالباً بطعامه .
كان الوقت صباحاً حوالى الساعة السابعة ، تركت زوجها جالسا الى مائدة الطعام ينتظرها لتعود
له خلال دقائق كيما تحضر له فطوره ، مرت حوالى أكثر من خمس دقائق ولا حركة لعودتها ،
فأستغرب الزوج وذهب الى الباب الخلفي المؤدي الى الحديقة حيث قفص الدجاج ونظر من عند الباب
وأستغرب بأن رأى زوجته ملقاة على الأرض لا حراك فيها ، فأسرع بخطاه ليتفحص الأمر فوجدها
على مقربة من جانب القفص الخشبي طريحة الأرض وبقربها مولود جديد يظهر ملفوفاً بأقمطة ملونة
وهو يبكي ، فامتدت يداه الى زوجته يهزها ويكلمها - أم علي ، أم علية ،ماذا بك ؟؟!! ما الذي جرى ؟؟
فلم ترد عليه ولكنها أبتدأت بالتنفس فساعدها لكي تفيق وفتحت عيناها مندهشة خائفة وجلة ، يا رب
أين أنا !! ماذا جرى !! فسألها زوجها ...
- من أين هذا الطفل ؟؟؟!! من جاء به الى هنا ؟؟!!
- ردت عليه وهي لا زالت في حالة ذهول " هذا ما أرعبني وجعلني أفقد وعي ، لا أعرف من أتى به ،
وكيف وصل هنا ؟ "
ساعدها زوجها على النهوض ، ثم أمتدت يداه ليرفع المولود الصغير من على الأرض ونظر إليه بشفقة
وأمسك بذراع زوجته باليد الأخرى ليرجعوا الى داخل المنزل. أجلس زوجته الى أقرب كرسي لمائدة الطعام
ثم أتى بشرشف كبير طواه عدة طيات كي يصبح كوسادة سميكة ليضع عليها المولود الصغير ، كان الفصل
بداية الربيع ووضوح النهار لن يكون قبل السابعة صباحاً . نظرت أم علي بشفقة ونوع من الحنان الى
الطفل المسكين وهي تردد مع نفسها ، يا إلهي من أين هذا الطفل ؟ ومن أنزله في حديقتنا بجانب قفص
الدجاج ؟
الطفل لا زال يبكي ، فقالت أم علي لزوجها
- لا بد أنه جوعان ماذا نعطيه ليرضع ؟؟
زوجها صيدلي يعمل بمهنة شخصية ، وهي ربة بيت ولها أبنها الكبير علي عمره 15 عاماً وأبنتها علية
13 عاماً .قال لها زوجها سأذهب الى الصيدلية بسرعة في سيارتي ودعي علي يأتي بدراجته الى الصيدلية
لكي أعطيه الحليب الخاص بالرضع ، وأنا سأنتظر هنالك حتى يأتي مساعدي ليبقى في الصيدلية حتى أعود
الى المنزل لكي نخابر الشرطة للتحقيق في الموضوع .
وبعد عودة أبو علي من الصيدلية ذهب الى التلفون وأتصل بشرطة المدينة يشرح لهم ماذا حدث عندهم
وهم مستغربون من الذي ألقى هذا المولود الجديد في حديقتهم التي هي خلف البيت ، وبعد نصف ساعة كانت
الشرطة معهم في داخل الدار والحوار يدور ، سؤال وجواب ، لعدة أمور وأهمها ،
- من هم جيرانكم على يمين الدار ومن هم على يساره ؟
- كان الجواب : على يمين الدار هم سيد وسيدة في عمر الستينات وأبنائهم أثنان واحد يعمل كطبيب في بغداد
والآخر أستاذ جامعي أيضا يعمل في بغداد .
- نعم وماذا على جهتكم من ناحية اليسار ؟؟
- إنه منزل مستأجر من قبل الإدارة المحلية للتربية والتعليم لإسكان الطالبات اللاتي يأتين من القرى والنواحي
المحيطة بمدينة الكوت ليدرسن في دار المعلمات ليصبحن معلمات للمدارس الإبتدائية.
أجابت الشرطة :
- إذن علينا أن نحقق مع طالبات هذه الدار لنبحث عن جواب لهذه المشكلة .
وبعد بضعة دقائق كانت الشرطة تحتل صالة الإستقبال في دار الطالبات ، وجمعوا كل الطالبات الساكنات في تلك
الدار الى الصالة ،وأبتدأ المقدم المسؤول عن التحقيق في القضية يشرح الى السامعات الحدث الذي حصل وكيف
وجدوا الطفل المولود حديثاً في حديقة الجيران هذا الصباح ، وكان الإندهاش يبدو ظاهرا على وجوه الكثير منهن
ويتهامسن بينهن مستنكرات الحدث الذي يسمعنه ، فتوجه المقدم المسؤول عن التحقيق في القضية الى الطالبات
وأغلبهن في عمر أقل من التاسعة عشر من العمر وقال لهن :
- الذي نريده منكن ومن تخصها هذه الفعلة أن تتقدم لنا بكل شجاعة بإعترافها .
وأبتدأت معظم الطالبات ينظرن بإستغراب ودهشة الى بعضهن البعض والخوف والخجل يكبل نفوسهن ،ولم يبدو
عليهن أي شعور بالرغبة بالإعتراف . الإعتراف بماذا إذا لا تعرف شيء عن القضية، وبالخصوص أن فعلة إنجاب
طفل بصورة غير شرعية من دون عقد أو زواج شرعي ، فالفتاة مصيرها العار ثم الموت .
فتوجه إليهن المقدم المسؤول وقال لهن :
- شوفو بناتي ، نحن نعرف ونقدر أنه ليس بالموضوع السهل ، ولكن علينا أن نبرئ البريء ، وننتظر الصدق
والصراحة من الفاعل الحقيقي، ولا بد لكل عمل غير قانوني أو غير شرعي أن يبان ويكشف، فلنا طرقنا المشروعة
في الكشف عنه ، فإذا كانت الفاعلة لا تعترف ، فهي تضع بقية البنات في سلة الإتهام وحتى نحميهم من هذه التهمة
فالأمر سهل جداً ، سوف نجلب طبيبة نسائية لكي تفحص جميعكن لتظهر حقيقة الفتاة التي تتكتم على فعلتها .
وبدا الحرج يظهر على وجوه الطالبات خجلاً من قضية الفحص النسائي ، وبعضهن أبتدأن بالتوسل والبكاء يترجين
من المقدم " رجاءً - رجاءً لا تفعل هذا فنحن نخاف ونخجل من عملية الفحص". وخلال دقيقتان سألته إحدى الطالبات
ضمن المجموعة المجتمعة ...
- هل لي أن أكلمك على إنفراد ؟
- أجابها أكيد .
- دع الطالبات الأخريات يتركن المكان .
هذا ما حدث .
أرتكنت مع ناظرة الدار مقابل الشرطي المسؤول وكلمته بحقيقة الأمر " أن أبا صديقتها في القرية التي أتت منها
كان يحوم حولها منذ كانت في الثانية عشرة من عمرها ،ولما وصلت عمر السادسة عشر وألتحقت بدار المعلمات
في هذه المدينة ، وفي إحدى زياراتها لأهلها ذهبت لزيارة صديقتها فما كان في الدار غير والد صديقتها ، فاغراها
بالدخول الى الدار ثم فعل فعلته مطمئناً إياها وواعداً لها بالسترعليها إذا حدث أي شيء ، وحدث ما حدث ،ليس لي
الحق او الجرأة لمصارحة أهلي وأنتم تعرفون الشرع والتقاليد في مجتمعنا ، وعانيت كثيراً كي أستر على نفسي ،
وفي الختام هذا الذي حصل ، عندما حانت ساعة الولادة قريب الفجر ، ذهبت الى المرحاض الموجود في الحديقة
وساعدت نفسي في الولادة ، ثم لففت المولود بأقمشة ملونة وحاولت بطريقة لا يسمعني فيها أحد أن أنزل الطفل
على جهة الجيران وبقية الحدث ها أنتم أمامه.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي