الظاهرة السارترية ح14هل منطق الدين وجوديا ج2

عباس علي العلي
2021 / 11 / 17

النشأة
من المفاهيم القرآنية التي تلتبس مع مفهوم الخلق والإيجاد والتكوين موضوع النشأة التي كثيرا ما يربطها البعض مع مسألة الوجود، لأن يفهم وخاصة عندما تقترن كلمة النشأة بالأولى أو أنشأكم أول مرة لتوحي للقارئ بمعنى التكوين الأول، وحتى نفهم المقصود منطقيا ووفق نسق مفاهيم القرآن القصدية تعود للنصوص الذاكرة ونتفحصها ونستنبط المعنى الكلي التام لها، ندرج هنا ثلاثة آيات مختلفة لكنها بمجملها توضح المعنى وتجلي الوهم المعنوي، الأولى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) ﴿٦٢ الواقعة﴾، الثانية (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ﴿٩٨ الأنعام﴾، والثالثة (عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) ﴿٦١ الواقعة﴾، هذه الآيات من ضمن مجموعة كبيرة من النصوص التي تتحدث عن نشأة أولى معلومة ونشأ أخرى غير معلومه، فالنص الأول يقول (ولقد علمتم) هنا ينفي مجهوليتنا عن فهم النشأة الأولى والتي بينها في النص الثاني (أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) من ضمن سلسلة من التحولات والتبدلات المتعاقبة والمتتالية والمرتبطة جميعا بهدف من النشأة (نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ)، فعملية النشأة ما هي إلا آلية لتنفيذ عملية الخلق بما جعل ولما جعل من قبل (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ﴿٦١ هود﴾.
النص الأخير ينفي أن يكون للنشأة معنى الإيجاد من اللا وجود بدليل قوله (أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) وتكرر المفهوم أكثر من مرة (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) ﴿٣٢ النجم﴾ وفي نص أخر بذات المعنى ولكن بموضوع أدق (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) ﴿١٨ الزخرف﴾ ، أي الإنشاء هنا العملية الألية الميكانيكية التي يتم بها الخلق لو أخذنا الإنسان نموذجا كما في النص، فهو أنشأه من الأرض أي كان مصدر الإتشاء من داخل الوجود المادي كما ورد من تراب ومن طين ومن صلصال إلى أخره من التعابير، وحتى لو تعدينا موضوع الإنسان نحو الجزء الأكبر من الوجود السماوات والأرص، فالنص يقول أنشأنهن إنشاء (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) ﴿٣٥ الواقعة﴾، السموات والأرض من جملة ما خلق وبنفس القانون من لا شيء (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ﴿١٩٠ آل عمران﴾، إن الربط بين الخلق وبين أختلاف الليل والنهار لم يرد عبثا في النص ولكنه يشير إلى الية واحدة ومفهوم موحد أن كل ذلك من الإشاءة بمعنى " الشيئنة "، وهذه العملية مرتبطة بأخرى هي إخراج المشاء به للوجود من خلال قرار التكوين (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ﴿١١٧ البقرة﴾، المقتضى هنا هو التحويل وليس التكوين بمعنى أنه يهيئ الأسباب أولا (الشيئنة) وهو معنى الاقتضاء الوارد في النص، ثم يرسل كلمة السر أو الحركة الجوهرية داخل المتحول المقتضى به فيكون كما سيكون.
هذه هي عملية النشأة الأولى كما شرحها النص وعلمناها من خلاله، ومن خلال التجربة فيما يخص بقية النشأءات الأخرى لأننا نتاجها ونمارسها في الوجود بوعي وبالملاحظة وبالنقل والتأمل، ومن صفات النشأة التكرار في موضوع واحد أو لأمر واحد وهذا مخالف لمفهوم الإيجاد والتكوين الأولي الذي حدث لمرة واحدة ولا يمكن تكراره، لأن في التكرار تعدد الوجود وتعدد القوانين الكلية، وبالتالي وأختلاف بين الزمان والمكان لكل واحد منهم وتعارض في الوجودات المتعددة، فالنص يؤكد تعدد النشأءات لا تعدد الوجودات (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) ﴿٧٩ يس﴾، وأيضا (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ) ﴿٤٧ النجم﴾.
إذا لا مفهوم الخلق ولا مدلول الجعل ولا قصدية النشأة من خلال النصوص مقارنات ومقاربات وقصديات ومنطق تدل على الإيجاد والتكوين الأول، فلا يتضمن النص القرآني بمجمله فكرة عن الإيجاد ولا عن طبيعة تكوين الوجود الأول ولم تقطع النصوص بأن الخالق هو الموجود الأساس لا نصا صريحا ولا حتى تلميحا تأوليا، وهذا يقودنا إلى إشكالية فهم الذات الإلهية ودورها في إيجاد الوجود أولا وفي حقيقة كونها أصلا جزء من الوجود مناظر أو مقابل أو ضد نوعي، وإن كان الأخير هو المصرح به والمؤكد بيانه بالنصوص (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ﴿١١ الشورى﴾، فالشيء هو الوجود المحسوس والمدرك والمفهوم والمفسر بخصائصه وصورته التي ندركها ونتعامل بها على أنها حقيقة، فعندما لا يكون الموجود الأخر مثله أي فاقد لعنصر الشيئية فلا بد أن يكون نظير ضدي نوعي، أي أن الله الوجود في علاقة سالب وموجب وليس من نوع واحد، الأول ضروري لوجود الثاني وكاشف له والثاني كذلك وهذا ما ينطبق على قانون الضدية.
هل هذا القانون الضدي يمثل "الوجود" و "اللا وجود" أم يمثل " الشيء" و " اللا شيء"؟، فإن قلنا أن الله يمثل اللا وجود النوعي الضدي للوجود فإننا أنكرنا المماثلة بالأس المشترك بين الوجود واللا وجود وهو توفر أركان الوجود المادية في الأول وغيابها في الثاني، فالا الوجود الضدي النوعي يستلزم أولا إقرار بالمشترك النوعي وهنا لا بد من رابط مثل الحرارة والبرودة الرابط بينهما وجود درجة الحرارة في الاولى وأختفائها في الثانية، لكن يمكن أن نشير إلى الفارق النوعي بينهما لا من حيث الجوهر الرابط ولكن من حيث الجوهر الأعتباري، وحتى مع هذا التقدير فالله موجود وليس لا موجود لا بالشكل الجوهري ولا بالإعتباري، إذا الله ليس ضد نوعي للوجود ولا بالشيئية أيضا لنفس الأسباب فنص "ليس كمثله شيء" لا يعني أنه لا شيئي وضد نوعي لشيئية الوجود المادي، بل نفيا مطلقا لأن يكون الله شيئا أو لا شيئا لنفس العلة في اللا وجود السابقة.
إذا الله لا هو من سنخ الوجود المادي الذي نحن منه ولا من الضد النوعي عدم الوجود، لا تلحقه الشكلية التي نتعارف بها ونعطي لكل شيء ماهيته الخاصة، لأننا نستطيع تشخيص سمات الشيء وخصائه، ولا هو من اللا شيء الذي لا نحدد ملامحه ولا صفاته ولكنه قابل للتحول للشيئية متى ما خضع لقانون الإمكان، لا يمكن إنكار وجوده ليس لأننا نريد ذلك ولكن لأن معادلة الوجود لا تستقيم إلا بجناح أخر يمثله هو أو ما ينسب له، لا ندركه ولا نتركه ولا نستطيع أن نجعله خارج البحث فتتوقف معادلات الحلول عند نقطة الفقدان أو الترك، ومع ذلك ما زلنا نسعى لمعرفة ما يمثل لنا الله في الحقيقية.
نعود لموضوع تساؤلاتنا حول هل الفكرة الدينية ومن خلال النصوص ومخرجاتها القصدية كانت أفكارا وجودية؟ أم أنها من المثاليات التأملية أو التأملات التي تسرد أفكارا ميتافيزيقية قد تحمل أنواعا عدة من الأفكار؟ الجواب البديهي أن النص الديني يقدم تفسيرا وجوديا متكاملا قريب جدا من فهم وجودية سارتر التي قدم فيها الماهية التوصيفية على الوجود، وأن حقائق الوجود تقسمه إلى قسمين "وجود بذاته" وهو خزائن كل شيء ووجود لذاته "الوجود المخلوق" وإن العمل والتفكر والتدبر طريق للسمو عند الكائن المخلوق الواعي وكل حسب نوعية وماهية الوعي، وأن سعي الإنسان للقيم النبيلة سعي ليس لأجل هدف فقط لإرضاء منظومة المجتمع والأستجابة لقوانينه، بل لأنه محكوم أساسا بأنه حر.
وهذه الحرية ليست جبرية بل أختيارية لكنها ضرورية ولا يمكن أنتزاعها منه لأنه هو حر بالقوة، وتبقى قضية أستخدامها أو التمتع بهذه الحرية مناطة به وحده، وأن القيم الأخلاقية والفكرية التي ينتجها وهو حر ومختار وواعي لا بد أن تطابق القيم الكلية المثالية المطلقة من حيث شكليتها وهدفيتها "الأحسنية" و "الأخيرية"، والمساس بالحرية من قبل الأخر فرد أو مجتمع أو قانون أو قوة خارجة "الشيطان" لا تجعل الإنسان مسئولا كليا عنها ولا معفيا كليا من تبعاتها، لأن عليه ومن واجبه أن يكون حرا يسعى للبناء والسمو " الإصلاح" ومحاربة كل السلوكيات والإرادات التي لا تتماشى من كونه حر بالقوة ومسئول عن وجوده وحريته "الفساد".
كل هذه الخطوط الوجودية التي يقولها النص الديني كنص مجرد يعيد عن التأويلات والتفسيرات الغيبية والإعتباطية نجزم معها وبها أن فكرة النص الديني فكرة وجودية بأمتياز خاصة فيما يتعلق بالشق التنظيري الخاص بالماهية والوجود، هذا ليس إنحيازا للوجودية ولي عنق النصوص لتكون كذلك ولكن لأنها هي بالحقيقة تصب في مجرى وجودي يؤمن بأن الوجود والتكون والإيجاد قضايا تمت وأكتملت قبل تدخل الله في الخلق صانعا وجاعلا ومنشئأ ولا يدع النص خلاف ذلك ولا يعارض هذه الفكرة الوجودية بأي فكرة مثالية أو ميتافيزيقية.
تبقى خصيصة النص الديني الوجودية أنها تعتمد على الإيحاء المتجزئ والفكرة المبثوثة في عدة نصوص الهدف منها جر المتدين للتفكير والتدبر والبحث، وليس لتقديم نظريه له على أنها جاهزة وما عليه إلا التسليم بها أو إنكارها، النظرية الوجودية الدينية إقرار بأن الكون الوجودي بشقيه الظلامي "اللا شيئي" والكون المادي الشيئي كلاهما من أصل واحد، وإن التطوير والتمدد ثم الإنكماش والعودة للحالة السابقة ولكن من أتجاه عكسي كلها حقائق ندركها الآن أو في المستقبل، وأن العدم الفيزيائي والعدم الفلسفي كلاهما ليس حقيقيان وإنما هما من أدوات العقل لإكمال أفتراضي لمعادلة حقيقية طرفها واحد وهو الوجود، لكنها لا تعمل إلا بإيجاد طرف أخر أفتراضا أو تأملا لتتم هذه المعادلة نتائجها.
ويصبح القانون من خلالهما عندنا كوجود واعي كالآتي "الوجود واحد متعدد والجوهر متعدد لكنه واحد، والماهيات متفاوتة بتفاوت الجوهر والغرض منها، ولا ماهية بلا وجود سابق إلا الماهية التصويرية التي تسبق الخلق وتتجسد فيه"، هذا القانون الوجودي هو الفكرة المشتركة بين الدين كمعطى معرفي وإن كان فوقيا بمعنى التكوين والمصدر ووصفه جزافا بالمثالي، وبين الفلسفة كإشغال عقلي ذاتي يرسم فكرة الأنا من خلال تأمل الوجود وتفسيره وتعليله بناء على التجربة والمنطق البرهاني فهو وجودي من هذه النقطة لأنه يبعد عن الأفتراضات اللا منطقية أيضا، وكلاهما يتبعان النظر من فوق أو من الداخل للوصول إلى ذات النتيجة بما فيها وما منها.
الدين إذا وبشكل واقعي مجردا من طريقة عرضه للفكرة والتي يراد منها كما بينا سابقا أن ترسم طريقا عقليا للوصول للحقائق الوجودية، إنما هو يتعامل مع هذه الفكرة ومن هذه الزاوية بواقعية وجودية، غير أن ما ورد في حشو الفكرة من قضية خلق الوجود ومنه خلق الإنسان وطريقة عرض الموضوع بالشكل الوارد في النصوص، لا يعني بأي حال أن الله يريد أن يقول أنه هو من أوجد الوجود الأول، ولا هو من صنعه من عدم، بقدر ما يكشف عن قضية التخليق والتصوير التي مارسها من خلال سيطرته على نظام التفاعلات الذاتية في الوجود الظلامي، فهو يملك أسراره ويتصرف بها وفقا للمشيئة الشيئية التي حرك بها ذلك الوجود الأول، ليكون وجودا أخر أو عرضا لوجود أخر كان طبيعيا أن يتحرك بهذه الصورة، من خلال التحكم بالأسرار الكونية التي أحاط بها وسخرها وفقا لطريقة عملها الأساس، هكذا يجب أن نفهم قضية الخلق لا قضية الإيجاد والتكوين الأول التي تتطابق تماما مع كل القوانين الفيزيائية والكيميائية السائرة قديما وحديثا.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي