جدل تاريخي حول منطقتنا -الجزء الأول

أشرف عبدالله الضباعين
2021 / 11 / 15

يقولون أن الروم كانت دولة احتلال لمنطقتنا، وهذا تحليل تاريخي لا يبتعد كثيرًا عن الحقيقة، فالروم وريث الرومان والذين كانوا غزاة وبحكم القوة وأخضعوا حوض البحر الأبيض المتوسط لحكمهم دون إبادة أو مسح ممالك عن الوجود، بل كانوا يحولون الدول الموجودة إلى دول تابعة لحكم روما ثم القسطنطينية. الروم لم يكونوا أهل البلاد الأصليين لكن امتداد الإمبراطورية الرومانية لمنطقتنا قبل الميلاد أدخل لهذه الأراضي الشاسعة للثقافة والحكم السياسي والإقتصادي الروماني. لكن دعني أيها القارئ أًذكرك أننا نتحدث عن كانت هذه مقدمة لما أرغب بطرحه من هذا المقال، وليس المحور الأساسي للمقال.
وإذا اعتبرنا أن الروم دولة احتلال فلماذا يقال أن الكنيسة الأثرية الفلانية كنيسة بيزنطية؟ مع أنه قد يكون قد بناها وتبرع بها وأدارها أهل المنطقة. لكن للتوضيح الكنائس صُنفت حسب البناء والتبعية الطائفية وقتها ولم تُصنف حسب القومية. نعم ارتبطت الأرثوذكسية بالروم فأصبحت الأرثوذكسية قومية طائفية، بينما ارتبطت اليعقوبية بالسريان والأرمن والعرب وأهل المنطقة فكانت اليعقوبية أيضًا صفة للقومية الشرقية المناهضة للقومية الأرثوذكسية الرومية، وكذلك الآشورية في العراق والقبطية في مصر! مع أن جميعها تسمّيت بالأرثوذكسية.
إذا لماذا لا يقال عن كنيسة أثرية أنها على النمط البيزنطي... كنيسة على النمط القبطي... كنيسة على النمط القوطي... اذا أردنا أن نصنف الكنائس من حيث أسلوب بناء والطقوس التي تجري فيها.
أو أن نقول كنيسة رومية أو كنيسة قبطية أو كنيسة آشورية اذا أردنا أن نتحدث عن تبعية الكنيسة في إيمانها وعقيدتها لكرسي ما.
المهم
بعد أن أندثرت مملكة الأنباط في بلادنا هل كانت بلادنا تعج بالروم؟ ما عددهم نسبةً للعرب في جنوب بلاد الشام وأوسطها؟ أو السريان في شمال بلاد الشام وسواحلها؟ أو الآشوريين في شرق بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين؟ واذا كان الأمر غاية في الصعوبة حصر هذا المكان الواسع فلنقل أقلها في الأردن.
الكتب التاريخية لا تحدثنا بإسهاب عن هذه الفترة كثيرًا لكن الرومان كانوا يحكمون وبالتالي فوجودهم مؤكد ولكن قليل، قد يكونوا تجار وأثرياء وجنود وحجاج، لكن المنطقة لم تكن خالية منهم، والأردن كان مركز الأنباط لكن ماذا بعد الأنباط؟
تُشير المصادر التاريخية بأن الملك رب إيل الثاني هو آخر ملوكهم وانتهت مملكتهم في سنة 106م حيث أرسل الإمبراطور تراجان حملة اُحتلت فيها البتراء دون مقاومة، وبسقوطها انتهت دولة الأنباط وأصبحت ولاية رومانية، وجزءًا من المقاطعة العربية التي أنشأها الرومان في الطرف الجنوبي من سورية للحماية من هجمات البدو. لكن من حل مكان الأنباط؟
تُشير المصادر ذاتها بأن ممالك أو قبائل عربية تابعة للروم حلت مكانهم.
البعض يسمونهم اللخميين وهم من قبيلة نبطية وهي تنوخ والتي منها اللخميين حكام الحيرة والغساسنة حكام الأردن وجنوب سوريا، بينما تُشير بعض المصادر القليلة إلى أن المنطقة كانت تقطنها قبائل “الضجاغمة” ومنهم أمير شديد البأس اسمه عمرو بن الهبولة لكن مصادر أخرى ترى ابن الهبولة غساني (سيرة ابن هشام)! بينما يراه آخرون ملك من ملوك سليح ( جمهرة النسب لهشام الكلبي) لكن الغساسنة لم يكن لهم وجود في المنطقة قبل القرن الثاني أو الثالث الميلادي.
كانت الأردن وجنوبي سورية تقع ضمن سلطة سليح، وكان الروم قد ولوا "الضجاغمة" من آل سليح القضاعيين على تلك البلاد والضجاغمة جدهم ضجعم، وكانت ديار قضاعة في المناطق الواقعة بين جبل الشيخ وجبال فلسطين والبلقاء والغور والعقبة وجبال الكرك، فرض الضجاعمة ضرائب على الغساسنة مما أثار فيما بعد خلافات أدت إلى حدوث معارك انتهت لصالح الغساسنة وتولوا حكم ما كانت تتولاه سليح، وآل سليح بدورهم كانوا قد تغلبوا على تنوخ الذين سبقوهم. أخيرًا للأمانة العلمية فإن هذا المقال بحاجة لمزيد من الدراسة والبحث العلمي كون المصادر والمراجع التي تتحدث عن سكان الأردن في الفترة من القرن الأول الميلادي حتى القرن الثالث الميلادي نادرة وقليلة ولكن لنعتبر هذا المقال نقاط للدخول في بحثٍ لاحق يكون أكثر عمق ومنهجية خصوصًا أن النقوش في جنوب وشرق الأردن التي تم دراستها ويتم دراستها حاليًا من قبل خبراء الآثار – وهي كثيرة جدًا بالمناسبة – قدمت وستقدم كم هائل من المعلومات القيّمة.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير