اللحم ومشاهده المؤثرة

أشرف عبدالله الضباعين
2021 / 11 / 15

يظهر اللحم في الكثير من المشاهد الجميلة، واللذيذة، والمثيرة، وحتى في مشاهد محبطة، ومؤلمة، ومحزنة.
في مشهدٍ ما يكون البطل فقيرًا معدمًا يشهتي ما لذ وطاب وعلى رأس هذه المشتهيات اللحم، وفي ضربة حظ يُصبح البطل الفقير رجلا غنيًا ولكن مصاب بمرضٍ خطير. يُشخص الأطباء مرضه بالشديد، وعليه أن يمتنع عن قائمة طويلة من الأطعمة، وعلى رأس هذه القائمة اللحوم بأنواعها. وأمام هذه الغنى الكثير والمرض الشديد يقف البطل في موقفٍ لا يُحسد عليه، فيأخذ يبحث عن فقراء يشتهون اللحم، فيختار كل مرة فقير ما ويضع أمامه طبق ضخم فيه كتف خروفٍ مشوي، بينما يكتفي البطل المريض بطبقٍ من طعامٍ لا يشتهيه، ثم يأخذ الفقير تعليمات الأكل من الغني، كيف يأكل ومن أين يأكل والغني ينظر للفقير بعين الحسد والغيرة.
في مشهدٍ آخر يكون البطل كومبارس، يلعب دور " المسلم" في مشهدٍ من الجاهلية، حيث يجتمع الكفار حول مائدة من الشراب، وما لذ من الطعام بينها طبق كبير من فخذة خروفٍ مشوي، ويتداول فيه الكفار ماذا يفعلون بهذا الدين الجديد. وإذ كان البطل الكومبارس يتفرس في قطعة اللحم أثناء التصوير فينسى الكلام الذي يفترض به قوله، يُجن جنون المخرج ويعمل على وقف التصوير، فيستغلها البطل الكومبارس فيذهب إلى مساعد المخرج ليطلب منه أن يمثل دور الكافر في الفلم لا دور المسلم، متحججًا أنه حفظ دور الكافر، ويستخدم هذا الرجل كل أساليب التوسل والإستجداء بأن يكون " كافرًا" لنصف ساعة فقط، فيحن قلب مساعد المخرج، ويتوسط عند المخرج الذي يقبل على مضض هذا التعديل على الأدوار، فيجلس الرجل أمام الطبق وأمامه قطعة اللحم الضخمة الشهية، ليصبح كافرًا كما حلم، وما أن يصرخ المخرج أكشن حتى يهجم الكافر على قطعة اللحم ويفترسها أمام صدمة "الكفار" و "المسلمين" و"المخرج" وطاقم الفلم كله! ناسيًا حتى دور الكافر! ليُطرد بعدها من التمثيل، مُعبرًا لصديقه مساعد المخرج عن امتنانه، بينما يأسف صديقه لفصله من العمل.
اللحم في كلا المشهدين يُشير بوضوح لمدى تأثير الدم على البشر، فاللحم قد يكون أي إشارة أو رغبة أو احتياج يجعل الإنسان بلا عقل فيبدل فكره، سلوكه، كلامه، عاداته، تقاليده، لا بل قد يتنازل عن احترامه لنفسه واحترام الآخرين له.
اللحم وما أدراك ما اللحم، فهو سبب ما نشب من صراع منذ نشوء الكون حتى تاريخه، واللحم كان سببًا في الكثير من مشاهد الدم سواء في الحقيقة أو في الأفلام أو الروايات ونشوب حروبٍ وصراعات وخلافات، وحتى في كتابة هذا النص ذاته.
اللحم قد لا يكون لحمًا بالضرورة، فليس كل اللحم لحم.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير