كاظم حبيب – استاذاً جامعيا وباحثاً أكاديمياً ونصيراً في كردستان وناقداً أدبياً

سناء عبد القادر مصطفى
2021 / 11 / 14

قلما نجد انسانا يجمع بين الصفات الواردة أعلاه – أستاذا ًجامعيا ًوباحثا ًعلمياً ونصيراً في جبال كردستان في ثمانينيات القرن الماضي والناشط في الدفاع عن حقوق الانسان والديمقراطية في العراق والبلاد العربية وناقداً أدبياً.
وعلى الرغم من كوني لم تسنح لي الفرصة من التعرف على الدكتور كاظم حبيب عن كثب، إلا أني سمعت عنه حينما كان يشرف على مكتب الدراسات الاقتصادية في سبعينيات القرن الماضي في شارع النضال في العاصمة بغداد وكنت وقتذاك طالبا في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد، حينها كانت توجيهات من الحزب بعدم زيارة هذا المكتب لأسباب أمنية.
رأيته أول مرة في ندوة جمعية الاقتصاديين العراقيين ببغداد في ربيع العام 1974 حسبما أتذكر. كان موضوع الندوة هو مناقشة قرار الحكومة العراقية برفع رواتب الموظفين والعمال في قطاع الدولة بمقدار عشرة دنانير عراقية (كان سعر صرف الدينار العراقي الواحد آنذلك يعادل 3.3 دولاراً أمريكياً) وذلك بعد أن أعلن أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية العراقية وقتذاك عن رفع رواتب جميع العاملين والموظفين في الدولة بمقدار عشرة دنانير لكل عامل وموظف ، بعد أن حصل العراق على مداخيل عالية نتيجة لتأميم شركات النفط الأجنبية في العراق. كان من ضمن المناقشين في الندوة الدكتور محمد سلمان حسن من كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد (الذي عملت معه معيدا حينذاك وهو الذي اخبرني حول موعد انعقاد الندوة ) والدكتور كاظم حبيب من الجامعة المستنصرية ببغداد أيضاً.
كانت مداخلة العالمين الجليلين محمد سلمان حسن وكاظم حبيب قد انصبت وركزت حول موضوع ارتفاع أسعار السلع والخدمات في العراق كتأثير متوقع لهذه الزيادة في رواتب وأجور الموظفين والعمال . كان اقتراحهم هو تخفيض أسعار السلع والخدمات بدلا من زيادة الرواتب التي سوف تؤدي الى ارتفاع أسعار السلع والخدمات والتهام الزيادة في الرواتب التي هي عشرة دنانير. وحدث الذي توقعاه ، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة حوالي 20% قبل استلام المواطنين الزيادة في رواتبهم بنحو شهرين والتهمت الزيادة في الرواتب قبل استلامها.
غادر جامعة الجزائر بعد أن عمل فيها في الفترة الزمنية 1979-1981 وتوجه إلى كُردستان العراق للمشاركة في حركة الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي منذ نهاية العام 1981 حتى نهاية 1984، ثم شارك في الحركة مرة أخرى بين عامي 1987-1988.

قرأت للدكتور حبيب الكثير من ما ينشره في مجلة الثقافة الجديدة ومواقع مختلفة مثل الحوار المتمدن والمثقف. فقد كتب الراحل أبو سامر في عدة مجالات : الاقتصاد والسياسة والديمقراطية والنقد الأدبي وركز بالدرجة الأولى على مصير الوطن والكادحين من الشعب العراقي. وتميز باسلوب بسيط خا ص به يهدف من خلاله ايصال أفكاره وآرائه الى القارئ .
التقيت به في الطاولة المستديرة التي أقامتها مجلة الثقافة الجديدة في شهر شباط العام 2021 ، حينما شاركت معه ومع باحثين ومختصين في الشأن العراقي في ندوة بعنوان "البنية الاجتماعية-الطبقية في العراق وتحولاتها منذ العام 2003".

تعتمد منهجية الدكتور كاظم حبيب ومدرسته في التحليل الاقتصادي والسياسي على الفلسفة الماركسية التي طور بواسطتها مفاهيم يتمكن الناس البسطاء من استيعابها دون صعوبة ولهذا أصبح يتمتع بكثرة اللذين يتابعون ما ينشره من كتب وأبحاث ومقالات ومداخلات في ندوات فكرية ذات مواضيع مختلفة يطرح فيها وجهات نظره وآرائه. إذ لعبت مقالاته التي نشرها اثناء انتفاضة تشرين العام 2019 دورا مهما في بلورة شعارات الانتفاضة الشعبية. ومن المقالات التي نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 26/10/2020 بعنوان :"لتُشل الايدي الخبيثة التي تريد اغتيال الانتفاضة السلمية!"عكس فيها مدى دعمه وتأييده لهذه الانتفاضة السلمية التي أرادت قوى الطغيان اخمادها. فقد ناصر ودعم انتفاضة تشرين الشعبية منذ بداية انطلاقها في الأول من تشرين الأول العام 2019 من خلال ما نشره من مقالات في موقع الحوار المتمدن. إذ كتب التالي:"لم تكتف الميليشيات الإيرانية-العراقية الولائية بارتكاب المزيد من الجرائم الوحشية بحق المحتجين والمتظاهرين وقوى الانتفاضة التشرينية في مختلف مدن الوسط والجنوب والعاصمة بغداد، سواء بالقتل أو الاختطاف والتغييب أو الابتزاز والتهديد والنهب والسلب، فحسب، بل امتدت جرائمها البشعة إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في محاولة خبيثة لتقويض الأمن والاستقرار وإشاعة الفوضى والقلق في نفوس الناس".

وفي مجال النقد الأدبي أستشهد بتقييم لرواية أستاذ محمود سعيد الطائي (صيد البط البري ، 2013 ، دار ضفاف للنشر، الشارقة – بغداد) الذي كان أستاذي لمادة اللغة العربية في متوسطة الناصرية للبنين في العام الدراسي 1962-1963. حيث كتب:"ما إن تقرأ عنوان هذه الرواية للكاتب والروائي المبدع الأستاذ محمود سعيد حتى يخيّل لك أنك ستقوم برحلة مع مجموعة من الأصدقاء لصيد البط البري في أحدى الغابات أو المناطق التي تعيش فيها هذه الطيور الجميلة. ولكن ما أن تبدأ بقراءتها حتى تفاجأ بمسألة أخرى بعيدة كل البعد عن رحلة ممتعة لصيد البط البري، بل يضع الكاتب القارئ والقارئة أمام فاجعة كبرى، أمام مأساة إنسانية مريعة، أمام عملية صيد وقتل مباشر وخارج القانون للبشر العراقي، لأبناء وبنات الحضارة البابلية. إن الرواية باختصار جديرة بالقراءة والتفكير بما وقع للعراق خلال العقود الأخيرة وما يعاني منه اليوم. إنها شهادة مهمة لتلك الأحداث ولو لجزء مهم منها. لقد تمتعت بقراءة هذه الرواية ولم يكن الكتابة عنها سهلاً، وتمتعت بالكتابة عنها وتعلمت منها، وسيطرا عليَّ الحزن والكآبة، ولو لفترة، لأن الرواية تتسم بانتقالات بينية، تمنح فرصة التغيير بين الحزن والفرح، بين الجنس والكوابيس، تلك اللفتات الجميلة والحوارات المنعشة واللقاءات مع الطالبات والطلبة ومع حليمة وإليزابيث وسناء في بيت بكر والأيمن".
أصدر الراحل دكتور كاظم حبيب أكثر من 35 كتاباً وكراساً والكثير من الدراسات والبحوث وآلاف المقالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفي مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني باللغة العربية وبعضها باللغة الألمانية.
بلغ عدد المقالات السياسية والاجتماعية والمدنية وحول حقوق الإنسان وقضايا الاقتصاد والقوى الدينية المتطرفة أكثر من 2000 مقال وبحث منذ العام 2000 والبعض منها باللغة الألمانية. كما نشر الكثير من المقالات في الاقتصاد والمجتمع والسياسة في الستينيات والسبعينيات والثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي في مجلات الثقافة الجديدة والطريق ودراسات عربية ومجلة الطليعة المصرية ومجلات الجامعة المستنصرية وجريدة طريق الشعب والمدى والزمان والعالم وفي الكثير من المواقع ومنها الحوار المتمدن الذي بلغ فيه عدد المقالات المنشورة فيه 2507 واجمالي القراءات 11.196.440 وصوت العراق والناس وغيرهما.
ترك لنا الفقيد مكتبة عامرة من الكتب والدراسات والابحاث في مواضيع مختلفة ومتشعبة :الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والديمقراطية.
إن رحيل الأستاذ الدكتور كاظم حبيب، خسارة كبيرة لأوساط كثيرة من الشعب العراقي، لروحه السكينة والسلام، ولذويه وعائلته الصحة والعافية والصبر والسلوان. ولنا في منجزاته الثقافية والإبداعية، خير عطاء تركه لنا وللألجيال القادمة.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي