في ذمة الله مؤلف تاريخ الحوزة العلمية في الحلة

نبيل عبد الأمير الربيعي
2021 / 11 / 14

لا يمكن الحديث عن الواقع الثقافي والتاريخي والأدبي في مدينة الحلة الفيحاء إلا وتسليط الضوء على دور الباحث والمرخ والمحقق الراحل د. عبد الرضا عِوض، عرفته قبل أكثر من عقد من الزمن، صادق المشاعر، حلو اللقاء، يعتبر لدى المثقفين والباحثين والمؤرخين المرجع والعرّاب، ومحل التساؤل عن كل شاردة وواردة، فقد أرخ تاريخ مدينة الحلةُ الفيحاء ووثّق سيرة علمائها، مُنذ النشأة وحتى يومنا هذا.
بذلَ الراحل عِوض جهده في إظهار الطوبوغرافيا العلمية لتاريخ مدينة الحلة، وتسليط الضوء على جملة الانجازات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي حصلت في الحقب الزمنية السابقة، فضلاً عن الغوص في أعماق التاريخ والخروج بسِفره الثمين وهو (تاريخ الحوزة العلمية في الحلة)، لتحتل وبجدارة موقعها التاريخي والفكري في المكتبة العراقية والعربية، حتى نال درجة الدكتوراه في منجزه هذا.
في صباح يوم الخميس الموافق الحادي عشر من تشرين الثاني 2021 وبتمام الساعة الثانية رَحلً المؤرخ والمحقق والباحث د. عبد الرضا عوض، تاركاً خلفهُ أثراً طيباً وأرثاً ثقافياً وأدبياً. فقد رثاه الكتّاب والأدباء والصحافة والمنظمات المهنية والاجتماعية، لكن الحكومة المحلية في بابل تَنّكَرت لهذا المؤرخ الكبير ولم يحضر أي مسؤول مجلس الفاتحة المقامة على روحه، والذي لم تذهب شاردة أو واردة عن تاريخ مدينتهُ إلا ووثقها في مؤلفاته. عاش الراحل النابغة حراً أبياً صادقاً مع نفسه ومع الآخرين. كان ينبه ابناء مدينته بأفكاره الحُرّة، ويلهب مشاعرهم بالدعوة لعقد المؤتمر التأسيسي الأول لوقّعة عاكف، والدعوة لعقد مهرجان تمصير تاريخ مدينته (الخامس والسادس والسابع) بعد أن اهمل من قبل الحكومات المحلية المتعاقبة، ومؤسساتها الأدبية والثقافية، فغضب محافظو بابل المتعاقبين منهُ، وأغضبوا عليه. كما فنّد الراحل هذه الحكومات في عهد الاحتلال الأمريكي المشؤوم، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماع كان يهاجم سياستهم بشجب واستنكار، وجعل مما ينشر مجالاً واسعاً لإنهاض أبناء بلده من غفلتهم وإفاقتهم من عثراتهم، مع هذا لكن الراحل كان لهُ مكانه كبيرة في قلوب محبيه، حيث كان يعبّر عن شعورهم أصدق تعبير.
ساهم الراحل عِوض بشكل فعّال في دعم الثقافة والتاريخ من خلال مؤلفاته وإصداراته التي تجاوزت (50) مؤلفاً، فضلاً عن مجلة أوراق فراتية، ومجلة اسديون، ومجلة العشرة كراسي، كذلك دوره في تأسيس ملتقى العشرة كراسي في مقر مكتبته، ودورهُ في صناعة الكتاب من خلال دار النشر (دار الفرات للنشر والدعاية والإعلام) في بابل، هذه الدار التي ساهمت بشكل مميز ومهني في الطباعة والتوزيع لكتابات بعض أدباء ومثقفي الحلة والمدن المجاورة، لا أبالغ حينما أصف الدكتور عبد الرضا عوض بمساهمته وثراءه للمنتج الثقافي العراقي، وهو أحد روّاد الثقافة، وأحد أعلام وفرسان الحركة الثقافية العراقية، وإذا كان لدالة الثقافة رمزيتها المحورية فأحد أركانها الدكتور عوض، وهو المعوّل عليه في مدينة الحلة في هذا المجال.
كان رحمه الله من الفاعلين والمساهمين في الثقافة الكتابية والمهتمين بحركة الفكر والنُخب الثقافية والأكاديمية، تتوق لهُ الخواطر من معشر الكُتّاب، حتى يضرب اللقاء في داره أو مكتبته العامرة مكتبة دار الفرات في الحلة، المكتبة التي شَكّلت الرئة والمتنفس للمثقفين والمتابعين للإصدارات الجديدة، حيث يعد دالتها.
كان للدكتور رحمه الله موقعهُ المميز في الأجواء الحلية، فهو الملم بالتاريخ والثقافة والأدب والإصدارات الثقافية، حتى بعض الأحيان احتكم لهُ بعض الباحثين في التحقيق والتدقيق والتوثيق التاريخي، وثق الكثير من أعلام مدينة الحلة وأديانها ومؤرخيها.
وكان في ساعاته الأخيرة وهو ينازع الموت قد أوصى ولده (علي) أن "يُبّلغ اللجنة العليا المشرفة على مهرجان تمصير الحلة السابع ورئيسها السيد غالب العميدي أن يعقد المهرجان مهما كانت الظروف والأسباب". حتى دوى نبأ رحيله المرعب واضطرب من اضطرب وحزن من حزن وسرَ من سر بساعة فراقه للحياة وإعلان وفاته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. فالراحل عَوض قد أوقف حياته لمدينته وتاريخها والمجتمع إيماناً ومحبة وعشق لها، فكانت خلود الحياة وخلود الميتة.
أبا حمدي فقدناك سنداً وأخاً عزيزاً، ومُعلَماً ومعيناً لا ينضب، رحلت وانت كما عهدتك قوياً للصعاب ونداً لها. لم تمت موتك الأبدي فأنت معنا نتذكر كلامك ونتصفح أرثك الثقافي الذي تركتهُ والذي كان عوناً للباحث الذي يبحر في صفحاته، لكن المدد لم يكن ينبوعاً جارياً فلا بد أن ينضب ويجف ويشح يوماً.
رحمك الله أخينا أبا حمدي، نُم قرير العين يا أخي، فقد انعمت علينا نحن أصدقائك بنعمة تجمعنا يومياً تحت مظّلة حوارك الجميل، وتجمعنا اسبوعياً تحت مظلة ملتقى العشرة كراسي في مكتبتك العامرة، كنت شغوفاً بتوثيق تاريخ الحلة، وقد اقترن اسمك مع اسماء أعلام مدينتك خاصة والعراق عامة. كان مجلسك اليومي في مكتبتك عامراً ومزاراً لكل صديق وأديب ومثقف وباحث. لذلك بقيت اخبار سيرتك العطرة بعد رحيلك الصادم لنا تدور على افواه ومسامع أبناء المدينة الذين يعرفوك ويعرفون افعالك الطيبة كل ما ذكر اسمك. تركت بعد رحيلك إرثا واثراً طيباً، تلك مآثرك وخصالك التي نعرفك بها. فليرحمك الله، والرحمة لروحك الطاهرة، وخالص العزاء للوسط الثقافي، والتضامن والمواساة لعائلتك الكريمة، وللأهل والمحبّين الصبر والسلوان.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار