|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رحيم الحلي
2021 / 11 / 13
رضيّة
قصة قصيرة كتابة رحيم الحلي
جَلستْ خلف الشباك المطل على البيت الصغير الذي يسكنه الغريب ، هي في بداية رحلتها الزوجية ، لم تصل العشرين من عمرها ، الحزن بعينيها مثل كحل عربي ، جاءت من القرية البعيدة ، هربا من جحيم الوالد الفلاح ، تقضي نهارها في حقل الزيتون والكرم بالضرب والشتائم وعدم الرضى ، ذلك الاب لا يرضى على الابناء فاللين يذهب هيبته ويفسدهم ، ولن يستفيد من الاولاد ، الفتاة ستذهب الى بيت زوجها سيقبض ثمنها مهراً يرتفع حسب رغبة الشاري وحسب اعجابه بجمالها ، رضية لم تكن ذات حظ كبير لا من الجمال ولا غيره ، فأبوها فظ ولئيم ، ثم جاءها العريس ، بيت كبير وأبقار وأغنام وحقل كبير ، كان عليها ان تخدم الجميع ، حتى اهل زوجها ، والده المسن وأمه اللئيمة التي تقف مثل بواب تحاسب على الصغيرة والكبيرة ، وحتى الطعام يدخل في قائمة الرقابة ، تراقب الثلاجة وما ان تجد نقصاناً حتى تسارع صوب زوجها الرجل المسن فتقول بصوت عالٍ :
- اتيت لنا بغولة يا ابو احمد
- طَوْلي بالك انها تشتغل مثل الحمير.
اما والد زوجها الكهل فهو نشيط مثل شاب صغير حيث يفيق مبكراً ليقوم بحلب الابقار اوسقي الارض ، فتتبعه رضية الى زريبة الابقار مع زوجها لمساعدته في حلب الابقار وتنظيفها ، ثم تقوم بتنظيف الارض ونكشها ، وحتى الكلاب الثلاثة التي تحرس الحقل والتي وزعت على اماكن مشرفة على مدخل الحقل والبيت الذي يقع في شرق المزرعة عند بوابتها الرئيسية ، حيث يواجهك المسبح المرتفع عن سطح الارض ، لم تمضي سوى بضعة اشهر حتى احست رضية انها خرجت من الدلف الى المزراب كما يردد الفلاحون حين لايجدوا فرقاً بين الاشياء ، قالت رضية وهي تجلس قبالة بيت الغريب الذي يقع جنوب الحقل عندما تستريح بعض الوقت بعد باقتلاع الادغال او حصد البرسيم :
- لماذا لم اتزوج مثل هذا الرجل الغريب ؟ ، كم هو مختلف حيث يذهب صباحاً وتبقى زوجته نائمة حتى الظهيرة ، ندبت رضية حظها العاثر ، لماذا يختلف الرجل الغريب عن بقية الرجال فهو يعامل زوجته برقة ، لا يشتمها او يضربها ، الرجال في القرية يضربون النساء على ابسط الامور ، اما ذلك الغريب فأمره عجيب يأتي الى البيت عصر كل يوم ، ثم يدخل البيت فلا يراه احد او يسمع صوته ، تقترب رضية عند المساء يدفعها الفضول لمعرفة حياة ذلك الرجل الغريب ، فتجلس تحت شباك البيت لتستمع لحديثه مع زوجته فهي قد انتبهت الى هدوئه وحلاوة كلامه المختلف حتى في مفرداته ، لماذا يختلف ؟ هل لأنه غريب يخاف من الاخرين ؟ كما يقول البعض ام ان عادات قومه تختلف عن عادات سكان قريتنا ؟ اسئلة لم تجد لها جواباً لذا راحت تجلس خلسة تحت شباك الغرفة الوحيدة في بيت الغريب الصغير الذي هو اقرب الى كوخ صغير لكنه كان بيت جميل ، كانت تحسد زوجة ذلك الغريب المدللة والتي لا تتعب حتى في اعداد الطعام حيث يساعدها زوجها في احضاره جاهزاً او يساعدها في تجهيزها ، ندبت حظها وهي تقول بصمت
- لماذا لست جميلة مثل زوجة الغريب
تفكر مع نفسها وتتسائل وتذهب بعيدا في احلامها لكن صوت زوجها يجعلها تنطلق مذعورة صوب بيتها وهي تجر اقدامها بهدوء فتمشي على اطراف اصابعها ، وتمضي الايام وهي تنظر صوب كوخ الغريب ، وذات مساء وبعد نهار صيفي قائظ ومضني وجدوها جثة هامدة وهي تنظر نحو السماء دون ان تشرب سوى جرعة ماء في ذلك اليوم الرمضاني ، رحلت رضية المتعبة مع احلامها ربما كانت توصي الرب بأطفالها الثلاث الذي لم يبلغ اكبرهم الرابعة من عمره .
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |