الدنيا دي شخبطة قلم رصاص

سامى لبيب
2021 / 11 / 10

- نحو فهم للوجود والحياة والإنسان (113) .
- العشوائية والنظام (4) .

مازلنا في سلسلة "نحو فهم للوجود والحياة والإنسان" تلك السلسلة التي أعشق وأستمتع وأقنع بالكتابة فيها حيث تحاول أن تقدم مفاهيم عقلانية ومنطقية وعلمية عن الحياة والوجود والإنسان لتواجه وتصحح الكثير من أوهامنا ومفاهيمنا المغلوطة التى صارت بمثابة عقائد ودوغما.
نواصل البحث في ملف العشوائية والنظام والتعقيد والتصميم ليمكن القول بأن الحياة والوجود بمثابة شخبطة قلم رصاص ولا يكون هذا توصيفاً وتشبيهاً بقدر ماهو حقيقة سنجدها ماثلة متى دققنا فى المشهد الوجودي والحياتي .

غيوم على شكل انسان
https://lh3.googleusercontent.com/proxy/Y7DSSxzR9JCf95zt0sWvez-SlI5WU-9hRmUjzw3JO7kZhjsdS6r2tqeIVZjta9Q8jasPXzRgF4A69PlffHVlYhJjKKPii5xY-QONnXnk6pZxgCnT-jFvJObCCB9_7irX
غيوم على شكل حيوان .
https://img.3ain.net/ArticleImgs/2018/9/23/296840-5.PNG
- نبدأ فكرة أن الدنيا دي شخبطة قلم رصاص بمشاهدة هذه الصور والتي تمر على البعض كصورة للغيوم فقط بينما يري بعض المتأملين أنها تجسد صورة لإنسان وحيوان , ولن نجد عاقل يقول أن وراء مشهد الغيوم هذا فاعل وإرادة عاقلة تقوم برص جزيئات الماء لتبدو لنا بهذه الصورة فنحن أمام مشهد طبيعي عفوي يفتقد لأي غائية أو ترتيب ومن هنا يأتي نفينا لأي غائية فى الحياة والوجود .

- نحن هنا أمام مشهد طبيعي بدون ترتيب أو غائية أو تصميم أى شخبطة للطبيعة وجدناها تتقارب مع الصور التي فى وعينا أي أننا من منحنا هذه الشخبطة من الغيوم معني , فلولا وجود توافق وتقارب مع وعينا ما أعطينا تلك الصور أي معني .

- هكذا حال الوجود والحياة الذي يمتلأ بمليارات الشخابيط التي لا نهتم بها ولا نعطيها معني كوننا لم نستطع إيجاد علاقة ما قريب من وعينا أو إنطباع ما وهذا يعني أن مليارات الشخابيط التى أنتجتها الطبيعة بلا معني ليبقي المعني مُنتج وإنطباع إنساني علي الأشياء متي أنتج علاقة وتقارب , فالأشياء لا تحتوي فى ذاتها على معاني .

- تَجدر الإشارة أن الشخبطة فى الطبيعة أى التعقيد بها بدأ بخط صغير ليس ذو معني ومع التعقيد جاء المشهد الحياتي الذي يمكن أن نجد له معني وفهم أو نقف عاجزين عن فهم الشخبطة منبهرين بتعقيدها ليمارس البعض التسبيح لصانع الشخبطة , ومن هنا ندرك أن العجز والجهل عن إدراك الشخبطة أنتج فكرة الكائن الميتافزيقي وما صاحبها من وهم وخرافة .

- هذه الصور تعني أن الطبيعة يمكن أن تنتج مشاهد مُعقدة وهذا يقربنا من فهم فكرة أن الطبيعة يمكن أن تنتج بشكل عشوائي عفوي أشكال معقدة ومركبة ومن هنا نقترب من فكرة تكون الخلية الحية مثلاً .

- التعقيد في الطبيعة لا يتم بشكل مثالي وكخطوة خطوة , فالمسار الطبيعي للتعقيد متعرج واقع تحت التجربة والواقع الموضوعي المادي فهناك مراحل كثيرة فى التطور الطبيعي لم تستمر وليست بذات ديمومة , فالمنتج الطبيعي أنتج تفاعلاته وفق للحظته بعفوية , ولكن قد يكون هذا التفاعل معاند للتطور والصيرورة فإضمحل ليظهر تفاعل آخر أفضل ليبقي ويستمر وهذا يشبه الإنتخاب الطبيعي فى الكائنات الحية .

- من التعقيد فى الطبيعة جاءت فكرة المُصمم لحل لغز التعقيد والمشهد النهائي فلن نترك أنفسنا حياري أمام التعقيد وعلامات الإستفهام , ومن هنا فالعِلم يعالج أخطائنا وأوهامنا ويبدد الكثير من غموض التعقيد ليرافق العلم رؤية فكرية فلسفية بخطأ منطق إعتبار أن مصدر كل النيران هو عود ثقاب , كذا التعاطي مع أن السًبب من المُسبب حصراً وأن السَبب من طبيعة المُسبب .

- هناك مفهوم خاطئ ومغلوط عن الصدفة لدى المؤمنين بفكرة الإله , عندما يَسْخرون من قول الملحدين أن الحياة جاءت من الطبيعة ليهزأوا بكلمة الصدفة التى أنتجت الحياة والوجود .. في الحقيقة لا أري أى دقة عند التعاطي مع كلمة الصدفة لأراها خارج سياق المفهوم الطبيعي للأشياء , فالصدفة تعنى في مفهومها تكرار مشهد في إحتمالية نادرة ولكن هذا لا علاقة له بمفهوم كيفية ظهور الوجود والحياة .. كذا لا أعتقد فى كلمة الصدفة هذه على مستوى إستحالة تكرار وتطابق المشاهد فلا يمكن أن نحظى بمشهد متطابق فى الطبيعة مع مشهد آخر بنفس ترتيب جزيئاته على مدار الزمان والمكان , فالماء لا يجرى فى النهر مرتين , ولكن يمكن أن نحظى على تقارب وتشابه للمشاهد , وعلى العموم فكلمة الصدفة غير دقيقة ولا تتناسب مع الفهم الموضوعي للحياة والوجود بل يمكن القول أن القضية ومصدر الخلاف مع المؤمنين تتمثل في عدم وجود عاقل وغائية وترتيب وراء الحياة والطبيعة فهذه هي القضية .

- الفكر الإلحادي والإيماني يقرا بوجود سبب فى التعامل مع الظواهر ليكون الخلاف بينهما أن المؤمن يُعزى وجود هذه الأشياء لصانع عاقل مُريد , بينما الملحد يُعزيها لعوامل طبيعية من ذات الوجود سواء أدركناها أم لا , فالوجود يفسر ذاته بذاته .. إذن نحن أمام رؤيتين فى التفكير أحداهما ترى أن الكون والحياة يحتاجا لمن يفسره ورؤية أخرى ترى أن الكون والحياة يفسران ذاتهما ذاتياً.. رؤية ترى أن هناك صانع ومنظم , ورؤية ترى الصنعة من فعل الطبيعة وأن النظام جاء فى السياق من وسط مشاهد عشوائية أوجدنا لها علاقة وصيغة نظامية .

- يسخر المؤمنون من الرؤية الإلحادية التي هي علمية موضوعية فى توجهها عندما يستدعون مثال شائع يريد النيل والسخرية من فكرة أن الطبيعة هى الخالقة وتفسر ذاتها بالقول فلتنثر حروف الطباعة فى الهواء لتسقط على الأرض مكونة قصيدة لشكسبير وبالرغم من سخافة هذا المثال الذى يريد إختزال حراك الحياة والوجود على مدار أكثر من أربعة مليارات سنه فى مشهد سحري , فلنا أن نثبت قدرة الطبيعة على تجميع حروف الطباعة لتنتج قصيدة لشكسبير كما أنتجت شخبطة صور لمجسدات حيوانات فى الجبال كما سنري .

- الطبيعة تنثر أحرفها فى الهواء بعشوائية يكون الإنسان هو الجامع لهذه الحروف ليخلق منها صيغة يعتبرها نظام , أى ينسق مجموعة معينة من الحروف والمشاهد ويعطى لها معنى من ذاته ليخلق نظام من فوضى ولنا مثال شهير متمثل فى اللغة فهي عبارة عن التوافق على ذبذبات صوتية عشوائية بلا معني وإرفاقها برموز نتوافق عليها لنعطي لها معني ودلالة , فاللغة هي التعامل مع العشوائية , ولنفطن إذا كان الكمبيوتر يمكنه كتابة قصيدة لشكسبير فى دقائق فالطبيعة وفق قوانين الإحصاء والإحتمالات تنتجه على مدار مئات الملايين من السنين بدون وعى وإرادة ولا يلومها احد على بطئها فهي ليس لديها خطة وغاية , لنأتي نحن ونصيغ فعلها فى نظام .

-من هذا المنطلق سيكون موضوعنا الذي يثبت أن من العشوائية يُنْتج نظام ,فيمكن أن تنتج قصيدة لشكسبير من حروف منثورة فى الهواء بدون الحاجة لوجود فكرة الإله الصانع المنظم وذلك من خلال عرضى لصور من الطبيعة أرجو ان تنال إهتمامكم وتأملاتكم
https://2img.net/h/2.bp.blogspot.com/_H_lVj83AdRA/Spp7DbdUhwI/AAAAAAAAC2E/LrRctJzFN88/s320/10092006-182900-3.jpg
https://2img.net/h/3.bp.blogspot.com/_H_lVj83AdRA/Spp6vS5NggI/AAAAAAAAC18/luPaUtwjDqU/s320/10092006-182921-0.jpg
https://2img.net/h/2.bp.blogspot.com/_H_lVj83AdRA/Spp6e30iMZI/AAAAAAAAC1s/n-A6TaIlWD0/s320/10092006-182921-3.jpg
https://2img.net/h/4.bp.blogspot.com/_H_lVj83AdRA/Spp7S98YC6I/AAAAAAAAC2M/jce58bLpLLE/s320/10092006-182900-1.jpg
عند مشاهدة هذه الصور ستصيبنا الدهشة كون هذه الصور نادرة فى الطبيعة وتقترب تشكيلاتها من صور معهودة فى وعينا فنحن نرى جبل على شكل فيل وجمل ورأس ضفدعة .

- لا يستطيع أصحاب الفكر الإيماني أن يتخذوا موقف حيادي من هذه الصور فإما أن يضعوها من إنتاج الطبيعة أو من إرادة وتقدير وترتيب إلهي فلا موقف آخر , فلو حاول المؤمنون أن يخلصوا الإله من هذه الصنعة وينسبوها للطبيعة فهذا يعنى أن الأمور تتم فى الوجود بدون إرادته وعلمه ورغماً عنه بالرغم أن هناك زعم بأن كل ورقة شجر مرصودة من الإله ولا تسقط على الأرض إلا بإذنه , لذا تنكرهم هذا سيخرجهم من المنظومة الإيمانية لينحازوا للفهم الطبيعى للحياة والإقرار بحقيقة الوجود المادي وبأننا أمام منتجات أنتجتها الطبيعة الغير واعية ولا المُدركة ولا المُنظمة بشكل عشوائي غير مَعنى ولا مُعْتنى وبلا قصد أوغاية أو نية ..نعم هى العشوائية التى تُنتج من وسط مليارات المشاهد فى الطبيعة مشاهد كتلك الصور , فمن المنطقي أن نحظى وسط هذا الإنتاج الهائل الطبيعي على تكوينات تقترب من صور نعهدها تستدعى صور مختزنة فى ذاكرتنا ومعارفنا السابقة , وهذا يعنى فى النهاية نفى وجود إله فالأمور لا تطلب فاعل عاقل .

- كل صاحب فكر عقلاني منطقي علمي سيقول أن هذه الصور نتاج الطبيعة وعوامل النحر والتعرية لتنتج هذه الصور النادرة أما أصحاب العقول المقولبة فسنراهم يسبحون الله على هكذا صور ولا تعلم لماذا التسبيح والتمجيد والإمتنان فهل الإله مسك أزميل وشاكوش ونحت الجبل لينتج صورة على شكل فيل أو رأس أسد أم عوامل التعرية والنحر التي تمت على مدار مئات الملايين من السنين أنتجت بشكل عشوائي هذه الصور القريبة من أذهاننا .!

- أصحاب الفكر المثالي الميتافزيقي الذين يحاولون الإقتراب من العقلانية يرفضون الفكرة الساخرة التي تقول أن الإله نحت بواسطة أزميل وشاكوش ليعزونها بتسخير الإله لقوانين الطبيعة أى توجيه جزيئات الماء والرياح للنحر والتعرية ومن هنا لا تعرف منطقية وإثبات هذا الإدعاء , ولكن يكفي القول طالما أن الطبيعة تقوم بهذا الأداء والفعل فما الداعي لحشر فكرة الإله ؟!

- إذا كان المؤمن يتحرج من سذاجة أعمال الطبيعة عندما ينسبها للإله كون الإنسان ينتج منتجات فنية أكثر براعة فلنا أن نزيد حرجه عندما نشاهد هذه الصورة البورنو لمشهد شجر توحى بممارسة جنسية .
https://i1.ytimg.com/vi/oBvsm2-dTDk/hqdefault.jpg
ولمزيد من الحرج أكثر فلنشاهد هاذين الفيديوهين لصور من الطبيعة شديدة الطرافة وباعثة للدهشة , فهانحن أمام مشاهد من ثمار الطبيعة ذات إيحاءات جنسية لقضيب ذكرى وفرج إمرأة ومؤخرة.!
https://www.youtube.com/watch?v=nO-GsDwYwtI
https://www.youtube.com/watch?v=AIDatwBZyMg
لنسأل بداية من كون وشكل هذه المنتجات لتجد حضور في ذهننا بهذه الإيحاءات .. هل هي الطبيعة المصمتة الغير واعية أم إله قدير حكيم كما يزعمون .؟! .. الإعتقاد بأن هذه المشاهد الطبيعية إنتاج إلهى بإعتبار عدم وجود مُنتج فى الوجود خارج عن خلقه وإبداعه وترتيبه ومشيئته ستضع هذه الرؤية فكرة الإله فى مأزق وحرج شديد .. فهل الله الداعي للعفه وغض النظر والبعد عن المثيرات والشهوات يُرسل لنا إيحاءات ومدلولات جنسية فاضحة تُثير الإنتباه والحياء وتستدعى مشاهد وخيالات مختزنة وتدفع لشبق الإنسان ؟! فهل من اللائق أن تكون هذه التكوينات الفاضحة منتجات إلهية ذات إرادة وغاية وحكمة ؟!

ماذا نفهم من هذه الصور :
- أن الطبيعة عشوائية ولاغائية في أدائها فقد تنتج لنا أشكال نراها مُنظمة تحاكى صور من الواقع ولكن كل هذا تم بفعل طبيعتها العشوائية والظروف المادية الغير عاقلة ولا مُريدة ولا مُنظمة , فالأمور لا تزيد عن جزئيات ماء وقوى الرياح التى نحرت ونحتت هذه الأشكال بدون غاية أو قصد وهذا يقودنا لفهم أن ما نراه معقداً كالمادة العضوية والخلية الحية هو إنتاج الطبيعة على مدار مئات الملايين من السنين من المحاولات الإعتباطية فى معملها المفتوح .

- أن العشوائية أي المنتجات التي تمت بدون غاية ولا تخطيط ولا تقدير يمكن أن تنتج من وسط مليارات المشاهد صورة نراها قريبة من صور فى وعينا كالتي قدمتها ليعطى وعينا لهذه الصور معنى , فلو لم يكن فى ذهننا صور لفيل أو أسد أو سلحفاة أو علاقة جنسية لم يكن لهذه الصور أي معنى أو غرابة وإندهاش تعترينا .

- هذا سيقودنا إلى فكرة محورية من الأهمية بمكان تأسيسها دوماً والبناء عليها وهى أن وعينا تشكل من صور مادية سابقة أي أن المادة سابقة على الفكر ,فيستحيل تكون فكرة فى أذهاننا إلا بعد وجود صور مادية سابقة لها تجمعت لتًشكل وعينا وأفكارنا , فالمادة هى التى تتقدم على الوعى وتُشكل ملامح الفكرة وأبعادها وآفاقها , ومع وجود صور مكتسبة من الطبيعة تتكون الأفكار لدينا ليتم إستنفارها عندما نشاهد صور من الطبيعة تقترب مع ما تَكون لدينا من صور سابقة .وعليه يستحيل وجود فكرة الإله إلا من صور مفرداتها من الطبيعة وجوداً وتأثيراً فلا إله بذاته بل إسقاط وعينا وتخيلاتنا على المادة .

- نضيف أيضاً أن الوجود المادي لا يكتفي يتكوين أفكارنا بل بنشوء منطقنا أيضا , فالمنطق هو رصدنا وتدقيقنا العقلاني لمشاهد الطبيعة وما نستنتجه منها فهناك شروق وغروب وليل ونهار ومطر وجفاف ألخ وهذا ما يُشكل مفردات منطقنا أي فهمنا وتعاملنا مع معطيات الطبيعة .

- من الأهمية بمكان عدم الخلط بين الأسباب والغايات فهناك دوماً أسباب سواء أدركناها أو لم ندركها ، فالحجر يقع من فوق الجبل بسبب الريح وعوامل التحلل , ولكن هل هناك غاية للريح بإيقاع الحجر؟! .. كذلك هناك سبب لإستدارة للصخور والأحجار على الشاطيء نتيجة ضرب الأمواج المستمر لها , ولكن هل غاية الأمواج جعل الأحجار تبدو كروية أو متدرجة من الكبر إلى الصغر ؟! ..من هنا يتضح أن كل مشاهد الوجود تنتج ذاتها بدون غاية بل تحت الظروف المادية العشوائية التي أنتجتها لتبقى الغائية فى الإنسان كعادة ذهنية باحثه عن الجدوى في ظل وجود مادي لا يقدم معنى ولا غاية ولا جدوي .

- إن المعنى مفهوم إنساني نسبي فلا وجود لمعنى فى ذات الأشياء ولا بوجود يصدر لنا المعنى فنحن من نسقط إنطباعاتنا على المادة لنعطيها معنى , فالصور التى نراها لجبال على شكل فيل لم تكن بذات الشكل من مليون سنه ولن تكون بذات هذا الشكل بعد مليون سنه وهذا يؤكد فكرة أن المادة سابقة على الوعى وهى التي تشكل مفرداته . لذا ليس غريباً أن نجد هذه المشاهد التى نراها نادرة ومدهشة وطريفة وشاذة عما نألفه لا تُثير إنتباه طفل صغير فلا تحرك فيه الدهشة والغرابة لعدم وجود أى صور مسبقة فى عقله الأخضر لهذه المشاهد .

- النظام ليس معناه وجود فعل وفاعل نظامي , فالنظام تقييمنا نحن للأشياء , فالأشياء ليست منظمة أو غير منظمة فى ذاتها بل نحن من رصدنا علاقات لنقول عن هذه العلاقات منظمة , أي هي تقديرنا ورؤيتنا وإنطباعاتنا نحن لتكون مشكلتنا فى فهم الوجود أننا تغافلنا أننا من قَيمنا الأشياء ونسبناها لمنظم ومُصمم خارجي .

- لا معنى لقولنا أن الكون ذو نظام وتصميم ,فلا يوجد أي شئ فى الوجود يحمل فى ذاته وكينونته وحدة إسمها نظام وتصميم وتعقيد بل هو تقييم الوعى البشرى للشئ ليطفى عليه صفات ومعاني إنسانية عن التصميم والروعة والنظام والعبث .. أى ان تلك التوصيفات للكون والحياة توصيفاتنا وتقييماتنا الخاصة وطالما هي كذلك فهي نسبية تخضع لعوامل وظروف موضوعية شتى , فما كان يراه الإنسان القديم رائعاً ومدهشاً نراه عادياً .

- نحن نعيش في وجود طبيعي لا يرسم الأشياء بإرادته فهو غير عاقل ولا مَعْنِى ولا مُهْتم بتصدير رسالة لنا أو حكمة ما للإقتداء , فنحن من نحاول أن نجمع المشاهد المتواجدة لنلصقها مع بعضها لنكون فكرة ومعني هى نتاج ماهو موجود , فكل محتواها وجذورها من واقع مادي ,ثم نتخيل وهماً بأن هناك رسالة ما ورائها .

- لا يعرف العقل الواعي العيش فى الحياة بدون أن يخلق روابط بين الأشياء , فالحياة بالنسبة لنا ليست صور منفصلة بل قدرتنا على تجميع الصور بشكل منطقي أو خيالي لنخلق مفهوم نتعاطى به .. فنحن لا نتحمل الحياة فى تكوينات عشوائية غير مترابطة لذا نخلق حالة نظامية نتعايش معها , فما نتصوره نظام هو حالة تقارب لسلوك المادة تحت ظرفها الموضوعي الذى سينتج مليارات المشاهد المتشابهة ولكن يستحيل أن يمنحها التطابق , ومن هنا نحن لصقنا صور الطبيعة مع بعضها وأسقطناها على كيان شخصاني يشبهنا وجعلناه قادر على تشكيل وتكوين الصور وإرسال الرسائل لتكون فكرة الإله إسقاط بشري وتعبير عن أنا الإنسان المؤله لنفسه .

- التصميم والنظام زاوية رؤية إنتقائية تسقط إنطباع إنساني ,فنحن يدهشنا الحياة على الأرض بينما الكون يحتوى على مليارات المجرات والكواكب الخربة تعمها الفوضى والعشوائية ولا تصلح للحياة ليكون مصيرها إنهيارات وثقوب سوداء .. نحن نعيش فى نقطة ذات حظ إستقرت فى الوجود المادي وسط ملايين الحالات الفوضوية لم تنتج حياة لنطلق عليها نظام ومن داخلها نتصور الوجود منظماً .!

- سبب وعينا المغلوط بالنظام هو أننا نعيش لحظة نظامية مُتوهمة تخيلناها فأسقطنا هذا الوعى على الوجود بينما الحياة على الأرض حالة إستثنائية لم تتكرر ومسيرها للفناء بنيزك طائش وقد تجد مصيرها فى ثقب أسود , لكننا لا نستطيع العيش على هكذا إحتمال , لذا نخلق لحظة نظامية وسط وجود غير مُنظم ليس له خطة ولا غاية فنحن لا نعرف العيش في سيناريوهات مفتوحة ولا تحمل الحياة وسط صور ومشاهد ليس بينها رابط لذا نخلق الرابط أو نقرأه بطريقتنا وبزاوية رؤية خاصة تتباين دوماً , ومن هنا جاءت فكرة الإله للتصالح مع العشوائية واللامعني .

- ما نشاهدة من نظام هو فقط مستوي قياسنا وفقا لزماننا ومكاننا ، فهذا النظام وليد حالة عشوائية تامة , فتفاعل المادة مع بعضها هو من تكون نظام فى لحظة زمكانية.

- النظام رصدنا لتكرار التوازن فى الزمن , لذا لا يوجد شئ إسمه توازن فى المطلق فيستحيل أن تستمر معادلة التوازن ثابتة بل الحالة التوازنية يستحيل لها أن تتطابق وعليه لا يوجد نظام فى المطلق .

- نحن نعيش وجود غير مَعنى ولا مُعْتنى يمارس حركته وحراكه وثورته بعشوائية شديدة لينتج مشاهده بلا قصد ولا غاية ولا حكمة , لنمتلك القدرة على المراقبة والرصد بوعينا الذي إنفصل عن الطبيعة لنصيغ الأشياء التى بلا معنى بطريقتنا .. نحن لا نستطيع العيش وسط سيناريوهات مفتوحة راصدة فى كل لحظة عشرات ومئات الإحتمالات فهذا هو الوسواس القهري الذى عندما تنطلق آفاقه سنقترب من الجنون لذا فى وسط هذه الحيرة وفى ظل قصور معرفى غير مُدرك لأغوار العالم المادي مع تواجد حالة نرجسية للذات ترى تمايزها عن كل الموجودات لتتسرب فكرة صاحب العلة والمُعتنى والمُهتم وليغذيها أيضا فكرة أننا أدركنا الألم وإختزلنا ذكرياته الأليمة فليتواجد صاحب العلة ليوفر لحظة أمان من لحظة مستقبلية خائفة وقلقة وليجعل من هذه العبثية والعشوائية معنى وقيمة بالرغم أننا مُنتجي المعنى والغاية حصراً وبتفرد .

- القول أن الطبيعة منظمة أو عشوائية قول غير دقيق فهو إعطاء سلوك شخصي عقلاني للطبيعة لنقع فى نفس خطأ فكرة الله , فعندما نقول أن الطبيعة منظمة أو عشوائية هو تقييمنا نحن لها فقط ,فالإنسان مصدر كل الأفكار والإنطباعات والأحاسيس ومنها خلقنا الأفكار والفلسفات والآلهة .

دمتم بخير.
يا بني ..الدنيا دي شخبطة قلم رصاص فلتعشها وتخلق لها معني ولكن إياك أن تتصور أن معناك هي حقيقة الحياة .

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين