الامبريالية والصراع الطبقي (6)

عبد السلام أديب
2021 / 11 / 8

1 - على نفس طريق كارل ماركس لا حظ لينين ان الرأسمالية دخلت مع بداية القرن العشرين منعطفا جديدا وهو منعطف الامبريالية حيث اكتشف ان التطور الطبيعي لأي بلد رأسمالي هو المرور عبر الدولة الرأسمالية الاحتكارية حيث تندمج الاحتكارات الكبرى بأجهزة الدولة فتؤثر وتتأثر بها فيصبح الاستغلال الرأسمالي يمر عبر آليات الدولة وبنياتها الفوقية القانونية والسياسية والأيديولوجية واجهزة الاكراه من قضاء وجيش وشرطة. ونظرا لعدم قدرة السوق المحلي استيعاب فائض الإنتاج لتحقيق الأرباح المطلوبة، فتتطلع الرأسمالية المحلية نحو الأسواق الخارجية، للالتفاف على ميل معدل الربح الى الانهيار وتحقيق التراكم من جديد وهو التحول الذي دفع التنافس الرأسمالي الى اللجوء المتزايد للتسلح واستعمار الشعوب غير الرأسمالية وبذلك ظهرت الامبريالية والتنافس الامبريالي لفرض النفوذ والهيمنة على مختلف يقاع العالم وعلى هذا الأساس انفجرت الحرب الامبريالية العالمية الأولى.

2 - وفي اطار تحليله الديالكتيكي للإمبريالية، اكتشف لينين قانون التطور الاقتصادي والسياسي غير المتكافئ باعتباره "قانونًا مطلقًا للرأسمالية" وانه انطلاقا من هذا التناقض الرئيسي فإن انتصار الاشتراكية ممكن في عدة دول أو حتى في بلد رأسمالي واحد فقط. وعلى أساس تطبيق هذه الرؤية استندت ثورة أكتوبر المظفرة في روسيا.

3- لكن كيف كان من الممكن أن يبدأ عصر الثورات البروليتارية بالضبط في روسيا المتخلفة، تلك الدولة التي كان عدد سكانها حوالي 80 % من الفلاحين؟ وقد علق ستالين على ظروف الإطاحة بالبورجوازية حينما قال: بدأت ثورة أكتوبر في فترة صراع يائس بين المجموعتين الإمبرياليتين الرئيسيتين، الأنجلو-فرنسية والنمساوية الألمانية؛ في الوقت الذي انخرطت فيه هاتان المجموعتان في صراع مميت فيما بينهما، لم يكن لدى هاتين المجموعتين الوقت ولا الوسائل لتكريس اهتمام جاد للنضال ضد ثورة أكتوبر، انظر، مقال ستالين في هذا الصدد: ثورة أكتوبر وتكتيكات الشيوعيين الروس.

4 – اجتمعت إذن جميع التناقضات الأساسية لتلك الفترة في روسيا، التي كانت بالتالي الحلقة الأضعف في النظام العالمي الإمبريالي، فقد اجتمعت في الإمبراطورية القيصرية العملاقة الإمبريالية الرأسمالية وعلاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية. ومع تطور الرأسمالية، ظهرت طبقة العمال، والتي، على الرغم من أنها لا تزال صغيرة نسبيًا، أصبحت القوة الحاسمة للثورة الروسية تحت القيادة الثورية للبلاشفة.

5 – خالف لينين عقيدة العديد من الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية للأممية الثانية التي زعمت أن الثورة الاشتراكية ممكنة فقط، وأنه مسموح فقط بتغيير القوى الإنتاجية الرأسمالية في بلد معين، وقد نضجت بالكامل، وشكلت البروليتاريا الأغلبية المطلقة من السكان هناك. إن تشويه المنشفيك لثورة أكتوبر ونعتها بالانقلاب كان قائماً على هذه العقيدة. لكن في التحليل النهائي، لم يكن هذا سوى محاولة من قبل الانتهازيين لتبرير استسلامهم نظريًا في مواجهة مهام الثورة الاشتراكية.

6 – شكلت ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 إيذانا ببدء عصر الثورة البروليتارية للإطاحة بالنظام الإمبريالي العالمي، وكانت أول ثورة منتصرة بهدف إلغاء استغلال الإنسان للإنسان كشرط مسبق للانتقال إلى مجتمع لا طبقي. فقد اخترقت ثورة أكتوبر جبهة الإمبريالية العالمية، وأطاحت بالبرجوازية الإمبريالية في واحدة من أكبر البلدان الرأسمالية ووضعت البروليتاريا الاشتراكية في السلطة". انظر ستالين "الطابع الدولي لثورة أكتوبر".

7 – وقد اعتبر لينين أن ثورة أكتوبر بداية للثورة العالمية ضد الإمبريالية. واعتبر أن انتصار ثورة أكتوبر تحقق على حساب مصاعب وصعوبات لا تصدق، ومعاناة غير مسبوقة، مصحوبة بسلسلة من الانتكاسات والأخطاء الجسيمة .... وأن البروليتاريا في جميع البلدان أمة سوف تكمل هذه العملية. المهم هو أن الجليد قد انكسر، وأن الطريق أصبحت مفتوحة، انظر خطاب لينين في الذكرى الرابعة لثورة أكتوبر. من هنا أصبحت ثورة أكتوبر نموذجًا للأحزاب الشيوعية والطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم.

8 – التحريفيون اليوم لا يجرؤون علانية على فصل انفسهم عن ثورة أكتوبر، ولا حتى بعد ابتعادهم عن الماركسية اللينينية عقب المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الروسي سنة 1956، لكي يستمروا في خداع الجماهير بالاعتقاد بأن السياسات التحريفية للبرجوازية الحاكمة الاحتكارية البيروقراطية الجديدة استمرت في اتباع سياسات لينين الثورية.

9 - جوهر التحريفية اليوم هو طمس الفرق بين الاشتراكية والرأسمالية. هذا هو السبب في أن الفرق بين الإصلاح والثورة غير واضح في الاستراتيجية والتكتيكات التحريفية. وحيث تغري أوهام التحريفيون تطلعات كافة الانتهازيين، عبر مقولات إمكانية الانتقال التطوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وأنه من المفترض أن يكون هذا التطورً تدريجيًا، وحيث تظل عناصر الرأسمالية موجودة، مع بعض الأشكال الاشتراكية البدائية. وقد انتقد لينين هذا التشويش على الرأسمالية والاشتراكية بقوة، من وجهة نظر الدياليك، حيث يقول قي كتابه الثورة البروليتاريا والمرتد كاوتسكي: يرفض الديالكتيك الحقائق المطلقة ويشرح التغييرات الناجحة للأضداد وأهمية الأزمات في التاريخ. أما الانتقائي فلا يريد مقترحات" مطلقة للغاية، لأنه يريد دفع رغبته الصغيرة إلى الأمام لاستبدال المراحل الانتقالية بالثورة... ولا يقول كاوتسكي وفاندرفيلد أي شيء عن حقيقة أن المرحلة الانتقالية بين الدولة كجهاز لحكم الطبقة الرأسمالية والدولة كعضو في حكم البروليتاريا في ظل الثورة، مما يعني الإطاحة بالبرجوازية وتفكيك وتحطيم آلة دولتهم.

10 – يتفادى التحريفيون اذن الدرس الشامل لثورة أكتوبر بأن على البروليتاريا الثورية أن تسحق آلة الدولة البرجوازية، جهاز السلطة الأساسي لديكتاتورية الاحتكارات، وأن تنشئ بدلاً من ذلك ديكتاتوريتها الخاصة من أجل قمع الطبقات المستغلة و القضاء عليهم كطبقة. فالتحريفيون هم اليوم على غرار كاوتسكي الذي سخر منه لينين بقوله: كاوتسكي يأخذ من الماركسية ما هو مقبول لليبراليين، وللبرجوازية ...، ويتجاهل، في صمت، ليخفي كل ما هو غير مقبول للبرجوازية في الماركسية.

11 - تعلمنا تجارب الصراع الطبقي أن البرجوازية الاحتكارية حاولت دائمًا منع التقدم المجتمعي من خلال استخدام جميع الاسلحة المتاحة لديها إذا اشتبهت في وجود تهديد لسلطتها وامتيازاتها؛ وذهب ذلك إلى حد إقامة دكتاتوريات فاشية وإشعال حروب أهلية.

12 – في النضال البروليتاري الشاق، يجب التغلب على المقاومة الحتمية للبرجوازية الاحتكارية، ويجب تحقيق مثل هذا التفوق للقوى التي تناضل من أجل الاشتراكية بحيث يمكنها منع رد الفعل من استخدام القوة والدفع في طريق الاشتراكية الأكثر ملاءمة للطبقة العاملة وحلفاؤها. ويلخص لينين في كتابه الدولة والثورة موقف التحريفيين من الثورة كما يلي: ما يحدث الآن لنظرية ماركس قد حدث، على مدار التاريخ، مرارًا وتكرارًا لنظريات المفكرين الثوريين وقادة الطبقات المضطهدة الذين يناضلون من أجل التحرر ... بعد وفاتهم، تُبذل محاولات لتحويلهم إلى أيقونات مقدسة غير مؤذية، إذا جاز القول، وحيث يتم تقديس أسمائهم إلى حد ما من أجل عزاء الطبقات المضطهدة وبهدف خداع هذه الأخيرة، بينما في نفس الوقت يفرغون النظرية الثورية من جوهرها، ويضعفون ثوريتها الى درجة الابتذال.

13 – قد تتمنى الطبقة العاملة أن تنتصر الثورة دون استخدام العنف. لكن قضية العنف تنشأ تبعا لإرادة البروليتاريا. فمع صعود النضالات، ستحاول الاحتكارات، وفقًا لكل التجارب التاريخية، الحفاظ على سلطتها عن طريق القوة الوحشية. لذلك، يجب أن تنتفض الطبقة العاملة من اجل الإطاحة بالإمبريالية وتحطيم جهاز الدولة البرجوازي، حينما يصل الصراع الطبقي البروليتاري أعلى مستوياته في الرأسمالية.

14 – رغم الرمزية العالمية لثورة أكتوبر من كون الثورة هي الطريق الوحيد للتحول من الرأسمالية الى الاشتراكية، الا انها تظل مع ذلك ذات طابع وطني لان روسيا القيصرية كانت الحلقة الأضعف في سلسلة الدول الامبريالية، كما انها أدت الى بناء الاشتراكية الانتقالية في بلد واحد، ولم تنتشر الثورة أكثر حيث تم قمع الحركات الثورية في البلدان الأخرى.

15 – وقد اعتبر لينين، بتوافق تام مع ماركس وإنجلز، بأن الثورة العالمية نقطة انطلاق ونقطة مرجعية دائمة لاستراتيجيته الثورية. حيث شكلت الثورة الروسية بالنسبة له مجرد بداية للثورة العالمية، لكنها حلقة واحدة في سلسلة الثورة العالمية.

16 – ورغم توقعات لينين، لم تشكل ثورة أكتوبر في حينها شرارة لثورة عالمية. ولم يتمكن الثوار في أي بلد آخر من الانتصار على الثورة المضادة. ومع ذلك، فإن الحركات الثورية في العديد من البلدان منعت الإمبريالية العالمية من تركيز قواها على تحطيم الثورة الروسية. وهذا يؤكد العلاقة التي لا تنفصم بين ثورة أكتوبر والصراع الطبقي العالمي. ويقول لينين في هذا الصدد خلال المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية في عام 1921، "عندما بدأنا الثورة العالمية، فعلنا ذلك ليس لأننا كنا مقتنعين بأننا لا يمكن أن نمنع من تطورها، ولكن لأن عددًا من الظروف دفعتنا إلى الانطلاق. فكرنا: إما أن تأتي الثورة العالمية لمساعدتنا، وهنا اما ان يكون انتصارنا مضمونًا بشكل كامل، أو سنقوم بعملنا الثوري المتواضع في قناعة بأنه حتى في حالة الهزيمة سنكون قد خدمنا قضية الثورة وأن تجربتنا ستفيد الثورات الأخرى. كان من الواضح لنا أنه بدون دعم الثورة العالمية كان انتصار الثورة البروليتارية مستحيلا. قبل الثورة وحتى بعدها كنا نظن: إما أن تندلع الثورات في البلدان الأخرى، في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما، على الفور، أو على الأقل بسرعة كبيرة، أو يجب أن نهلك. على الرغم من هذا الاقتناع، بذلنا كل ما في وسعنا لخدمة النظام السوفيتي مسبقًا تحت جميع الظروف، مهما حدث، لأننا علمنا أننا لا نعمل فقط من أجل أنفسنا، ولكن أيضًا من أجل الثورة العالمية. لقد علمنا بذلك، وعبرنا عن هذه الإدانة مرارًا وتكرارًا قبل ثورة أكتوبر، وبعدها مباشرة، وفي الوقت الذي وقعنا فيه على معاهدة بريست ليتوفسك للسلام. وبشكل عام، كان هذا صحيحًا.

17 – لم تتحقق توقعات لينين الملموسة لأن العوامل الموضوعية والذاتية في البلدان الرأسمالية الأخرى لم تنضج بعد. وهذا بالضبط ما يجب ان تشتغل عليه الأحزاب والمنظمات الثورية الماركسية اللينينية عالميا.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير