الظاهرة السارترية ح12 مفهوم الصراع والحرية بين هيجل وسارتر ج1

عباس علي العلي
2021 / 11 / 7

يأخذ موضوع الصراع من أجل الحرية عند هيجل بعدا أنطولوجيا تأريخيا عندما يصف الوجود بأنه عبارة عن صراع الإنسان من أجل حريته، هذا المفهوم الأنطولوجي التأريخي والذي يربط به هيجل بين الإنسان ووجوده مع تأريخه في علاقة جدلية بين الزمن والحدث، فهو يركز على مفهوم أساسي يتعلق بهوية الإنسان لا بماهيته كما عند سارتر، فالإنسان كما يقول تأريخ صراع مستمر حتى يصل إلى أن يتحرر من كل قيوده التي تعطل إثبات ماهيته الجوهرية التي تكمن في الحرية ليس كهدف فقط بل كوجود ثابت وعليه أن لا يكف عن خوض نضالاته وصراعه المستمر ليصل للحرية الوجودية التي بدونها يبقى الوجود عبارة عن علاقة منكوصة بين الإنسان والأخر السيد والعبد *.
الحرية عند هيجل مطلب أساسي للوصول إلى مفهوم ماهوي للإنسان، هذا المطلب أداته القبلية صراع حتمي بين الإنسان والأخر الإنسان والوجود فهو يبني مفهومه للحرية وحسب تعبير سارتر صراع من أجل تحقيق العدم "الحرية" فيما عنده الصراع هنا ليس ضروريا بهذه الصيغة المباشرة والحتمية وإن كان ضروريا، لكن من خلال وجود الأخر كإنعكاس يكشف وجود أخر، هذا الصراع السارتري يبنى على فرضية أخرى مفادها أن الإنسان أصلا حر وللحفاظ على الحرية والسمو بها لا بد أن يخوض صراعا ما "الصراع الإنساني الناتج من الخجل أو القلق هو صراع لأثبات الذات طالما أن وجود الغير ضروري لأكتشاف الذات، فلا بد من تجسيد الحرية أولا في إثبات الذات الذي يمر عبر الخروج من الأمر الطبيعي للأمر الأستثنائي، الذي يحول الصورة لدى الغير بأعتبارها مستقلة عنه إلى الصورة الحقيقية، وهذا يحتاج لنضال من نوع ما"، فالغير مرأة للذات قد ترى صورة غير حقيقية لأنه يتعاطى مع الظاهر ولا يتعاطى مع الجوهر وهنا تكمن حقيقة الصراع السارتري.
فصراع السيد مع العبد وأنتصار السيد لا يعتبر نهاية للصراع ولا أنتهاء للأسباب طالما بقي الحال كما هو عليه دون حركة من العنصر المنهزم، وتبقى حقيقية السيد الحر مقابل المهزوم العبد معادلة ضرورية عند هيجل لتبقى قوانين الوجود سارية، كما هو الحال في صراع الأفكار فكلما ولدت فكرة ولد معها نقيضها الذي سيستولد معه نقيض أخر، في سلسلة من الولادات المتتالية تنتهي عند الوضع المثالي الذي يتحول فيه الصراع من ضدية إلى أنسجام وتلائم في الجوهر المبتغى، بالرغم من أن الفكرة صحيحة بذاتها وهذا من باب التجريب لكن مخارجها لا تنتهي بتلك المثالية الساذجة، التي تنتهي بالوئام من غير أن نحدد الكيفية والكونية التي تحول الصراع الضدي إلى صراع الوئام، الذي يعني بالأخر توقفه عند نقطة نهائية حتمية؟ **.
هذا الموقف اللا إنساني لضرورة الصراع يرفضه سارتر كما يرفض الصراع من أجل الحرية، لأن الحرية أساسا مكون إنساني أساسي لا يفقد ولا ينعدم بمعنى أن لا وجود له، بل يستغل ويقهر ولكنه يبقى ضروريا ومهما وبديا لوجود ماهية إنسانية تدور في عالمها من أجل السمو، لقد أنكر سارتر مفهوم الصراع بأعتباره من مستلزمات الكون الحضاري حينما يقسم الوجود إلى "وجود حضاري سيد" و "وجود لا حضاري عبد" دون أن نجعل الإنسان مجردا هو المعيار القياسي في التمييز، فالحضارة موضوع خارجي عن جوهر الوجود لذاته وإن كان هو أحد ركائز الأول، لكنه لا يقيد حرية الإنسان ولا يستغله ويستعبده لأن أساس الماهوية في الوجود لذاته "أنا أختار لأني حر دوما"، وهذا ما أعنيه أنا وقد لا يكون ذلك بالضرورة مبدأ سارتر نفسه، هو محاولة رسم عالم وجودي أكثر إنسانوية من الواقع الحالي المشظى بين الصراع وبين محاولة الوصول إلى عالم حر لا مثالي ولكنه أكثر واقعية وضرورية مما هو مستحكم اليوم، هذا الموقف كان سببا أساسيا في وقوف سارتر بوجه الأستعمار الفرنسي ونضاله من أجل حرية الشعوب الواقعة تحت الهيمنة والأستغلال، من قبل قوى عالمية تتزعم ما تطلق على نفسها العالم المتحضر.
وبالعودة إلى فهم موضوع الصراع لا بد أن نفهم أساس الصراع كونه خلاف أو تنافض أو تضاد بين الأنا والأخر، على المستوى الفردي أو الجمعي، فالمشكلة في فهم الصراع تكمن في فهم الأخر هل هو مختلف جوهريا أو ما هويا؟ أم هو تناقض بين الأنا والأخر الذي يستوجب أن يزال أحد المتناقضين من خلال الصراع كطريق للحل؟ أم أن الصراع صراع أضداد متساوية على موضوعات مشتركة أو قضايا تهم طرفي الصراع؟ المعنى الأخير هل كل أنا بالضرورة لا بد أن يدخل في صراع مع الأخر لأجل علة أو من سبب؟ هذا جانب مهم في دراسة الصراع، فالأخر حتى يكون الصراع موضوعيا لا بد أن يحمل في ذات الأنا والأخر موضوعه داخليا، بمعنى أن ذات الأنا وذات الأخر هما أدوات الصراع واللاعبين الأساسيين المناط بهم خوض الصراع، في غياب القيم المعيارية والضوابط الحدية تبدو الصراعات حقيقية لأنها تستند في وجودها على اللا أتفاق أو على عدم تحديد الأطر التي تجعل حدود الصراع في أدنى مستوى ممكن لأن هناك أليات وأدوات فض النزاع سبقيه على وجود الصراع ومكنونة.
إن مفهوم سارتر للحرية تمنح الجميع حق واحد ينطلق من أن السمو وتكوين الهوية وتجلي الماهية الجوهرية الحقيقية يقوم على مبدأ أخلاقي وهو مبدأ المسئولية، ليست على مستوى حدود الأنا ولكن على مستوى الــ (هو)، فيتحول الصراع الضدي إلى صراع من أجل الأفضل، لأن الوصول إلى القيم التي تصنعها الحرية والمسئولية قيم تمتد من الأنا للأخر، الذي عليه أن يرتقي هو أيضا بوعيه وإرادته ليكون صانع لأخر مثري لتلك القيم ويوسع من مدار الحرية المسئولة، أما عند هيجل الأمر مختلف منطلقا من أيديولوجية متضايقة تريد أن تبرهن وجود الذات مقابل الأخر فتصرعه لا لتشاركه في الواقع الذي ينتج من الصراع لأنها ترى في الأخر النقيض والضد وليس المختلف الطبيعي، فالأختلاف وليس الصراع هو منشأ حركة التأريخ ومنشأ أستمرارية الوجود، فعبارة لا يمكن أن تنزل للسباحة في النهر كما هي مشهورة لا تعني صراع بقدر ما تعني أختلاف في المحيط الموضوعي.
الحقيقة التي لا تنكر أننا كمجتمع إنساني مختلف في ماهيات وهويات أفراده وأختلاف في الظروف الموضوعية التي تحيط بكل أنا وأخر وعلى عدة مستويات، عندما نأخذ الأختلاف كأنه المجال الحيوي للسمو وأحترام الذات المختلفة تتحول هذه الأختلافات إلى مصدر قوة للفرد والمجتمع، وتعزز وترسخ مفهوم الحرية بشكل واقعي، لكن حينما نجعل منها أدوات صراع من خلال نكران الأختلاف وهو نكران لطبيعية الأشياء تتحول هذه الأختلافات إلى براميل بارود متفجر وألغام في طريق الأنا والأخر، السبب الذي يجعل هذا الحال ممكنا بل حتميا هو تزاحم الذات عن حدودها وطغيان الأنا المتضخمة لتتحول وتتعدى على حدود الذات الأخرى، لا بد لنا أن نجعل من الأخر الذات الأخرى "أنا" نظيرة وذات أخرى متساوية ومن حقها أن تمارس وجودها كما هو من حق الأنا والذات الخاصة، أن تعيش وجودها وتحقق حريتها وماهيتها بنفس الكيفية والكونية.
إذا هيجل ينظر للصراع بين العبد والسيد من منظور الضدية الحتمية التي تبرر الضرورة الحتمية بينهما، أي أن وجود كل منهما ضروري وحتمي للحفاظ على الحرية، فالسيد بحاجة للعبد ليرى وجوده ويثبته، والعبد يرى في وجود السيد ضرورة لإثبات ذات الوجود، ومن هنا فلا يمكن القبول بعدم وجود وضرورة بقاء المعادلة قائمة لأن ذلك يعني المخاطرة بالحياة وتعني أيضا عدم الحرية وغياب المبرر الأخلاقي للوجود، هذا المنطق الأيديولوجي يرفضه سارتر ويرفض مبدأ الضدية مقابل الغيرية والآخرية التي يؤمن بها من خلال كون الأخر أنا أخرى، فأكد على علاقة الأنا بـالأخر من خلال النظرة والخجل والوعي التي تتجسد بوجود الحرية والمسؤولية.
لقد أسس سارتر مبدأه الأخلاقي في رفض الصراع الضدي أو التناقضي الإقصائي من فهم فلسفة هايدجر التي فهم من خلالها (أن الآخر هو الوجه الثاني حيث يقول " إن الآخر هو الوجه الثاني للموجود الإنساني")، فالعلاقة مع الآخر عند هايدجر موضوع طبيعي لا تحتاج إلى وساطة أو دليل لإثباته، وأن الشخص في حياته اليومية يوجد مع الغير دون أن يكون الأنا والغير خطرا على نده، وأن الغير في نظر هايدجر هم عامة الناس الذين نحيا وسطهم ونتعامل معهم دون مخاوف أو وساوس أو قلق، وهذا ما يجعل هايدجر يؤكد أن الشخص في حضور الغير يصير لا أحد ولا يتحول لعدم، فالغير عند هايدجر لا يشكل تهديدا للأنا بل وأنه ضروري للأنا في الحياة اليومية لأستمرارها لأنه كائن اجتماعي، مما يعني أن وجود الغير ضروري للذات وغيابه يدخل الذات في عزلة ووحدة دائمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الصراع لا ينتهي بالموت الفعلي، بل ينتهي بوجود منتصر ومنهزم: الأول هو وعي من أجل ذاته، والثاني هو وعي من أجل وعي آخر؛ أحدهما سيد والآخر عبد. وعلاقة السيد بالعبد، حسب هيجل، هي أول علاقة اجتماعية نشأت عن صراع بين طرفين انتهى بإبقاء المنتصر على حياة المنهزم لكي يجعل منه عبدا، أي “وعيا تابعا تقوم ماهيته في الحياة والوجود من أجل الآخر”.
مفهوم الصراع عند هيجل الكاتب: محمد الشبة 2013-01-05
**لاشك أن هيجل يعد رائدا في مجال استخدام الفكر الفلسفي-تحديا مفهوم الصراع- وتوظيفه بما يخدم أيديولوجيته السياسية والدينية، وعلى الرغم من أن المبدأ الذى اعتمده في تبرير فكره يقوم على الجدل الديالكتيكي ذي الطبيعة المستمرة والحركة اللانهائية فإن هيجل يرتكب خطأ متعمدا بأن يثبت حركة الروح المطلق ومن ثم يوقف حركة الجدل في لحظة تاريخية يتوقف معها التطور. فما مدى منطقية غلق المذهب المتطور عند لحظة معينة؟ و بهذا قدم هيجل نموذجا للأيديولوجية المتطرفة التي سيفرزها الفكر المعاصر والتي اتخذت من فكرة الصراع وسيلة للدفاع عن أيديولوجيات متعصبة كما سنوضح ذلك لاحقا. الفلسفة ومفهوم الصراع: نظرة تحليلية_ تاريخ النشر : 02/04/2017لـ محمد سيد حسن _ موقع الفلق.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير