الظاهرة السارترية ح11 الهوية ومفهوم التشكيل والتحديث ج2

عباس علي العلي
2021 / 11 / 6

نعود لبداية الموضوع لنؤكد حقيقة مهمة أن الإنسان ككائن واعي ومنتج للوعي ومتحرك فيه لا يمكن أن يكون خارج هويته المرتبطة عراها بالزمن والمكان قابلا للتشكيل في كل مرة بهوية متحولة، طالما أن مقدار التفاعل مع الواقع لم يصل إلى درجة التحول الكامل والإنقلابي في المفاهيم والقيم الرأسية التي تشكل ضمنا معيار الهوية، وهذا الانقلاب أو التحول في عمليات الحساب العقلي والمنطقي لا يحدث أيضا خارج السيرورة الطبيعية لوجود الإنسان كونه فرد محافظ بطبيعته وغير قابل للتبدل السريع، لعوامل نفسية وسيسيولوجية تفرض عليه ما يعرف بنظام القبول والتجربة أولا، معرفة تمتد من عدم قدرته على التكيف السريع وفعل اللا واعي والذاكرة وخزينها الفاعل، إن الهوية إذا هي الوعي الاجتماعي الذي يكونه الفرد أو الفاعل الاجتماعي عن نفسه وعن المواضيع والأشياء المحيطة به، في إطار علائقي خلال سيرورة تنشئته الاجتماعية المستمرة والمتراكمة والمرتبطة بقاعه المعرفي العميق.
فلا يمكن توصيف ماهية بناء على خصيصة أو سلوك أو حتى جزء من السلوك، لا يمكن أن يكون المثقف مثلا حاملا لهوية ثقافية ما لمجرد أنه رغب أو صنف هكذا، الهوية الوجودية تعبير عن رؤية أكبر من كوننا نتصرف أو نتعامل بأسلوب أو طريقة ما، فقد رفض سارتر هذا التعريف الزائف والمقلوب للهوية كما ذكر ذلك في كتابه الوجود والعدم " أن أفعالنا الحرة ليست نتيجة لهويتنا، بل هي ركيزة لهويتنا – ومن خلال طبيعتنا كبشر دائمًا ما نتجاوز من نحن نحو ذات تم اختيارها بحرية، فتسمح لنا التزاماتنا بأن نصبح أشخاصًا قد لا نعتقد أننا كنا سوف نكونها، وتضيء على مجموعة من الأولويات قد تظل غامضة ومع ذلك، فنحن لسنا عبيداً بل صانعين لوجودنا، كما تسمح الحرية بعملية مستمرة لإعادة تصميم هويتنا وإعادة بنائها".
هذا الربط بين الحرية وبين مفهوم الهوية هو الذي يجعلنا مثلا أن نصف شخصا ما بأنه حر لأنه مثقف، لا مثقف لكونه حر فأفعالنا الحرة ركيزة للكشف عن الهوية وليس العكس، بقول سارتر في إحدى أعماله الأدبية شارحا هذا المعنى الجدلي بقوله “إن البحث عن الالتزامات يؤدي به إلى الحرية لأنه يكشف عن حقيقة أن مسارات الأفعال البديلة قابلة للحياة أيضًا، وعلى الرغم من أنها تبدو مكلفةً، فإن ثمن إدراك الهوية هو التحرر المقابل من تلك الهوية، مع وجود مسؤولية دائمة عن استمرار أو إنكار تلك الهوية"، إذا التحرر من أطر الهويات الجاهزة هو هوية حقيقية للإنسان طالما أنه ليس عبدا لها وليس عبدا للمجتمع، فالإنسان هويته الأصلية الحرية ومنها يبني وجوده الجوهري الحقيقي بعيدا عن الماضي وإن كان في رأي الشخصي تبلور مفهوم الحرية يبدأ من محاولة تصحيح مسار ماضوي لصالح وقائع أكثر جدارة من أن تكون المقوم الأساسي لماهية الحرية وماهوية الهوية ذاتها.
تتميز الحرية “بالتزام متجدد لإستمرار إعادة تشكيل الـ “أنا” الذي يعيّن الوجود الحر” هنا يستخدم سارتر مصطلحات الـ “أنا” و “الجوهر” للإشارة إلى هذا الجانب من الهوية الإنسانية المتجذر من الماضي في كل لحظة، تحتوي الـ “أنا” بالضرورة على محتوى تاريخي يجب إعادة تأكيده أو تعديله أو رفضه بمجرد التعرف عليه كي ينجح في صنع الحاضر ويؤسس لهوية تتعامل بالزمن وتنصاع له لا تستسلم وتخشى الفشل، الحرية قلقنا الدائم أن لا نكون أحرارا بالقدر الذي يرسم لنا هوية " إن قول (أنا حر) أو (أنا دائمًا حرًا) مقارنة مع عبارة (أنا محكوم على أن أكون حراً) تكمن الحقيقة التي نسعى لها، ولكن الحقيقة الواضحة تقول "متى ما وعينا جانبًا ما من جوانب هويتنا، فإنها أي الهوية تفقد قبضتها علينا ويتوجب علينا اختيار بإرادة حرة كيفية الرد عليها دون أن نخدع ذاتنا أو نقع في وهم الهوية الزائفة.
يلخص سارتر موضوع الهوية من خلال عمق الشخصية الفردية من كونها "الأنا" المكتنزة بالكثير من القضايا التي تتراكم مع الجوهر الفردي لتشكل بمجموعها نمط الهوية، فهولا ينكر مثلا أن الجوهر الوجودي للإنسان يكفي لتحديد الهوية مقرا بنفس الوقت (لأن وعينا بهذا الجوهر المتعدد بتعدد الإنسان وتنوع وعيه وأختلاف ما يسميه الجواهر المتشاركة هو بحد ذاته جانب أساسي من جوانب وجودنا، نحن على علاقة تأثير متبادل ومتشارك مع هذا المجمل وما يترتب عنه ومع ما يؤدي إليه، هو السبب الذي يجعل من الهوية البشرية بصورة عامة ماهية غامضة وغير آمنة وغير كافية لتفسير أعمالنا على النحو الذي يجعل منها حقيقية سهلة وواضحة للدارس بالرغم أيضا من أنه يتخذ موقفا ضد مفهوم "اللا هوية".
هنا لا يقدم سارتر معنى متكامل للهوية إنه يلقي ضلالا من الشك حولها ويقترب ثم يبتعد عن حقيقة كون الهوية الفردية جزء من الماهوية التي ينادي بها، فهو أيضا لا يركز بقوة في أحيان أخرى على الهوية الإرادية التي تصنع مل أفعالنا وهذه حقيقية فهناك دوما الكثير من الأفعال التلقائية وهناك الكثير من التصرفات التي تجري من باب التفسير لها غير مرتبط بالإرادة لأنها أما أنها فطرية أو ضرورية أو معتادة، عند سارتر الهوية المشروطة بفعل إرادي هي المعيار أما غيرها والتي تنتج خارج إطار الإرادة فهي من الهوية العامة لكل الموجود بذاته أو لذاته، فالإرادة عندما تكون حرة وفاعلة ومبنية على الوعي بها هي أساس الهوية التي تكشف ماهوية محددة ومعتمدة في القياس والنمذجة وليس غيرها.
وملخص ما يريد أن يقرأه سارتر من أن الهوية بحد ذاتها ليست عن منفصلة عن الوجود طالما أنها جزء من ظاهرية الإنسان عندما يكون حرا غير مقيد وغير خاضع لها، ولكنه عموما يحاول أن يتجاوز هذه الحرية في وضعين، وضع القلق حين يكون مضطرا بلا خيار أو بخيار غير كافي فيلجأ للتصرف خلاف الهوية، أو عندما يحاول أن يخوض تجربة جديدة أو ينخرط في موضوع جديد غير معتاد وفقا لشروط هويته الخاصة، في كلا الحالتين لم يكن خيار الحرية إلا أستجابة للخروج والظهور بمظهر الغير واثق من النتيجة، هذا القلق وهذا حال من اللا ثقة قد يؤديان في النهاية إلى تعديل وربما تغيير في الهوية التي يصفها أو يصنفها بالهوية المشروطة التي هي خلاف الهوية المستقرة عند الإنسان، وهي جزء من إعادة تشكيل ونمذجة للهوية الحقيقية، لذا فالتجريب والقلق مع الوعي هما ما ينفي عن الهوية الإنسانية صفة القولبة والجمود، هي الهوية التي يجب أن تستمر في قلقها وتجاربها في إطار السعي لتشكيل ماهوية جوهرية حقيقية يمكن أن تقود للتغير والتطور.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي