رجل الدين الدي نحتاجه

رفعت عوض الله
2021 / 11 / 6

رجل الدين الذي نحتاجه
الناس في مصرنا ممزقون بين متطلبات الحياة العصرية ، والعيش في العصر ، والتسليم بما يفرضه المنطق والتلاؤم مع ما تقدمه الحضارة الحديثة للانسان ، وبين الحاجة لارضاء الله ، والتي يصوغها رجال الدين من خلال مفهومي الحلال والحرام ، وتقبيح الفن في نظر الناس ، والدعوة اللحوح للبعد عما تروج له الحضارة الحديثة . والاهم تشويه الاخرين المختلفين دينيا . فهم في ضلال ، بينما نحن في ايمان . وايضا المقابلة بين الشريعة والقانون الوضعي ، والدعوة لرفض الاخير لانه يتناقض مع الاول ، والشريعة اولي بالاتباع والتطبيق ...حين يهاجر او يذهب المؤمنون للعيش في البلاد العلمانية ، ولانهم مؤمنون صادقون يذهبون الى دور العبادة الخاصة بهم في تلك البلاد العلمانية ، فيسمعون من الدعاة والشيوخ ان العلمانية كفر ، وان المجتمعات العلمانية منحلة اخلاقيا . فعلينا نحن المؤمنين حماية انفسنا ، فلا نندمج في المجتمع الاكبر الذي فيه نعيش ، فنحافظ علي هويتنا الدينية ، ونقائنا الايماني ، فلا نذوب ، ولا نتماهي ، بل نظل اقلية متميزة متفردة ، مظهرا وسلوكا ، بل علينا العمل علي بث قيمنا ولو بالعنف ضد المجتمع الذي فتح ابوابه لنا ، ورحب بنا في اطار احترام التعدد والاختلاف والتنوع والحرية وحقوق الانسان .
في ظني ان الموقف السلبي من الحضارة ، وقيم الحداثة ، وتكفير الاخرين المختلفين ، ونزعة الاستعلاء المؤسسة علي اننا علي حق مطلق ، وغيرنا علي ضلا ل مطلق ، واننا كمؤمنين مأمورون بأن نغير العالم ولو بالعنف حتي تعلو راية الايمان والعقيدة التي بها نؤمن ، ونسلم . اقول ان ما يقف وراء هذا الموقف العام الشامل الذي يقفه كل من يعمل في المجال الديني ،علي المستوي الوعظي والفقهي ليس الدين في حد ذاته ، ولكن ثقافة ووعي رجال الدين .
في مصرنا تقوم مؤسسة الازهر الدينية التعليمية بتخريج الفقهاء والدعاة وائمة المساجد . وايضا هناك مؤسسة اخري غير رسمية تقوم باعداد الدعاة والخطباء ليعلموا ويحضوا ويرشدوا الناس في الزوايا والمساجد الغير تابعة لوزارة الاوقاف ، ومنهم نجوم مسموعة في الفضائيات ، وحلقات الدرس الديني
ماهي المناهج والمقررات التي يدرسها الطلاب في المعاهد الدينية الرسمية وغير الرسمية .
اولا: القرآن الكريم وتفاسبره القديمة التي قال بها مفسرون قدماء ظهروا في عصور الدولة الاسلامية في زمن الدولة الاموية ، وفي زمن الدولة العباسية ، وزمن الدولة الفاطمية ، والدولة الايوبية ، والدولة المملوكية ، والدولة العثمانية .
ثانيا : السنة النبوية والاحاديث المنسوبة للرسول الكريم .
ثالثا : الفقه الديني المفسر للقرآن والمنظر لاسس ومفاهيم الدين من خلال المذاهب الفقهية الاربعة الرئيسة .
دولة العصور الوسطي سواء في الشرق المسلم او في الغرب المسيحي هي دولة دينية بامتياز قائمة علي الدين ، والحاكم فيها ينصب من نفسه حارسا للعقيدة ، وزائدا وحاميا للرعية التي هو رأسها ..
من سمات الدولة الدينية الاساسية انها تنظر من خلال دينها للاخرين المختلفين ، فتراهم كفارا ،لا يصلح معهم سوي الحرب والقتال ، والعلاقة معهم علاقة عداء وتكفير .
ايضا في دولة العصور الوسطي لا مجال للحرية ، ولا مجال للقول بحقوق الانسان .
كل هذا انعكس بصورة واضحة جلية علي ما قرره الفقهاء ، وما اثبتوه في تفسايرهم للقرآن الكريم ، وما اثبتوه من السنة النبوية والاحاديث المنسوبة للرسول الكريم .
لذا حفلت كتب الفقه القديم بصب اللعنات علي الكفار والمشركين ، ورفض وجودهم ، وحض المؤمنين علي كراهيتهم . بل ظهر ما يٌسمي بفقه معاملة غير المسلمين فيه قواعد لهدم وبناء دور العبادة لغير المسلمين ، وفيه وجوب "لبس الغيار " لغير المسلمين اي انه لا يجب لغير المسلمين الذين يعيشون في كنف المسلمين ان يتزيوا بالزي العام الذي يرتديه عامة الناس ، وان لا يركبوا الخيل ، وان يلزمهم المسلمون اضيق الطريق . واذا جار عليهم الحاكم او الرعية فلا حقوق لهم الا وفقا لرأفة او رحمة الحاكم والرعية .
الي جانب كل هذا فإن الدولة الدينية المؤسسة علي مركزية الدين ، كانت تري في نفسها انها تملك وحدها الحق والصواب ، وان الله الي جانبها ، فلا تهادن ، ولا تقبل ما لدي الاخرين ، فالحقيقة مطلقة وليست نسبية .
كل هذا يشكل جوهر ما يدرسه الطلاب الذين سوف يصيرون ائمة وشيوخا وخطباء وفقهاء . لذا لاعجب حين نراهم بحضون جموع المؤمنين علي رفض الحضارة ، وقيم الحداثة ، وتكفير غيرهم المختلفين في العقيدة ، والدعوة للتمسك بالشريعة ورفض القانون الوضعي ، والجهاد لتغيير العالم حتي يصير علي ماهم عليه ، ولو بالعنف والقتل والارهاب .
فكيف يتكون لدينا رجل دين عصري، مؤمن ليس بالعقيدة التي يدعو لها فقط بل ايضا بالحضارة الحديثة وقيمها ، ومشبع بالايمان بحرية الانسان ، وحقوقه الكلية ، وان لا تناقض بين الدين وما يقول به العلم .
في تقديري انه لنصوغ شخصية رجل الدين مثل هذه الصياغة ،علي المؤسسة التعليمية المنوط بها تخريج الدعاة والشيوخ ،ان تتخلي عن النمط القديم المتبع في الدراسة والتعليم .
فكل ما هو يشكل جوهر الدراسة في المعاهد الدينية ينتمي للعصور الوسطي ، ولكننا نعيش التاريخ ، فهناك عصور قديمة ، واخري وسيطة ، وثالثة حديثة . وهناك ما يميز كل عصر عن كل عصر بفعل التغير والتطور المصاحب لوجود الانسان . فالتغير والتطور سمة وقانون الوجود ، لذا نحن نرتكب خطأ بل خطيئة كبري حين نقصر المناهج والمقررات الدراسية التي يدرسها طلاب المعاهد الدينية علي ما قال به الاوائل منا ، الذين عاشوا في ظروف جد مغايرة لظروفنا ، وفي عالم مختلف عن عالمنا .
لذا يتوجب علي المسؤولين عن المعاهد التي يتخرج فيها المشتغلون بالدين ، ان يدمجوا دراسة الفلسفة ، وعلم النفس والتاريخ ، والادب والشعر ، وتاريخ الحضارة بالاضافة الى اعادة النظر في المذاهب الفقهية والتفاسير القديمة ، ونظرة نقدية للاحاديث المنسوبة للرسول الكريم . وان يكون المنهج ليس نقليا بل عقليا . فما لا يتفق مع العقل يٌنحي جانبا . مع الايمان بأننا نعيش في عالم كل ما فيه متغير ونسبي .
في ظني انه حينها سوف يكون لدينا دعاة علي شاكلة جديدة مطلوبة وبشدة .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير