الظاهرة السارترية ح11 الهوية ومفهوم التشكيل والتحديث ج1

عباس علي العلي
2021 / 11 / 5

لقد أخذ مفهوم الهوية بعده الفلسفي من فكرة أن العامل الزمكاني للكائن الواعي يتحدد من خلال البصمة المعرفية له في دائرة الوجود لذاته، وإنعكاسا لطريقة هذا الوعي في تجسيد الشخصية الفردية للكائن قبال الأخر المختلف والمتنوع ولكن الواحد بالوجود بذاته، فالهوية إذن في هذه النظرية شخصانية وليست ذاتية فقط كما يطرح الفكرة العالم النفسي فرويد، بأعتبار هوية الكائن الواعي تتجزأ حسب تقسيمه لوجودها إلى ثلاث (الأنا والهو والأنا العليا)، وهذا الطرح الذي ما لبث أن أسس لفكرة أن الوعي بالذات هو الهوية الحقيقية كونها تعكس بصمتها المتكاملة على الأخر أكثر مما تطرحها على أنها نتاج حقيقي ملتصق بصاحب الهوية، البعض يبرر هذه النتيجة على أن مفهوم الهوية هو مغالطة وهمية تصورية فقط لا يمكن تعميمها أو تجذيرها على أنها إنعكاس حقيقي للذات كما يقول (داريوس شايغان) الذي قال عن الهويّة بأنها عبارة عن صورةٍ مغلوطة للذات.
بين الإقرار والإنكار تراوحت الأفكار الفلسفية والمعرفية في تحديد المعنى والماهية، ولكن ما يجمع العام من الفكرة هو أن الهوية كي تكون صادقة لا بد من أشتراطات معيارية تتركز حول دوائر ثلاث، التأريخية والتجرد والخصيصة، فليس ثمة من هوية ما بدون تأريخ تتبلور فيه هذا التأريخ ليس زمن وحده ولكن أستجابة الشخصية أو الكائن ذاته لما يفرضه الزمن من قوة التكوين بلحاظ عامل المكان وعامل الوعي بالزمن أيضا وعامل تفاعل الزمن مع المكان، أي ما يسميه البعض بالأصالة التكوينية للهوية، فمن لا يملك تأريخ ومكان ووعي لا يمكن أن يملك هوية أو قد تكون هذه الهوية في طور التشكيل ولم تتحدد بعد.
الدائرة الثانية وهي قضية التجرد والفصل بين الطارئ والواقعي، وبين الواقعي والتبدلات الحتمية حينما تفرض الأخيرة قوتها على الهوية فتغير من ملامحها الخارجية ولكن واقع القاع أو المربع الأول التي تتحرك فيه يبقى عميقا ويحاول أن يدافع عن جوهره الذاتي أما بالإنصياع البطيء أو التمرد أو محاولة الجمع بين الأثنين تبعا لقوة وأصالة القاع، فإن كلّ فردٍ يستمد إحساسه بالانتماء والهويّة من خلال الأخر لا من خلال وجوده الحسي الواعي فقط، لذا فهو يشعر بأنه ليس مجرّد فكرةً نكرة في فراغ أو أنه وهم مفترض، وإنما هو مشتركٌ مع مجموعةٍ كبيرة من الأفراد في عددٍ من المعطيات والأهداف والمكوّنات الثقافية والرموز والصور المعرفية التي تمنحه الجزء الأهم من موضوعية الهوية، وفي حالة انعدام هذا الشعور بالانتماء من قبل الفرد نتيجة عددٍ من العوامل سواء كانت داخليّة أو خارجيّة، وفقدان هذه العوامل والمعطيات ينشأ عنها وفي أعماقه ما يطلق عليه اسم (أزمة الهويّة) وبالتالي ينتج عنها أزمة وعي تؤدي إلى ضياع تلك الهويّة بشكلٍ نهائي معلنةً نهاية وجوده.
والدائرة الثالثة المكملة لأركان الهوية هي الخصيصة أو نتاج تفاعل الموضوعي مع الذاتي وطرحه خارجا على أنه عنوان الهوية أو الملمح النهائي لها، فلا توجد أذن شخصية حقيقية بدون هوية حقيقية طالما أنها تملك مقدار من الخصوصية الفريدة التي تتعامل بها ومعها مع الأخر كعنوان، لذا فتأسيس الهوية الفردية هو أساس مهم وأصلي لتأسيس مفهوم أكبر عندما يكون الفرد ضمن مجموعة تتشارك في ملامحها العامة وتتفاعل على أساس هذا التشارك لتنتج هوية أكبر، هوية عامة قد تكون هوية مجتمع يعيش تحت أطار واحد زمنا ومكانا وتتأثر فيه وتستجيب لمقوماته، لذا فهي تتحرك داخل هذا المجتمع تحرك واع ومستجيب وحقيقي بقدر ما يتحرك المجتمع ذاته على نفس النمط المعلن والمضمر كسياق واقعي فيه.
من هنا يمكننا فهم قول المفكر محمد عابد الجابري عندما يقول (أنّ هويّة أية أمةٍ أو مجتمع ليست أمراً سرمديّاً أو ثابتاً)، لينفي عن موضوع الهوية عصمة عن التطور وثبات في الصورة العامة، والهويّة في نطاق المعرفة البشرية معضلة كبيرة، فالمعرفة تأبى الاعتراف بحقائق ثابتة ككل الروابط البينية التي يلعب الزمن دورا في تطور سيرورتها أو في خلق الصيرورة الذاتية لها، فإذا كانت الهويّة هي حقيقة الفرد أو الجماعة فالفرد متطور والجماعة متحركة متكاثرة لا تبقي على حال ولا تخضع لمبدأ الثبوت أصلا، فإن هذه الحقيقة تخضع على الدوام إلى عدد كبير من المتغيّرات منها ما هو بذات الوجود ومنها ما هو نتاج لذات الوجود.
هنا ستكون الأحداث والتطورات والمستجدات التي تبرز في حركة تأريخية أو تنفعل معها لا يمكن أن تشكل هوية أو مشروع هوية بديل، بل يمكن أن تكون جزء من المؤثر المادي الذي يعيد فهم الهوية ويعيد جزء من تركيبتها البنيوية ولكن ليس في المدى المنظور وقد يتأخر في أنتاج الأثر عندما تتحول القضية برمتها إلى ذاكرة تأريخية في الوجدان الفردي والعام وتترسب بالقاع المعرفي على أنها مؤثر فاعل، إذ تعتبر الهوية هنا عبارة وضع تكيف اجتماعي مبني على المعايير والقيم المكتسبة والمرتبطة بالأدوار الاجتماعية المختلفة في نظام اجتماعي معين في فترة تأريخية، هذا التكيف ليس تلقائيا ولا إراديا وإنما هو حصيلة نتيجة الحدث بما يؤثر فيه على بناء القيم الحاكمة والقيم الراسمة لصورة المجتمع والمؤسسة لثقافته.
هذا تماما ما أشار له موقف سارتر عندما رأى أن الحاجة إلى الهويّة هي الحاجة إلى عدم انقسام الذات على ذاتها بين ماهوية عامة وهوية خاصة، وهي لذلك عنده مسألة وجودية في الأساس طالما أن الذات واحدة فإنها تحمل هوية واحدة لكنها تخضع في كل مرة لتتجوهر في شكل ما حسب ما تظهره النفس لذاتها، في تاريخ السجال الفلسفي حول الهويّة ثمة رؤى عديدة وأحيانا لا تبدو أنها على مسار مشترك، لكن نقطة الخلاف الرئيسة تبقى في النقطة الأولى التي ينطلق منها تعريف الهويّة كماهوية حقيقية جوهرية بعيدا عن رؤية الخارج لها، فهل هي الموصوف بغيره خارجا وشكليا أم الصفة الجوهرية المعبرة عن ذات الذات، ولقد رفض الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر تعريف الهويّة الديكارتي "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، ويأتي رفض سارتر لهذا التعريف كونه يضع الهويّة في الموصوف تبعا للخارج عنها ويهمل الداخل الجوهري، أي في معادلة الطرف الواحد "الجسد" يساوي "الأنا"..
من الثابت في تاريخ السجال حول الهوّية أن تحديدها لا يعتمد فقط على وجودها، بل أيضاَ على غيابها كمؤشر معرفي أو حتى سيكولوجي مرتبط بوجود الإنسان فرد ومجتمع، ومن هنا فقد كان للتعيّن السلبي أثر كبير في تحديد الهوّية وخلطها بمفاهيم أخرى مثل السلوكيات العامة أو الثقافة الاجتماعية أو حتى المعرفة بشكلها الظهوري، بل وفي الإسهام في عملية إنجاز نطاق واقعي للهوّية على أنها تعبير مصداق لجوهر الذات مقاسا بالزمان أو محددا بالمكان، خصوصاً فيما يتعلق بالجماعات التي ترتبط بنمط أو كيف ما يجمعها على أنها وحدة أجتماعية مميزة، يمكننا مثلا أن نطرح هوية ثقافية أو هوية معرفية لمرحلة ما بناء على إفرازات الثقافة والمعرفة في سلوكيات وعمل وتصرف المجتمع داخليا وخارجيا، ولكن لا يمكننا أن نرسم هذه الهوية أو نبشر بها لمجرد أن حدثا ما وقع وطرح نوعا من الأستجابة له في وقت طارئ ومؤثر، فقد ينفصل هذا الطارئ وينفصل معه السلوك والصورة وبالتالي لا يشكل وجود هذه الثقافة والمعرفة وجود دائم يميز الهوية، ولكن بالتأكيد أن بعض بصمات هذا الطارئ ستترسب في اللا واعي وتتفاعل مع مكونات القاع العميق لتظهر بعد حين على أنها جزء من هذه الثقافة وجزء من المعرفة دون أن تعلن عن نفسها هوية خاصة أو حتى هوية فرعية.
نعود لبداية الموضوع لنؤكد حقيقة مهمة أن الإنسان ككائن واعي ومنتج للوعي ومتحرك فيه لا يمكن أن يكون خارج هويته المرتبطة عراها بالزمن والمكان قابلا للتشكيل في كل مرة بهوية متحولة، طالما أن مقدار التفاعل مع الواقع لم يصل إلى درجة التحول الكامل والإنقلابي في المفاهيم والقيم الرأسية التي تشكل ضمنا معيار الهوية، وهذا الانقلاب أو التحول في عمليات الحساب العقلي والمنطقي لا يحدث أيضا خارج السيرورة الطبيعية لوجود الإنسان كونه فرد محافظ بطبيعته وغير قابل للتبدل السريع، لعوامل نفسية وسيسيولوجية تفرض عليه ما يعرف بنظام القبول والتجربة أولا، معرفة تمتد من عدم قدرته على التكيف السريع وفعل اللا واعي والذاكرة وخزينها الفاعل، إن الهوية إذا هي الوعي الاجتماعي الذي يكونه الفرد أو الفاعل الاجتماعي عن نفسه وعن المواضيع والأشياء المحيطة به، في إطار علائقي خلال سيرورة تنشئته الاجتماعية المستمرة والمتراكمة والمرتبطة بقاعه المعرفي العميق.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير