أخطاء القرآن وأثرها في تحريف ترجماته -ترجمة بيرغ نموذجا- الجزء السابع: تحريف أخطاء التقديم والتأخير -5-

عبدالإلاه خالي
2021 / 11 / 5

هذه صور أخرى لتحريفات النرويجي "إينار بيرغ" والتي سعى من خلالها إلى طمس أخطاء التقديم والتأخير في القرآن:

🔅 النساء. من الآية 18:
﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ.. ﴾
الأصل في اللغة العربية تقديم الفاعل على المفعول به في الجملة الفعلية، لكن الآية جاءت على خلاف الأصل، إذ قدّمت المفعول به ( أَحَدَهُمُ ) وأخّرت الفاعل ( ٱلْمَوْتُ ) بشكل لا يؤمن معه اللبس، وقد برَّرَ شَرْعِيُو الإسلام هذا الانزياح التركيبي بقولهم أنَّ "الإنسانَ يَرْغَبُ في أن يتأخر الموتُ، ويتمنى أن لا يأتيه أبدا، ليستمتع بحياته. وإذا كان لابد من قدومه فليتأخّر"[1]!
صوّب بيرغ عيب القرآن باستحداث جملة فعلية جاء فيها لفظ ( أَحدهم ) فاعلا، ولفظ ( الموت ) مفعولا به، فتأمل:
﴿ Men det er ingen miskunn for dem som turer frem i onde gjerninger, inntil en av dem står overfor døden, og da sier: « Jeg angrer nå. » .. ﴾
أي:
( وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ، حَتَّىٰ يُوَاجِهَ أَحَدُهُمُ ٱلْمَوْتَ، فَيَقُولُ: « أَتُوبُ ٱلآنَ. » .. )

🔅 الأعراف. من الآية 32:
﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.. ﴾
في هذه الآية توزيع شائن لعناصر الخطاب، إذ جمع بين الحياة الدنيا ويوم القيامة بشكل يتعذر معه معرفة المراد، فمنطوق النص يشير إلى أن زينة الله مخصصة للذين آمنوا في الحياتين، الدنيا والأخرى، مما يثير التساؤل عن مصدر الزينة التي ينعم بها الكفار في الحياة الدنيا!
حاول المفسرون إصلاح عيب القرآن القرآن فذهب جمهورهم إلى أن النص يعتريه حذف قدّروه باللفظة "مُشْتَرَكَةٌ" أو ما دلّ على معناها، فالتأويل عندهم هو: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْتَرَكَةٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.. ). يقول القرطبي: [ يُخلِص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصةٌ يوم القيامة ][2].
أصلح بيرغ عيب القرآن معيدا ترتيب عناصر الجملة، إذ قدّم "يوم القيامة" بشكل منح للنص دلالة يستسيغها القارئ النرويجي. تأمل:
﴿ Si: «Hvem har vel forbudt Guds høytidsantrekk som Han har fremskaffet for Sine tjenere, og Hans gode matemner som føde?» Si: «Dette er på oppstandelsens dag forbeholdt dem som tror i jordelivet.»…﴾
أي:
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ خَالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا .. )

🔅 القصص 73:
﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
التقديم والتأخير الوارد في هذه الآية قبيح، إذ زاوج بين الليل والنهار وأشركهما في الغاية ثم جاء باللفظ "فيه" في موضع شوّش على ذلك الإشراك.
احتار المفسرون في تبرير هذه الزلة القرآنية ولم يجدوا غير الإقرار بمُراد الآية دون التصريح بخطئها، إذ اتفق جميعهم على أن المعنى هو: ( وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ َلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )، بل تجرّأ بعضهم وعدَّ الآية بلاغة من قبيل "اللف والنشر"[3]!
قال ابن عاشور: [ وقد سلك في قوله { لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } طريقة اللف والنشر المعكوس فيعود { لتسكنوا فيه } إلى الليل، ويعود { ولتبتغوا من فضله } إلى النهار، والتقدير ولتبتغوا من فضله فيه، فحذف الضمير وجاره إيجازاً اعتماداً على المقابلة ][4].
وقال أبو حيان في البحر المحيط: [ وهذا النوع من علم البديع يسمى التفسير، وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها ( ... ) والضمير في { فيه } عائد على الليل، وفي { فضله } يجوز أن يكون عائداً على الله، والتقدير: من فضله، أي من فضل الله فيه، أي في النهار؛ وحذف لدلالة المعنى، ولدلالة لفظ فيه السابق عليه. ويحتمل أن يعود على النهار، أي من فضل النهار، ويكون أضافه إلى ضمير النهار على سبيل المجاز ][5].
وبتحريف لا يخلو من ذكاء قوّم بيرغ سقطة القرآن إذ حذف "فيه" فأضحت بذلك دلالة النص محكمة واضحة لدى كل قارئ. تأمل:
﴿ I Sin nåde har Han gitt dere både natt og dag, så dere kan hvile, og søke Hans gode gaver, så dere måtte vise takknemlighet ﴾
أي:
( وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )

🔅 المؤمنون 96:
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾
في هذه الآية تَوَزَّعَتْ عناصرُ الجملة بطريقة مشينة، فتأخير المفعول ( السَّيِّئَةَ ) وتقديم الجار والمجرور ( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) تَمَظْهَرَا في تركيب يُشَتِّتُ ذهنَ القارئ ويضطرّه للتوقف مليّا بحثا عن المفعول، عكْس قوله في موضع آخر: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة ﴾[6].
برر شرعيو الإسلام هذا التقديم الركيك بالعناية والاهتمام، وفي ورود المُقَدَّمِ جُمْلَةَ صِلَةٍ قالوا: لبلاغة التفضيل[7]! قال ابن عجيبة: [ وهذا التركيب أبلغ من "ادفع بالحسنة السيئة" لما فيه من التنصيص على التفضيل، وتقديم الجار والمجرور على المفعول للاهتمام ][8].
رتّب بيرغ عناصر الجملة في الآية بشكل لا يُتْعِبُ القارئَ ولا يستوقفُه لحظةً بحثا عن الفاعل والمفعول، فتأمل:
﴿ Avvis det onde med det som er bedre. Vi er vel kjent med det de sier. ﴾
أي:
( ادْفَعِ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ. )

🔅 آل عمران 168:
﴿ الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
هذه الآية ركيكة في أسلوبها لتضمُّنها تقديما فاسدا، فالذين قالوا لإخوانهم: ( لو أطاعونا ما قُتِلوا )، إنما قالوا ذلك في الواقع بعد أن قعدوا عن القتال وليس قبل القعود، بينما منطوق الآية يفيد أنهم قالوا قولهم ذاك ثم قعدوا..
ذهب المفسرون في ترقيع الخطإ إلى أنَّ ( قعدوا ) معناها هنا ( وقد قعدوا )، وادعوا أنها لغة عربية فصيحة من كلام العرب بدليل سماعي!
قال أبوحيان: [ والجملة من قوله: وقعدوا حالية أي: وقد قعدوا. ووقوع الماضي حالاً في مثل هذا التركيب مصحوباً بقد، أو بالواو، أو بهما، أو دونهما، ثابت من لسان العرب بالسماع ][9].
أما بيرغ فحرّف النص بتدخلات ثلاثة:
أولا: استبدل "عن om" باللام في ( لإخوانهم ).
ثانيا: استبدل ˝بينما mens˝ بالواو في ( وقعدوا ).
ثالثا: أضاف نعتا صَيَّر القعود قعودا في البيت لا قعودا عن القتال ( hjemmesittere قاعدون في البيت ).
وبذلك طَمَسَ تهافت التقديم في الأصل القرآني إذ صارت الآية تفيد أن القائلين تكلموا عن إخوانهم بينما هم جُلوس في بيوتهم!
فتأمل:
﴿ Disse sa om sine brødre, mens de selv -var-hjemmesittere: «Hadde de bare hørt på oss, ville de ikke blitt drept.» Si: «Prøv å holde døden borte fra dere selv, hvis dere snakker sant!» ﴾
أي:
( هؤلاء قالوا عن إخوانهم، بينما هم أنفُسُهُم قاعدون في البيت: ‹‹ لو سمعوا لنا، ما قُتِلوا. ›› قل: ‹‹ فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين! ›› ).

🔅 المائدة 48:
﴿ .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً.. ﴾
التقديم والتأخير بالآية قبيح، والصوابُ أن يقول: ( ..لِكُلٍّ منكم جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.. )؟!
صحّح بيرغ هذا الخطأ بحذف "منكم"، فارتاح وأراح.
تأمَّلْ:
﴿ .. Hver og en har Vi gitt en norm og en praksis!.. ﴾
أي:
( ..لكل جعلنا شرعة ومنهاجا.. )
يتبع

الهوامش:

[1] صلاح عبدالفتاح الخالدي. لطائف قرآنية. دار القلم. دمشق. الطبعة الأولى. 1992. ص 115.
[2] القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. تفسير سورة الأعراف. الآية 32.
[3] نعَم، عُدَّ ذلك لفًّا ونشرًا لولا ذلك الإدخال الناشز لعبارة "فيه".
[4] ابن عاشور. التحرير والتنوير. تفسير سورة القصص. الآية 73.
[5] أبو حيان. البحر المحيط. تفسير سورة القصص. الآية 73.
[6] سورة الرعد. الآية 22.
[7] مع أن التفضيل صِيغتُه هي "الحُسنى" لا "التي هي أحسن"، ولو جاءت الآية ب"الحسنى" ما كان ثمة إشكال..
[8] ابن عجيبة. البحر المديد. تفسير سورة المؤمنون. الآية 96.
[9] أبو حيان. البحر المحيط. آل عمران. الآية 168.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي