مقامات عباسية

عباس علي العلي
2021 / 11 / 4

سأل أعرابي يوما أحد ظرفاء بغداد عن مليحة مرت بقربه وتبسمت له...
_ هل كانت هذه الأمة ممن يعرف.
قال نعم وهي جارية لشيخ التجار تمر مرور النسمة الباردة على وجه أحرقه لهيب القيظ فترد له ما ينعش القلب ويشعل فيه نارا وقودها الشوق والظمأ.
قال_ وهل كل الجواري يفعلنها؟
قال_ ليس كل الجواري جواري تلهبن الكبد....
قال _ هل من وصال يوصلني بها؟
_ قال نعم أصفرك وأحمرك...
قال_ ومن لا يملك منها شيئا....
قال _لله درك فكلام من عسل...
قال_ ولا خبر لي بالعسل ولكن لي طلبا في دبس الأسود.
قال_ أتحفظ من شعر الصبابة تذيب لها مهجة الروح...
قال... نعم
قال فعليك بالربابة وشيء منه تتغزل بها فتلف شباك قلبك على حور قلبها...
ولكن ... قال ليست إليه بقدير....
قال_ فأعرض بضاعتك مزجاة لها وأبني لها قصور الحب بلهفة عين ولوعى قلب....
وهذه لست بمسيطر عليها...
قال_ وما تجيد أذن لتغريها بك وأنت كالبعير الأجرب....
قال_ والله سلبت لبي وضاع قلبي ونسيت الحال فهل من مقال لها يطيب لي ودها؟
قال_ أيها الأبله إذن عليك بالبراز والسيف....
قال_ مذ رأيتها سقطت كل سيوفي التي لم أجرب يوما أن أكشف فعلها وفعيلها...
قال أذن لا باب إلا باب شيخ التجار، قم وأذهب شحاذا في بابه وقل أعطونا مما أعطاكم الله، فإن أجابك فقل له، لئيم وقف باب كريم يطلب الكثير...
قال_ ورب الكعبة ما علمت بنفسي تقبل الشحاذة ولا الجدية في باب الخلق.
قال_ إليك عني أيها الأخرق فقد ضيقت خلقي وعكرت علي يومي وأنت لا تملك حتى ما مدفون في التراب ويطلب بعثا وخروجا.
قال_ أقسمت عليك برب الغانجات وأنت الخبير في دروب العشق ألا أنقذتني من هلكتي.
قال_ أسمع أيها البعيد من رام وصل القلوب سكن الدروب وشد على أزمتها حتى ينال المطلوب.
أطرق الأعرابي مليا ثم قال لا والله لن أعود مضارب العشيرة حتى أركب البعيرة.
قال الظريف وكيف لك ذلك وأنت خال الوفاض مما تشتري به الوصال، فشكلك معيوب وجيبك مضروب، من المال مفلس ومن الفاقة تضرس، حداء بالبيداء كأنك صوتك صوت الحمير، بالية ثيابك ورائحتك تزكم الأنوف، لا طويل ولا عريض ولا في العين تسكن ولا في القلب تركن، ورغبتك فوق ركبتك وأنت عاجر عن ترويض قطة فكيف لك بلبوة شرسة أنيابها مفترسه، تقلع القلوب من أكنتها وتهز العروش وعزتها، أذهب أيها الدعي وأبحث عمن لا ترى فيك إلا مسخرة ولا تعطيك إلا تذكره.
قال_ تالله فقد كسرت قلبي وما جبرت.
قال_ أنك أغبى من أن تفهم، فتلك التي راودت نفسك عنها (ترفة) من أمنيات سبقتك لها وبذلت فيها عز نفسي وأرادت أن تقول لي أنك أسوأ من جالست وأردأ من كلمت، تلك الأمة عماك الله زوجي التي خاصمتني من ليال، ومرت تطمن البال عني، فهل أرعويت أم لك مقال أخر.
قال_ كنت أحسبك عاقل فظهر لي ميل عقلك وسفاهة حلمك وأنت تدع ما ليس فيك، ورب الذي أقسمت به الجوار الكنس أنك لشيطان أخرس.
قال بل خرس أخرسك وأبليس ضربك قم عني يا معرة الرجال وسوء المنقلب وتحول الحال، فمذ عرفتك صار نحسك رفيق وضيقت على روحي وسع الطريق، ورب العابسات لأضربنك حتى تفيك أو تستفيق، فكل لحظة معك مأتم وكل فراق لك مغنم، أسمع أيها المتشدق بابتسامة من تتبغدد لا تتبدد ومن تنظرك بعين صغرى إنما تستصغر شأنك وتحطم أوهامك، فقم من عندي وإلا جعلتك مسخرة وللناس منظر.
قال_ الحمد لله الذي كشف لي الحال وأخبرني عنك عقلك الذاهب إلى زوال.... لقد وعدتني تلك الجارية أنها ستكون لي لو جئت لها بظل لا مظل له ودرب لا يسلكه بشر ولا جان، وها أنا أبحث عن ما طلبت ولي زمن قادم سأنال فيه ما تريد وأضمها لصدري ضما وأكرعها كلبن الناقة كرعا ولا بد من طريق.
ضحك الظريف وقال لمحدثه ما يليق، لقد طلبت منك المحال وبلغت في جهلك فربطت قدميك بألف عقال، عرفتك من أجلافها وتركتك في مكائدها، فالنساء أيها المسكين من كيدهن ضاع الشيطان وهين وفي أمرهن رهين، ولو علمت فيك خيرا لحدثتك بما يعقل ولكن من خاطبته سفيه وعن البلاغة والفصاحة ضعيف، أنت في عينها دميم وقلب رميم، لا تعرف سرا ولا تكشف أمرا، فغباءك ظاهر وجهلك بادي وما عليك من سبيل، سألبس خفي ولا أراك خلفي فورب الخلائق ما لقيت من غبي مثلك ولا أبله ينافسك في غيك، لم تلحظ في نفسك ميزة ولا منحت نفسك قدر، الله الله عليك أذهب إلى حمارتك التي تركب فقد شاقها أنقطاعك وعكر مزاجها روية وجهك فأنت ووجه الحمار صنوان لا يفترقان.
وذهب الظريف لحاله وأمسك الأعرابي عصاه يضرب بها الطريق يسأل عن ظل بلا ظليل ودرب لا يسلكه إنس ولا جان.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي