الوعي التوصيفي والوعي الجوهري

عباس علي العلي
2021 / 11 / 3

من المبادئ الأساسية في دراسة أي موضوع محدد أن ننطلق من قراءة موضوعية تتناول كافة الجوانب المحيطة بالموضوع لنكون على بينة من سيرورته ومن ثم تحصيل إدراكنا وفهمنا له بأتم وجه، الوعي من جملة هذه الموضوعات الهامة التي يجب أن تنال العناية الموضوعية في الدراسة قبل أن نبدأ في تصنيف الفكرة وهضمها، فالوعي لا يمكن أن يكون فهما مبدأيا جاهزا للأستخدام والأستعمال بناء على كونه بديها، فالوعي كما في النهج الهوسرلي في كون (أن الوعي هو وعي بشيء ما)، أي أن الوعي ليس مجرد من نسبة للشيء ووجوده، فلا وعي بشيء معدوم ولا وعي خارج الإنسان وإدراكه، لكن المشكلة الكبرى في فهم الوعي تصنيفه أولا، هل هو وعي توصيفي خارجي كي ندركه كوجود؟ أم هو وعي موضوعي يتجاوز الشكلية نحو عمق هذا الشيء من حيث كونه جوهري أكثر؟.
الوعي التوصيفي يبدأ من الملاحظة له والتأكد من أنه لا غير ما هو عليه وجودا بلحاظ المظهر الخارجي، فالسيارة مثلا نعي وجودها من كونه مثلا واسطة نقل، أو من خلال كونه أختراع بشري يشمل خصائص معينة تفرقه عن عربة الجياد أو القاطرة، هذا وعي ظاهري لا يلزمنا أن نفهم السيارة كيف تعمل أو ممن تتكون أو لماذا صارت بهذا الشكل والطريقة، فنحن نمر عبر الوعي الموضوعي بعدة حالات رئيسية، هي مرحلة ما قبل الوعي حيث لا شيء يمكن تحديده أو وصفه بناء على الشكل والموضوع، قد يكون تأملا أو ربما تخيلا لموضوع تشكل في الذهن كصورة ذهنية قابلة أو ممتنعة عن الوجود والإمكان الوجودي، هكذا كانت السيارة مثلا فكرة في عقل وتصور المخترع قبل أن توجد، ولكنه وعي شكلي لا تفصيلي موضوعي له.
الوعي الأخر هو وعي من حيث تحقق الفكرة أو الفكرة المتخيلة على أرض الواقع، هنا تحول الوعي من فردي غير محدد متعدد الأحتمالات، إلى وعي فعلي شيئي وجودي مستندا في ثبوته لثبوت الشيئية للموضوع، هذه الشيئية هي التي تعبر عن مقدار وكيفية وكونية وعينا بالموضوع محل الإدراك لكنه ليس فرديا هنا ولا متعدد الأحتمالات لأنه موجود وقابل للفهم بعد المحاولة، فتحقق الوجود نقل الوعي إذا من مرحلة التصور إلى مرحلة الفعل، هنا نقصد الوجود بالذات حسب مصطلحات سارتر، وطبيعي أن يكون لهذا الوجود ماهية وجوهر ماهية في التكوين وماهية بالوظيفة وما هي بالهدف، وبالتالي نحن أمام عدة أشكال من الوعي الموضوعي للموجود، وعي بالوجود وهذا متحقق من خلال الواقع، ووعي بالماهية الوظيفية وهذا يحتاج للفحص والبرهان ووعي بالهدف وهذا وعي لاحق مرتبط بأشكال وعي سابق، ووعي بالجوهر وهذا وعي متخصص لا يدركه إلا من له علم ومعرفة بجوهرية الأشياء كونها تعمل وفق نظام تفصيلي مركب أو متطور في إدراكه العام قبل أن يتحول إلى وعي بما هو شيء مكتمل ومتكامل.
والمرحلة الأخيرة هي مرحلة ما بعد الوعي ما بعد والوجود والإدراك والفهم، وعي موضوعي متكامل يكشف لنا ماهية متكاملة للوجود وهو ما يسميه سارتر إدراك وجودي لما بعد الوجود بالذات أي وعي بالموجود لذاته، هنا يمكننا أن نقول أن الوعي المكتمل الذي يشكل أساسا لتكوين الماهية التوصيفية التي يقدمها سارتر كإصالة موضوعية، والحقيقية هذه الماهية نتيجة وليس وعيا منفصلا عن وجود الشيء ذاته، فلولا مراحل تكوين الوعي من خلال تحويل التصور إلى وجود ممكن والوعي من تشكيكي أحتمالي إلى وعي حقيقي يمكن تلمسه وعدم إنكاره لما تحقق الوجود لذاته، فالعملية التكوينية للوعي عملية متدرجة كتدرج الماهية من خيالية أحتمالية تصورية شكلية توصيفية إلى ماهية موضوعية شيئية وجودية، وهذه الماهية مرتبطة أساسا بالوجود الممكن ولا ترتبط بالوجود المتخيل أو الظني.
ومن خلال ما تقدم يمكننا القول أن الوعي من حيث هو وعي بشيء كما هو عند هوسرل ينطبق على موضوع الوعي الحقيقي الجوهري، أما الوعي عند سارتر فهو وعي توصيفي وجوهري في أن واحد، لكنه يدمج الاثنان في وعي واحد، ولا يفرق ما بين أستعمال الوصفي مع الوجود لذاته بأعتباره كاشفا عن ماهية توصيفية وليس ماهية جوهرية، فالصفة تتبع الموصوف في كل الحالات، أما الوعي الجوهري فهو الذي يتبع الوجود بذاته تماما ولا يشكل له وصفا لأنهما يشتركان بذاتهما من حيث مس الجوهر لا مس الشكل، فعندما يمارس الوجود بذاته الوعي إنما يكشف أيضا عن ماهيته الجوهرية في ثلاثية ترابط، الجوهر والوعي والماهية لينتج لنا معرفة بالوجود الذاتي ثم ينطلق من هذه المعرفة للكشف عن النفس بذاتها التي تساهم في بلورة تعدد في الرؤى وتعدد التصور ثم أختيار مشروع الإنطلاق بهذا الوعي أما عملا وأما تفاعلا ليصل كما يقول سارتر للوعي للذات الذي عنده هو الجوهر الحقيقي للوجود، قالبا المعادلة في قراءتها من النتيجة يبدأ ويعدم الأسباب والمقدمات.
يبدأ الإنسان بأستخدام المعرفة التي هي حصالة تجربة رابطة بين إدراك الوعي والقوة الجوهرية في لزوم الإدراك والفهم، ولولا وجود المعرفة في سجل الوعي الإنساني الأول، لا يمكنه ولا يجوز ولا يتحقق السعي وتجديد الفهم، المعرفة وحدها ومن خلال ضرورتها وضرورة تشاركها مع الفهم والإدراك بالحاجة للتطور لم يكن هناك تجدد لا في القيم ولا في القوانين والأعراف ولا يمكن بعدها أن تكون هناك حرية بمعناها السارتري عندما يكتشف الوجود بعبارته التي لم يقلها (أنا أمارس الحرية إذا أنا موجود)، هذا القانون الذي عارض فيه الديكارتية الوجودية لم تستوعب مفهوم الوعي لأن قد يكون التفكير داخل منظومة لا تمنح الحرية فينتج عنها وجود لا يمنح الحرية أيضا.
إن ترابط الوجود مع الحرية عند سارتر ليس ترابطا أفتراضيا بل هو واجب التحقق حتى يكون التفكير والوعي والمعرفة كلها عوامل صيانة وبلورة وصنه للوجود بصيغته الحرة، لا بصيغته الواقعية، وهذا ما منح السارترية الوجودية هذا الزخم من التأييد والترحيب في ظل نظام أجتماعي مقيد لإنطلاق الحرية بالرغم من أنه مجتمع يفكر ويعي لكن ضمن أطر وقياسات يراد لها أن تشكل الوجود الحالي والمستهدف.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير