حدث فى 31 اكتوبر 1517

رفعت عوض الله
2021 / 11 / 1

حدث في 31اكتوبر 1517
بشمال المانيا ، وفي مدينة ايسلين ، وٌلد مارتن لوثر لاب يٌدعي لودر هانز ، وام هي مارجريت ليندمان في 10نوفمبر 1483، وكان الطفل الاول للاسرة .
ابوه كانت ظروفه المعيشية لا بأس بها ، فكان يعمل في مجال استخراج النحاس من المناجم .
في سنة 1484 انتقلت الاسرة الي مدنية مانسفيلد . وكان الاب واحدا من ا ربعة ممثلين للمدينة في المجلس المحلي .
كان الاب طموحا ، ويرغب في ان يري ابنه البكر "مارتن " محاميا .
حين كان عمره 19 سنة التحق بجامعة إيروف ليدرس القانون وفقا لرغبة والده ،غير انه لم يواصل دراسة القانون ، ملتفتا الى اللاهوت والفلسفة .
في 17 يوليو 1505 ترك كلية القانون ، ودخل دير الرهبنة الاوغسطينية ، وهو الامر الذي لم يكن الاب راضيا عنه . فقد كان يريد لابنه ان يصير محاميا .
في سنة 1507عٌين استاذا للاهوت في مدينة كان . في سنة 1508 بدأ تدريس اللاهوت في جامعة مدينة فيتنبرج ، ثم حصل علي درجة البكالوريوس في دراسات الكتاب المقدس في مارس 1509، ودرجة اخري في نفس العام .
في 19 اكتوبر 1512حصل علي الدكتوراه في اصول الدين . وفي 21 اكتوبر من نفس السنة حصل علي دكتوراه اخري في الكتاب المقدس .
في سنة 1516ٌاٌ رسل يوهان نيتزل الراهب الدومنيكاني ، والمفوض البابوي الي المانيا لبيع صكوك الغفران، بغية جمع الاموال اللازمة لاعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما .
كان بابوات روما مولعين ببناء الكاتدرائيات الكبري الفخيمة ، والتي يتطلب بناؤها اموالا طائلة . ولما كانت خزينة البابا لايكفي ما بها من مال ، فقد تفتق عقل البابا عن اصدار ما يٌسمي بصكوك الغفران ، والتي بموجبها يشتري المسيحي الكاثوليكي صكا . وبذا يساهم في عمل من اعمال البر والخير المسيحي ، قيٌحسب له عملا صالحا ، به يصير له مكان في ملكوت السماء بعد الموت . وهذه العقيدة تستند علي إن الايمان والتوبة وحدهما ليسا كافيين لغفران الخطايا ، فالعمل الصالح كالاعمال الخيرية ، والتي من ضمنها التبرع بالمال للكنيسة يجب ان تصاحب الايمان والتوبة .
في 31 اكتوبر 1517 كتب لوثر لأسقفه ألبرت الماينزي احتجاجا علي بيع صكوك الغفران ، معتبرا الايمان وحده كاف لنيل التبرير . ارفق لوثر مع رسالته نسخة من احد كتبه ، التي عٌرفت بأسم الاطروحات او القضايا الخمس والتسعين ، والتي جاء بها : " لماذا يريد البابا بناء بازليك القديس بطرس من مال الفقراء ، بدلا من ماله او مال الفاتيكان الخاص . "
واعترض ايضا علي قول منسوب للموفد البابويي يوهان : "انه حالما ترن العملة في قاع الصندوق ، فإن ارواحنا تتخلص من العذاب" .
ركز لوثر علي ان الله يمنح المغفرة بمعزل عن اي عمل صالح . وان الغفران يحل من اي عمل تكفيري او عقوبة مرتبطة به. وانه لا يجوز لاتباع المسيح القبول بهذه الضمانات الكاذبة .
في يناير 1518 قامت مجموعة من اصدقاء لوثر بترجمة الاطروحات الخمسة والتسعين من اللاتينية الي الالمانية ، ثم طٌبعت ووٌزعت علي نطاق واسع .
في سنة 1519 في كنيسة فيتنبرج احتشد الطلاب لسماع عظات لوثر وافكاره .
خرج لوثر بنتيجة مفادها ان الفساد قد لحق بأساليب الكنيسة في دراسة الكتب المقدسة . ففقدت الرؤية ما عدا جزءا من الحقائق المركزية المسيحية .. كان الاهم بالنسبة له عقيدة التبرير اي غفران الخطايا من قبل الله ، وتبرير الانسان امامه
اكبر اعمال لوثر مناقشة لعقيدة التبرير بالايمان وحده كان كتابه "عبودية اللارادة " نشره سنة 1525 ردا علي كتاب الراهب العالم الهولندي إيرازموس "حول الارادة الحرة ". استند فيه علي ماجاء برسالة بولس الرسول لاهل مدينة افسس في اصحاح 2 ومن عدد 1 الي عدد 10: "وانتم اذ كنتم امواتا بالذنوب والخطايا ، التي سلكتم فيها قبلا حسب دهر هذا العالم ، حسب رئيس سلطان الهواء ، الروح الذي يعمل الان في ابناء المعصية ،الذين نحن ايضا جميعا تصرفنا قبلا بينهم في شهوات جسدنا ، عاملين مشيئات الجسد والافكار ، وكنا ابالطبيعة ابناء الغضب كالباقين ايضا ، الله الذي هو غني في الرحمة ، من اجل محبته الكثيرة التي احبنا بها ، ونحن اموات بالخطايا احيانا مع المسيح _ بالنعمة انتم مخلصون _ واقامنا معه ، واجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع ، ليظهر في الدهور الاتية غني نعمته الفائق ،لأنكم بالنعمة مخلصون ، بالابمان ،وذلك ليس منكم . هو عطية الله . ليس من اعمال كيلا يفتخر احد . لاننا عمله ، مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة ، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها . "
ليبرهن علي ان الاعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمنون لا تساهم في فعل التبرير . التبريرات من الله دون فعل مشاركة من الانسان عن طريق سر الفداء ، سر الفداء لا يمنح البر ، بل هو البرذاته .
امر البابا ليون العاشر عددا من اللاهوتيين المختصين "بالرد علي الهراطقة " بمحاججة لوثر ، وعلي مدي ثلاث سنوات نشر اولئك اللاهوتيون سلسلة مقالات ضد لوثر ، ولكنها لم تفلح إلا في زيادة تشبث لوثر بموقفه واراءه وتصلبه .
اخيرا رفع الراهب الدومينيكاني سلفستر زولني دعوي قضائية ضد لوثر امام محاكم العقيدة بتهمة الهرطقة .
تمت جلسات الاستماع للوثر في مدينة اوجسبرج بالمانيا برئاسة الموفد البابوي الكاردينال " كاجيتان " .
في الجلسة الاولي اعلن لوثر ان البابوية غير منصوص عليها في الكتاب المقدس ، فتحولت الجلسة الي مشادة كلامية .
كان في نية الموفد البابوي علي اثر تصريح لوثر اعتقاله . بيد ان الحكومة المحلية ضمنت امان لوثر .
بعد ذلك عين البابا القاصد الرسولي كارل فون ميليتز بولاية سكسونيا ليناظر لوثر . وكان هذا القاصد رجلا مرنا ميالا للمصالحة . ولكن لوثر استنادا لما ورد بانجيل متي 18 : 16 : "وإن لم يسمع فخذ معك ايضا واحدا او اثنين ، لكي تقوم كل كلمة علي فم شاهدين او ثلاثة " قال ان الكتاب المقدس لا يعطي البابوات الحق الحصري في تفسيره ، ومن ثم طعن في العصمة البابوية في الامور العقائدية .
علي اثر كل هذا في يونيو 1520 اصدر البابا مرسوما يقضي بالطرد والحرم الكنسي للوثر في حال لم يتراجع عن 41 جملة ماخوذة من كتاباته .
في مدينة ورمز اجتمع مجلس يضم قضاة من مختلف انحاء الامبراطورية الرومانية المقدسة برئاسة الامبراطور لمناقشة القضايا الخمس والتسعين التي طرحها لوثر في 31 اكتوبر سنة 1517 ، وألية تفعيل الحرم الكنسي الواقع علي لوثر .
في الجلسات اكد لوثر علي ان الكتب المنسوبة له من تأليفه ، وانه مازال علي موقفه علي ما جاء بها ، رافضا الارتدادعن ما كتبه فهو "اسير كلمة الله ".
إزاء إصرارلوثر تمت إدانته ، واعتباره خارجا علي القانون ، وحظر مؤلفاته ، وتقرر اعتقاله بوصفه زنديقا ، كما نص القرار علي تجريم كل مواطن يأويه او يقدم له مساعدة ، مع التصريح بأهدار دمه .
لحسن حظ لوثر وجود الامير فريدريك الثالث الذي بسط عليه الحماية . بعد انفضاض مجلس مدينة ورمز قام هذا الامير بنقل لوثر تحت حماية فرسان ملثمين الي قلعة وتنبرج . وهناك اتم لوثر ترجمة العهد الجديد من اليونانية الي الالمانية ،وايضا وضع عددا من الكتب اللاهوتية المدافعة عن وجهة نظره .
في كل هذه الكتب ركز لوثر علي الايمان ، وذهب الي العمل الصالح او الجيد الذي يقوم به المرء بهدف كسب اجر من الله هو خطية ، وبين ان البشر خطاؤون بالطبيعة ، وانه بدون نعمة الله لا يمكن للانسان ان يأتي عملا صالحا .
في ذات الوقت هاجم لوثر مظاهر التقوي الشعبية مثل زيارة الاماكن المقدسة والكنائس ، والتبرك بصور القديسين .
واثناء ٌإقامته في وتنبرج اعلن عن رفضه لسر الاعتراف . وفي نوفمبر من نفس السنة كسر نذور الرهبنة ، معلنا ان الرهبنة ليس لها دور في نوال الخلاص .
في 6 مارس 1522عاد سرا الي مدينة فتنبرج ، ولمدة ثمانية ايام بمناسبة الصوم الكبير، قدم لوثر ثماني عظات ، فيها ناقش سيادة "القيم المسيحية "الاساسية مثل الحب والصبر والاحسان والحرية والثقة بكلمة الله بدلامن العنف في إحداث تغيير ولو كان ضروريا . وقال : "هل تعرف ب ماذا يفكر الشيطان عندما يري الرجال يستخدمون العنف لنشر الانجيل ، فالشيطان هو من يجني الفائدة ، والشيطان يخاف وينهزم عندما يري الكلمة والعمل هما سلاحا الميدان في المعركة ".
وحين ثار فلاحو المانيا ، في البداية تعاطف معهم لوثر ، ولكنه اكد علي وجوب طاعة السلطة الزمنية ، وصرح خلال جولة له في ساكسونيا السفلي انه غضب بشدة من حرق الاديرة ومقرات الاساقفة والمكتبات ، وعمليات القتل والسرقة ، وادان بشدة اعمال العنف ، ودعاالنبلاء لاخماد ثورة الفلاحين ،لانهم اختاروا العنف في وجه حكومة شرعية زمنية ، متجاهلين قول المسيح : "اعطي لقيصر ما ليقيصر ،وما لله لله "، موضحا ان السلطة هي من الله فلايمكن مقاومتها وفقا لما جاء برسالة بولس الرسول لاهل رومية الاصحاح 13 ومن عدد 1 الي 7 : "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة ،لأنه ليس سلطان إلا من الله ، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله ، حتي إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله ، والمقامون يأخذون لانفسهم دينونة ، فإن الحكام ليسواخوفا للاعمال الصالحة بل للشريرة . أفتريد ان لا تخاف السلطان ؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه ،لانه خادم الله للصلاح ! ولكن إن فعلت الشر فخف ،لانه لا يحمل السيف عبثا ، إذهو خادم الله ، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر . لذلك يلزم ان يخضع له ، ليس بسبب الغضب فقط ، بل ايضا بسبب الضمير . فانكم لاجل هذا تٌوفون الجزية ايضا ، إذ هم خدام الله مواظبون علي ذلك عينه . فأعطوا الجميع حقوقهم : الجزية لمن له الجزية . الجباية لمن له الجباية . والخوف لمن له الخوف والاكرام لمن له الاكرام ".
وعلي إثر فقد المتمردين دعم لوثر القوا اسلحتهم .
عمل علي تنظيم الكنيسة الجديدة لا لتكون علي غرار الكنيسة الكاثولكية المركزي التراتبي .
نشر ترجمته للعهد الجديد للالمانية سنة 1522 ، ثم انهي هو ومعاونوه ترجمة العهد القديم في سنة 1534 ، وبذا صار الكتاب المقدس بعهديه في متناول القارئ الالماني العادي .
حظيت ترجمته للكتاب المقدس بزخم وشعبية كبيرة ،وهذا دفع الي ازدياد الطلب علي المنشورات باللغة الالمانية وهذا بدوره ساهم في تطور اللغة والادب الالمانيين .
اختراع الطباعة ، وعصر النهضة ،ومارتن لوثر هم من صنعوا العصر الحديث .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي