الحب يبدأ طفلاً

سلمى الخوري
2021 / 10 / 30

كان باب الدار مفتوحاً على مصراعيه كما هي العادة في القرية التي يعيش بها الأهل والمعارف
والذين يعيشون بطوق واحد من التقاليد والعادات التي تؤطر علاقاتهم التي تتميز بحماية الواحد
للآخر من الأقرباء والجيران ، ولذا فهم لا يهابون اللصوص في حال ترك الباب مفتوحاً لأن قلما
تحصل حادثة التجاوز من غريب لهذا العرف المتعارف عليه .
تركت سلوى دار اهلها ودخلت الى البيت المقابل حيث الباب المفتوح يناديها على الرحب والسعة،
توجهت الى الغرفة التي تجلس فيها العائلة وهي غرفة مستطيلة الشكل والأَسِرّة ممتدة على طول
الجدران حيث يستخدمها أفراد العائلة للنوم سواءً في الليل أو النهار حسب أحتياجهم لها وفي نفس
الآن هي غرفة لأستقبال الضيوف من الأهل والمعارف .
كعادة أهل القرية عند مدخل باب الغرفة يخلع الداخلون الى الغرفة أحذيتهم ويتركونها في الصحن
الذي صمم كحوض منخفض عند الباب حتى لا ينقلون الأتربة أو الوحل من خارج الدار الى داخل
الغرفة ولهذا تجد الصحن ممتلئاً بالأحذية النسائية والرجالية .
دخلت سلوى الطفلة ذات السبع سنوات الى الغرفة ووقفت عند الباب ، ثم تطلعت الى الجالسين وهم
منشغلين في حديثهم وضحكهم ، وبقيت واقفة منتظرة لبضع دقائق ولم يلتفت إليها أحداً كما هي عادة
أهل البيت ، سحبت جسمها ببطء الى الأسفل وجلست على الأرض عند الأحذية في داخل المنخفض عن
سطح أرضية الغرفة ، ثم أمتدت يدها الى فوهة ثوبها وفتحت أزراره الثلاثة العلوية حتى توسع الفتحة
حول الرقبة وبعدها سحبت فتحة القميص على جهة اليمين وكشفت عن كتفها كما لو أنها تريد أن تبدوا
بمظهر الفقير المتسول لأن القميص مهلهل ، ثم أحنت رأسها الى طرف اليسار لتبدوا بمظهر النفس
والشخص المنكسر معنوياً وكما يستجدي الفقير وهي تتطلع بعيون ملؤها طلب الأنتباه الى وجودها ،
وبعد حوالى الدقيقة أنتبهت لها الشابة الضيفة وكانت تجلس مقابل الباب وحينها كانت منشغلة ومنسجمة
بالحديث والضحك مع ربة البيت ، وتوجهت الى الطفلة مجامِلة ومرحِبة بها:
- مرحبا .. من أنت .. ؟
الطفلة لم تردْ وأستمرت بالتظاهر بالحزن والإنكسار، ولكن سؤال الضيفة نبهَ أم البيت إليها فاستدارت
نحوها وسألتها بأسلوب حنون ممزوج بالتعجب من وضعها ،
- يا .. !! حبيبتي لماذا أنتِ جالسة هناك ؟ ماذا جرى ؟
لم تردْ الفتاة الصغيرة على سؤال أم البيت بل استمرت جالسة في مكانها لغاية في نفسها .
ثم عادت إليها أم البيت ،
- تعالي تعالي عزيزتي ، تعالي أجلسي بجانبي حتى لا يصيبك البرد . فأنا لم أراك منذ البارحة .
لم تردْ عليها سلوى ذات السبع سنين ، بل أستمرت في مظهرها الإستعطافي الذي قصدت
من ورائه جلب عطف وإنتباه أهل البيت وهم أم البيت وأبنتها ذات التسعة عشر من عمرها وأخاها
الأكبر وعمره واحد وعشرون عاماً . واليوم جاء لزيارتهم عائلة خالهم وهم الأبن الأكبر وأختيه .
أما سلوى وهي عادة تأتي الى بيت جيرانها لكونهم ليس لهم طفلا ، وكلهم بالغين ، وعلى الدوام
يلاطفونها بحب وحنان كما لو أنها طفلتهم ، واليوم لم يلتفتوا لها لأنهم مستمتعين مع أقاربهم
الذين لم يزوروهم منذ عدة اسابيع ، فحز في نفسها وظنت أنها فقدت العز الذي دائماً كانت تفرح
به عندما تاتي إليهم بإعتبارهم الجيران القريبين ، فيستمتعوا بوجودها لأنها تنشد لهم الأناشيد
التي تعلمتها في المدرسة ، وتكلمهم عن أصدقائها ، وماذا تعمل في البيت في مساعدة والدتها
وتراقب أخاها الصغير عندما تكون أمها منشغلة في تدبير المنزل ، وتفرح عندما يسألونها أن
تغني لهم وترقص وهم يستمتعون بحركاتها واستجابتها لهم وخاصة في ذلك الزمن البعيد لم يكن
في القرية لا تلفاز ولا موبايل فالحياة الأجتماعية والتواصل الأجتماعي كان بالأجتماعات والزيارات
العائلية .
عادت إليها تناديها مرة أخرى :
- أنت حبيبة قلبي ما أحب غيرك .. يلا ركضي حبيبتي ... تعالي إلى حضني
أستبشر وجهها بإبتسامة جميلة وهي تنهض لتسرع الى الأم الكبيرة لتلتصق بركبتيها كما لو أن
السيدة هي والدتها ، وصارت تلتف حول نفسها يميناً ويساراً مبتهجة بذراعي ربة البيت وهي
تحتضنها لتمنحها قبلات دافئة وهي تقول لزوارها "هذه أبنتي ونحن كلنا نحبها فهي مثل الملاك ".
أحست الطفلة بالزهو والفخر بنفسها وقلبها ينبض حباً لهذه العائلة التي منحتها هذا الشرف
الذي تتمنى هذه الطفلة أن لا يكون طفل آخر يأتي الى هذه العائلة ويقاسمها هذا الحب الذي
تريده لنفسها فقط .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير