الظاهرة السارترية ح 10 في الوجودية الواقعية ج2

عباس علي العلي
2021 / 10 / 29

الوعي إذا وعي بما في الوجود من أحتمالات وأختلاف في مسالك الوصول للنتائج، فالوعي ليس قالبا ولا نموذجا يمكن إدراكه في أي لحظة، الوعي تجربة من تجارب الوجود في الوجود، أي تجربة الوجود بالذات في داخل إطاره بغض النظر عن قول البعض أن بعض الوعي جاءنا قالبا مسلفنا ونموذجا جاهز، هذا إن وجد أيضا يخضع لتجربة الوعي بالوجود ولا يمكن أن يمر هكذا بلا فحص، ونتاج كل الوعي التجريبي هذا هو مجمل المعرفة الوجودية سواء التي تتعلق بالمثاليات الأخلاق الدين القيم الحب الكراهية الخير والبشر، وأيضا ينتج لنا معرفة بالوجود من داخله من قوانين المادة والطاقة والفيزياء والكيمياء، فما لم يجرب الوعي بذاته لا يمكن أن يقبل به على علاته مع أفتراض أن بعض الوعي خارجي أو فوق ميتا موضوعي.
فالماهية بالمفهوم السارتري جزء من نتاج التجربة وليس سابقا عليها لو أخذنا مجمل أراءه في تبلورها من خلال الوعي ومن خلال التصور الضروري والرغبة في أختيار النموذج، وعندما تكون الماهية وهنا أقصد التوصيفية تحديدا مقياسا للإصالة فأنها لا يمكن أن تكون كذلك ما لم نفدم عليها التجربة بشروطها، وأول شرط محوري هو أن تكون التجربة داخل وعاء الموضوعي "الوجود بالذات"، إن تحرير الوعي من أن يكون هامشيا قياسا بالماهية التوصيفية يفتح لنا مجالا مهما في تأسيس مجموعة المفاهيم التي تشكل أساس مشروع الوجودية الإنساني، ومنها الحرية التي لا يمكن أن تبنى خارج وعينا في أن تتناسق أولا مع وجودنا بالذات وتنتمي له إصالة، والنقطة الأخرى أن مفهوم الحرية كبقية المفاهيم يخضع بدوره لقوانين القدرة والفعل.
فمتى ما أمتلك الإنسان وجودا بذاته وهذا الوجود قادر أن يعي ويتحرك ويدرك ويفهم، فأنه قادر أيضا على أن يؤسس لقيم أخلاقية نسبية تعتمد في فهم مسئوليتها ودورها الإنساني ليس على الوجود لذاته، بل على الوعي بأهميتها كمرحلة من مراحل الإنطلاق كإرادة وكأختيار، فعندما تتجلي هذه الأخلاق سلوكيا في الواقع تمتحن قيمتها حقيقيا، وليس لها أن تفرض بشكليتها وماهيتها المكتشفة على الإنسانية لأنني أراها كذلك، فحتى أخلاقيات الدين والمعرفة والشعور الإنساني تستمد قيمتها مما تملكه من إمكانية التحرك في وسط مقبول، ولا نقصد بالمقبول هنا أن يوافق نسقية ونمط أخلاقيات المجتمع، لأننا بذلك لا نضيف شيئا مهما لها بل نستنسخ قيمه وقد يكون ذلك نوعا من العبثية، الأخلاقيات الإنسانية هي التي تحمل الإنسان على أن لا ينتهك قوانين الوجود لذاته، ويرتقي في فهمها على أساس أن الإصلاح والإفساد يكمن في إدراك القانون الوجودي وفهمه ومسايرته ضمن أطر حماية الإنسان لماهيته الوظيفية في الوجود بذاته ولذاته.
إن أفتراضات سارتر بكون القيم الأخلاقية التي تطرحها الماهية من خلال الوجود لذاته كما ذكرنا في مباحث سابقة تقوم على فرضية (أن لا قيم عالمية متجمدة علينا أحترامها، بل لدينا وجود متجدد علينا تبريره وفهمه)، لو نظرنا لهذه القيم وإن كانت واقعية وقبلية فهي نتاج ماهية تعود لوجود للذات، فما هو المعيار المفاضلة والتفضيل بينها وبين القيم المتجددة التي أسعى لها، هنا يأت دور التجربة الواعية والوعي الوجودي بذاته أن يكون حكما لصلاحية أي قيم وليس فرض كل جديد لمجرد أنه متجدد فهذا تعسف وديكتاتورية في إقصاء الأخر وقد يكون أصلح طالما أن قيمه ما زالت صالحة، النقطة الثانية أعتبار قاعدة (أن حريتي هي الأساس الفريد لوجود القيم فلست مسئولا ولا ملزما بأعتناق هذه القيم أو الأخلاقيات)، فتعارض الماهيات المتجددة وفقا لنفس القاعدة يعني تعارض الحريات كأشكال ونمط سلوكي، هنا نقع في فوضى القيم وفوضى العيارات والقياسات المنطقية التي يمكنها أن تفرز ما هو الأجدر بالبقاء والأحترام طالما أننا في ماهيات مختلفة تنتج قيم أخلاقية مختلفة.
هنا وضع سارتر نفسه صانع ومنتج وحكم ومقرر وفاحص ومجيز عندما يقول (فأنا الموجود الذي يبرز ويبرر القيم، فلا عذر ولا تبرير لي طالما أنا موجود ومسئول عن خلق قيمي وأخلاقياتي أنها متعلقة بي ومن خلال حريتي والوعي بها)، لكنه لا يجيب عن حالة التناقض التي من الواقع أن تكون واقع فعلي، هنا حدد سارتر توجهه الديكتاتوري القائم على الأستغلال والقهر الذي نادى كثيرا في محاربتهما، ليس هناك فرد ممكن أن يحكم من خلال الأنا على المجتمع عندما بعلن نفسه أساسا للقيم (فأنا أساس القيم التي لا أساس لها هنا في الأنا) الأنا التي يمجدها ويقصدها تعني الوجود لذاته عنده فهو فوق المجتمع ديكتاتور متفرد "ما أريكم إلا ما أرى وأنا ربكم الأعلى".
هنا يريد يقول سارتر إن أفتراض موت الله أو لنقول بعدم فاعليته لا بد وكمستوجب ناظم من وجود كائن أخر يمكنه أن يسد هذا الشغور، أو ربما يكون إلها جديدا يمارس نفس الدور الأفتراضي الذي يؤمن به الدين والذي ينكره سارتر، لينصب نفسه صاحب قيم متجددة تؤسس لدين جديد ونعود لنفس النقطة التي حاول أن يتخلص منها أو حتى التعالي عليها، هذا مضمون جملته الأخيرة التي يعلن فيها إلهويته الجديدة من منظار وجودي كما يزعم (فأنا أساس القيم التي لا أساس لها .... هنا في الأنا).

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير