رواية جان فالجان البغدادي ح المتحف البغدادي 1

عباس علي العلي
2021 / 10 / 26

((المتحف البغدادي))
نهار خريفي أطل علينا بين ساحة الرصافي وجسر الشهداء في صوب رصافة بغداد معي للنزهة وشرار قرطاسية أخي الأصغر وأختي الأصغر منه، قبل يوم كنا متفقين أنا وجان فالجان أن نلتقي الساعة العاشرة أمام المتحف البغدادي، عند الموعد أو أقل بربع ساعة رأيته على الرصيف متأبطا شيء تحت أبطه، ما زال مع أن الجو ليس بالبارد ولا حتى فيه شعور بالأعتدال لكنه كان مرتديا معطفه الأسود، أتجهنا نحوه أنا وأخب وأختي لكنه كان منشغلا تماما بالتطلع صوب تمثال الرصافي الذي يتوسط الساحة...
_ صباح الخير مسيو
_ صباح الورد والجمال أيها الكربلائيون .. صباح وطن سترونه بكل ما فيه من عمق...
_ أنظر إلى هذا الشامخ ... كنت أتمنى أن قاعدة التمثال ترتفع أكثر وأكثر، فلا سليق بالرصافي أن يبقى وسط هذا الضجيج من حافلات النقل وزحام البشر... يستحق أن يوضع في ساحة لوحده تحيط به الحدائق ومقاعد للجلوس... كلما مررت من هنا أبصق بوجه من وضعك هنا ... لا بد أن يأتي اليوم الذي لا نرى فيه أمتهان لكرامة الشعر..
_ يا صديقي من الجيد أن تذكروا الرجل بهذا التمثال الرائع وكما تعرف الأمر ليس بالهين أن نجد له مكانا فسيحا في وسط بغداد القديمة... لقد كان هذا المكان وكما تعرف بمقاهيه وسراي الحكومة وشارع الرشيد وسوق السراي والفشلة بكل ما فيها من رمزية موطنه وأحب الأماكن له... نحتاج قليلا من التحوير لتكن المنطقة برمتها محمية تاريخية ثقافية...
_ من أين تأتي بهذه المصطلحات الرائعة... فعلا لا بد من العمل على جعل هذا المكان من باب المعظم وصولا إلى جسر الجمهورية عند الباب الشرفي محمية تأريخية تطور وتحافظ على روحها البغدادية.... فقد زحف الحديد والأسمنت والكتل اللا ماهية لها ترتبط بتاريخ بغداد على كل مكان.
_ لا نحتاج إلا قليلا من الحب لبغداد...
_ بغداد دوما تقع أسيرة أعدائها حتى الذين يتغنون بجمالها وكبريائها يتغنون ليكسبوا منها... حب بغداد لا يعرفه إلا من خدم في جيش العاشقين...
تركنا الرصافي وهموم بغداد ودخلنا في جولة أطلاعية على معروضات المتحف، كان صديقي دليلا سياحيا يشرح كل صغيرة وكبيرة بأسلوبه المعتاد فهو يقدم معلومته مغلفة بإطار محبب خاصة لطفلين لم يدركا بعد أهمية المعروض بقدر ما تجذبه المتعة مع أشباء لم يروها من قبل ولم يبقى لمفرداتها في حياتهم من شيء.. أحاول أن لا يندفع الطفلان معه في مزاح يقل الأدب فيه أو يجرحوا صديقي بكلمة... لقد منحهم معرفة في ساعتين من التجوال ما لم تمنحهم كتب المدرسة مثلها في سنين.
جان فالجان البغدادي كان معلما تفاعليا وهو يمارس دوره معهم وكأنهم طلابه وفي فصله الدراسي... كان تفاعلهم ملفت للنظر معه... لبن الحين والأخر يهمس في أذني.... لماذا لم يضعوا تماثيل للمرأة البغدادية وهي تتغنج وتتبغدد؟ قلت أمانة العاصمة يخافون على مشاعر الزوار وخاصة أولئك الذين يفقدون الحنان مثلم ومثلي...
_ الواقعية التي عليها المعرض وما يحتوي لا بد أن تكون واقعية حقيقية بكل ما تعني الكلمة!
_ أنا أخاف على نفسي من واقعيتك.
_ نجن المحرمون من البغدانية الجميلة مواطنون ومن حقنا أن نرى كيف كانت جداتنا يمنحن أزواجهن رومانسية ... لو كنت مسئولا لأمرت أن يكون هناك جناح مخصص للكبار فيه كل ما تقشعر له الأبدان... جميلة جدا تقشعر له الأبدان... تعرف أن نصف الزوار أو أكثر من كلا الجنسين يمكنهم أن يقارنوا بين واقعهم وبين البغدانية الرومانسية الأصيلة حيث كان السيد البغدادي حنينا وراقيا... أما الخوانم وخاصة البيوت العريقة لها تقاليد حب مختلفة.
_ عيب هذه الأفكار لا تتلاءم مع ضيوفنا دعنا نتكلم بهمس.
_ واللمس؟.
_ سيكون له موعد أخر ليس اليوم فكل أيامنا ستكون لمسا لكن ليس بالأيادي بل بلحظات العيون...
_ لم أسمع من قبل كيف للعيون أن تتلمس؟.
_ صديقي ألم تتلمس العيون عن أشياء تبحث عنها في الظلام بواسطة شمعة... العيون له أيادي طويلة قد تكون أطول مما تظن.
_ ممكن.
_ لا بل من المؤكد أن العيون التي في طرفها حور قتلننا من حيث... خاطب بهذه الكلمات جميلات ثلاث يبدو أنهن أمسكن قلب فالجان ففاض حنينا وغراما.... إنه يذوب تماما مع عطر يمر يحمل روحا من عشق.
_ وودت لو اسأل كيف للعيون أن تتحول في لحظة من رسالة حب إلى سيف قاتل... لقد قتلننا .... رحماك يا سماء فقلبي عليل وزادي قليل ومخي متعب.
_ فضحتنا يا رجل.
_ وما تعرف أن القتل الجميل بيد أمهات الجمال وربات الحجال أجمل من كل الأشياء في بلادي....
_ ما زلت غشيما أيها الشويعر.... هل من جديد لديك؟
_نعم هات أيها المفتون بالعيون..
على عينيها
كتب رب الأرباب معلقته
في رسالة
الحب بضاعتي
والجمال صنعتي
فمن ينكر ميثاقي فليغادر وجودي
أنا الملك المتوج بلا معارضة
مانح سر وجودكم وفنائكم
أطيعوا آيات العشق من بعدي
ستكون لكم جنات الأرض منزلا
لا تذبحوا عصافير الحقل
ولا تعترضوا مجرى النهر
وأبتسموا في وجه السيف
فشيطانكم يكره العشاق
وأنا أكره الشياطين
_ هذا ربك أم رب العاشقين؟
_ لا يا صديقي هذا ما قرأته أمس وأنا أبحث عن حكمة من خلف الباب... في صندوق أحلامي كثيرا من حكمة الرب لكن أخشى عليها أن تسرق فأكممت فمي وكتب شعرا يقال أنه من فرط هيامي بالفقدان صرت أرى من جدران حرماني صور أتخيلها كأن الرب واقف ينشد شعرا في سوق عكاظ.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي