رواية جان فالجان البغدادي ح البيروتي

عباس علي العلي
2021 / 10 / 25

((البيروتي))
مقهى البيروتي على شاطئ دجلة تزاحمنا في مكان ضيق بعيدا عن أعين الرقابة نتسلى بحكايات لا تنم عن روح التمرد التي تسكن روح جان، فبين خائف متردد من سطوة العذاب وأخر يبتغي السلامة ردد فالجان مقولته الشهيرة التي قرأها على جدران منزل مجاور (البول للحمير ..... ويسقط الخميني)، شارحا بعدها الفلسفي في فهم إشكالية ما يجب في دائرة اللا يجب.... قال أن الحياة مثل فلم أباحي تغريك ثم تتركك تتحسر على ما كان فيها دون أن تكون بطلا أو حتى مجرد كومبارس عاطل عن العمل... وأنت مجرد لحية معدة للضحك عليها.... الحقيقة أن هذه الفلسفة اللا أفلاطونية من مبتكراته الخاصة.... طارق القلعاوي بن زياد يرى في القضية مجرد تهافت شوارعي يقصد منه أثارة الكلام فقط.
الشعر وحده من يبني أمة والأرض التي لا تنجب شعراء صعاليك مثل حسين مردان لا يمكنها أن تعيش الحضارة... هذا رأي جان... أما أنا فكنت أرى أن الشعر وحده حينما يتعرى عن ترفيته ويقلب موائد السكارى ليعلن أنتصار الكلمة لا يمكن أن نسميه شعرا .. الأبداع وحده ثورة والثوار الحقيقيون هم من يحملون وردة بيضاء ليلقوا علينا السلام....
_أنت ما زلت رومانسيا أيها المثالي ... الورد إن لم يكن أحمرا لا يثير المشاعر والثوار هم كتلة من الشعور العارم بضرورة تكسير الأصنام الحجرية..
_ الحجارة أحيانا تقول أكثر مما ينشد شعراء البلاط وإن حملوا باقات الزهور فهي ميتة بأيديهم.
_جميل....
_ من هذا الجميل الذي تعنيه....
_ لا عليك فقط تكلم المهم أن ينقضي المساء حتى نلحق بأخرته.
_ قل لا تستحي فمؤخرة المساء لا تختلف بشيء عن مؤخرة الجميلات كلاهما يثيران فينا الحزن كما يشعلان فينا الرغبة في قتل الحرمان.
_ هذا منطق شوارعي كما يقول رفيق كبتنا وإنكباتنا المسيو طارق أو لنقل السير برنارديت طارق القلعاوي....
_ أولا أنا لست بقلعاوي وإنما (جلعاوي) فجلعة سكر لا تترجم إلى قلعة سكر لأن أسمها السومري ممنوع من الصرف والتصرف.
_ وهل تظن أنك سومري معتق .... (ضحكة بخبث)
_إذا كنت تعتقد أنك بدويا محدثا على أنظمة معاصرة فبالتأكيد لا يمكنك أن تفهم روح السومرية التي تجري فينا مثلما يجري الفرات في أرض السواد.
قال فالجان ... صه... يا غلام فبيننا وبين سومر بحور من غربة وأغتراب... أما عن البدو المحدثين فنحن الآن رعايا مبجلين ومجلجلين في دولة بدوستان الديمقراطية الأشتراكية البعرانية......
أنهينا الجدال على وقع أقدام قادم قدم إلينا من جهة بعيدة نسبيا... المكان ما زال أشبه بالفارغ وبإمكانه الجلوس في أماكن قريبة تطل على النهر الخالد... لذا تغير إيقاع الكلام رأسا على عقب... من السخرية العبثية حيث تحول الكلام كله عن القانون التجاري وقيمته العملية في ضبط النشاط الاقتصادي في البلد.... كان هذا عنوان البحث الخارجي لطلاب المرحلة الثالثة لقسم القانون، حيث كنا ندرس أنا محدثكم من موقع الحدث والفارس المغوار أبو زيدون الجلعاوي.
الجلعة وسوق الشيوخ والناصرية مثلث جمع جان فالجان البغدادي وأبن عمه طارق الجلعاوي فكلاهما ينتميان لشجرة واحدة نبعت مع أول كلمة كتبها إنسان بل وقبل ذلك بكثير... كلاهما ينتميان لوطن كان حرا ثم أستعبده فرسان الرمال الحارقة الذين تبغددوا فحولوا الرصافة والكرخ إلى مضارب بني سيف... فلا هي طاوعت أحلامهم ولا هم طاوعوا غنجها ودلالها.... هكذا صارت القطيعة بين المدينة وأزواجها الجدد في كل حين يمرون ثم ينزلون ثم يعبثون حتى تخور قواهم فلتفظهم كما تلفظ البطن فضلاتها....
الشيء الذي لا يجمعهم أن جان فالجان قصير ناعم البنية مصاب بالربو المزمن دائما مما يزيد من معاناة العيش في بيئة تتقلب فيها عوامل الطقس، أما طارق فكان الأطول فينا والأنحف ولا يهتم كثيرا فيما إذا كان الهوى (شمالي) أو (شرجي) فهو يتنفس على وقع شعاره الأثير(أنا أتنفس إذا أنا موجود)، أنا بين الأثنين لا أنتمي لهما في الواقع ولا ينتمون لي في الموقع، ما يجمعنا هنا أننا صعاليك بدرجة أمتياز مع مرتبة الشرف الأولى.
ما يجمعنا أيضا أننا لم نعثر على حورية في الدنيا ونخشى على حوريتنا في الجنة أنهن سيقسمن كغنائم لمن سبقونا إليها، لذا فكل أنثى ومهما أمتلكت من علامات القبح يمكن أن تقبل بها ذائقتنا المفعمة بمفردات الجمال، أتذكرت وأنا القادم لبغداد قد تغزلت مرة بقبيحة زميلة لي في الجامعة وكدت أكون نجمها المفضل لولا ما أن سطي عليها زميل لي كان مثالا لمن تحلم به جميلة الجميلات، فتركتني وذهبت تهرول خلفه..... يقول فالجان يا صديقي يجب عليك أن تهاجر إلى أوربا فكلك كازيما مطلوبة هناك وفي كل الأحيان... غير أنك ستشاهد الميزان على غير ما ترى الآن... صدقني أيها الشحاذ الصغير ستكون عملة نادرة ....
أنتهت جلستنا في البيروتي ودفع جان فالجان الحساب وقال أن هيجو أوصاه بالفقراء خيرا وها أنا أتصدق عليكم من مال جنيته من تلك الدائرة التي تقبل مجلسنا، يا شباب لا ينكر أحدكم ذلك حينما تسئلون وحينما لا تسئلون فكلنا (بتاع ربنا)... سألني يا فتى هل حلمت يوما بناهد جبر الناهدة المنهودة.... قلت كثيرا ما أحلم بسهير رمزي وجينا لولو برجيدا وأستاذتنا في مادة العقوبات ....
أغضبه كلامي وخرج ماشيا نحو الشارع وهو منفعل من عدم أعجابي بناهد شريف، أولا لكونها ناهد وثانيا لأن نهدها شريف يستحق الأحترام والتقدير... كان محقا في زعله ولا بد للرعية أن تتبع زعيمها حتى لو كان سيء الأختيار... بالحقيقة ما أشعر به الأن إطلالة سريعة على مشهد ناهد وهي تستعرض مفاتنها أمام فريد شوقي ... ههههه الظاهر عدوى الأعجاب تختمر في مخيلتنا وكأننا نملك كل الخيارات المتاحة واللا متاحة في أن نفعل ما يجيش بالخاطر المكبوت داخل ذاتنا المأزومة بالجنس الناعم.
على طاولات نادي نقابة المعلمين أفتتح السيد المحترم النقاش الحر حول أهمية الوعي الذاتي في إدراك الواقع من خلال ظاهرة البنيوية أو فلسفة البنيوية، الحقيقة لم يكن الحوار بالجدية التي تتمثل بالبنيويين التقليدين الذين يرون أن الوجود كله مرتبط في وحدة بنائية تفسر العلاقات المختلفة سواء المتناظرة أو المختلفة وحتى التناقضات تسير على نمط متسق ومحكم من الترابط بين الأجزاء وفق مفهوم النظام الشامل، لذا يقول فالجان البغدادي ....
_وجودنا هنا حتمي وإن لم يكن مخططا له فصانع الخمر مرتبط من حيث لا يعلم بمتعهد النادي والأخير مرتبط بالرواد الذين لا يدركون أنهم جزء من نظام مترابط لصالح المجموع، فأنا أسكر هنا لأنني جزء من بنيوية النظام الوجودي السائر حتما نحو التكامل.
_ وهل تعتقد أن هذه العلاقات طبيعية بمعنى أنها تنتمي للوجود من حيث هو واقع يسير بقوانينه ولا يسير بقوانين البشر؟.
_ بالتأكيد..
_لكن هذا يتناقض مع فلسفة ماركس حين يعزو الحركة المجتمعية إلى عوامل حاملة رئيسية وأخرى منفصلة عنها وفي حركة جدل تاريخي ينفي وحدة الترابط أو التشارك في الحدثية على قدم المساواة بالتأثير والأثر...
_صديقي المغرد أعتقد أن الخمرة حينما تكون شفافة ومليئة باللهب أفضل من أفكار ليفي شتراوس وعبد الغفار العباسي... ههههه أنت كل شيء تضعه في دائرة المحاكمة أصلا، ماركس لم يدرك الحقيقة أبدا إلا حينما تلعب الفودكا مفعولها هنا.... أنهم نصف مجانين ونصف لا عقلانيين.
كان فالجان له حدس قوي فهو يشم رائحة كتاب التقارير على بعد أميال... عاد الحديث مجددا حول أخر تطورات الموقف من أخبار الأفلام والبحث عن جهاز فيديو لأحياء ليلة ممتعة يختلط فيها الشغف مع الوله والحرمان.....مثل شحاذ مترفع مددت يدي لأملأ الكأس الأول من حليب السباع العراقي... سألت جان فالجان سؤلا غبيا.... لماذا يسمي العراقيون وبالذات البغادة القدماء الخمرة البيضاء الصهباء بحليب السباع؟
جواب... أولا سمي حليبا لأنه يستحلب من مواد غير قابلة لأن تعطي حليبا وهذا إعجاز علمي سجله الإنسان لنفسه بأنه خالف قوانين الطبيعة، فلا من الزهدي ولا من الشعير ولا من حبة الحلوة نتوقع أن تدر أثداءه حليبا... ومع ذلك أجدادنا الأولون فعلوها رغما عن النظام...
أرجوك لا تذكر النظام بسوء فربما تفسر على أنها معارضة سياسية ونكون بعد ساعة في ضيافة أخوة كرماء حفظهم الرب ورعاهم ونصرهم على المعارضة العميلة.....؟؟؟؟
لا يا أخي ليس هذا القصد بالتأكيد فنحن مع النظام حتى لو سلقنا بألسنة حداد في قدر محشو بكل الموبقات (المريحة) التي تستجلي فينا روح المسعولية.... حلو جدا أن نكون مسعولين عما لسنا مسعولين عنه..
أكمل جزاك الله أخ العرب فكلنا عشاق للحكمة... أما لماذا هذا الحليب باسم السباع لأنه يقلب السبع إلى أرنب والأرنب إلى سبع.... ثم ليس هناك من لا يكون سبعا حتى تنال منه كؤوس الحليب فتصيب عقله بمقتل... ما شرب المداد إلا من كان سبعا منذ الولادة... الجبناء وحدهم من لا يرغبوا أن يكونوا سباعا في غابة أسمها "عيب" .. ربما فهم البغادة وحدهم قيمة الحليب لمن بلغ من القهر عتيا.. هذا وأستغفر الله لكم ولي...
قال القلعاوي في مداخلة بعد أن أخذ نقطة نظام (أظن الله كما أعلم لديه مهارة في الإقناع أكثر مما نتصور حين جعل من الخمرة جائزة كبرى لمن أطاع وأستطاع).... أجابه فالجان لو قدر لي أن أعرف كيف يصنع ربك الخمر لأصبحت داعية وأنا لا ينقصني شيء فكل العدة موجودة لحية طويلة كثة وبالطو طويل كما ترى فقط أحتاج لثوب قصير وعمامو ولو بحجم لا كبيرة ولا صغيرة عوان بين هذه وتلك وأربعة على الأقل ممن يشهدون لي بأني فقيه عصري وزماني..
القلعاوي أستغل حدة النقاش بيني وبين فالجان وخان العهد والوعد.... فقد أسرف كثيرا في التعدي على حقوقنا الوجودية في قنينة الخمر وراح يداري الكأس بالكأس حتى أحمرت عيناه من شدة الخشوع.... يا رجل ما زالت فيك جذور أجدادك الإقطاعيون حين يصادروا حقوق الطبقة الكادحة في صراعهم مع من لا يعمل لكنه يملك حتى أرواحهم.... هل جننت أيها الفتى... فنحن في أول الليل وأنت تسرع نحو نهاية لا تبدو أنها ستكون بقدر ما كنا نخطط.
كان الرقيب يتابع حديثنا وفي نفسه أن يفهم عماذا نتحدث...كلامنا يشبه كثيرا كلام العقلاء في لحظة جنون ولكنه غير لا يعط لمن يصنت غير أن المتكلمون أما مجانين جدا أو عقلاء جدا وفي كلا الحالتين لا يمكن الأستشفاف منه عما يبحث... خاصة عندما كنا نتكلم عن سارتر ذلك الملاك المتهتك القصير الذي أتحفنا بمقولات كل ما فيها ليس أكثر من فلسفة عمياء صماء بكماء تسأل وتجيب عن نفسها بنفسها لنفسها... يقول جان فالجان رأيته في مرة في أحد المقاهي الباريسية ينتظر ضيفا... هممت أن اسأله عن جنونه في كتابات كلما قرأتها كأني أقبل أقداح خمرة بعشيقية بطعم العسل.
الرجل نظره لي نظره أستغراب لشكلي وظن أنني أحد ملاحدة الصعاليك التي يفترشون أرصفة باريس المتخمة بالثراء والفقر كما هي متخمة بالفلاسفة والثوريون المزيفون... أبتسمت له من بعيد... تجاهلني الأبله ورفع نظارته الكبيرة يبحث عن سيدة قالت أنها تنتظره في نفس المكان... الغريب أنني بقيت ألاحق المشهد ثم أكتشفنا أنهما في نفس المكان... لكن كل منهم يتجه نحو الجهة الخطأ...
يأيها القلعاوي العتيق أبن عمي اللدود أراك غير مؤتمن خمرتنا هل تعلم أن الحرية السارترية لا تعني أنك تشرب خمرتنا وتسمع بأذنك دون أن تشارك في الحديث... كن مهذبا قليلا فالصعاليك إنما هو أخوة على مذهب التيه....
رد أبو زيدون أنه ليس صعلوكا يساريا ولا يمينا ولا حتى في الوسط.. أنه ببساطة كما يقول يفكر في سوسن القبيحة التي راودتها عن نفسها فطلبت مئة دينار لساعة واحدة... ولم لا؟ فالنساء في نظري أكبر من كل مئات الدنانير حينما تمنحك لذة أكبر من أن تستلذ بما في محفظتك من مال... ليس هذا القصد ولكن مائة دينار تعني أن أكون برجوازيا متطهر من الحب... هذا في الأمر كله.
أنتصف الليل ومل الرقيب وحمل أغراضه ليمنح لنا فرصة الشماتة به.. لم يفهم المسكين ما كنا نشك به لولا أنه كلن زبونا مدمنا للخمرة جاء ليريح دماغه المسكونة بكره كل الناس.. بقيت القنينة الثانية من بيرة شهرزاد التي طلبها لم يمسسها سوء... كل رجولته وفحولته كانت تكفي أو تكاد أن تقضي على واحده فقط وهي يقرأ مرة في الجريدة التي يحمله وبين متابعة حديثنا... هم هكذا الأغبياء لا يجدون فن التجسس الذي صار علما يدرس في الجامعات ... أما هنا فيتخصص يه فقط من لا يجد عملا إلا اللعب بخصيانه أوقات فراغه.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير