على ضوء انتخابات العاشر من تشرين الأول في العراق:

حسن خليل غريب
2021 / 10 / 24

إذا رفض الشعب العراقي الاحتلال الإيراني
فهو ليس مع الاحتلال الأميركي
في العاشر من تشرين الأول، من العام 2021، أجرت حكومة الكاظمي انتخابات تشريعية لمجلس نواب العملية السياسية الأميركية – الإيرانية. وبقصد منها وعلى ضوء نتائجها، كما وعدت، سيتم تحديد مستقبل العراق في المرحلة المقبلة. هذا وتجدر الإشارة إلى أن الوعود المتراكمة لحكومة الكاظمي صوَّرت العراق وكأنه سيخرج من الظلمات إلى النور. أو كأنه سيخرج من عصر اللاديموقراطية إلى عصر الديموقراطية. أو أنه سيخرج من عصر القتل والسرقة والنهب إلى عصر النزاهة والكفاءة. أو من عصر دويلات الميليشيات إلى عصر الدولة الواحدة الموحَّدة.
آخذين بعين الاعتبار أن منهج الحكم الذي تسير على هديه حكومة الكاظمي، هو نفسه الذي وضعته قوات الاحتلال الأميركي منذ العام 2003، والذي سارت على نهجه حكومة المالكي وحيدر العبادي، وكل من جرَّ جرهم. ولقد جرت كل تلك العمليات ضمن مرحلتين:
-الأولى: مرحلة انتداب الاحتلال الأميركي التي استمرت حتى العام 2011، والتي انتهت بهزيمة جيش الاحتلال الأميركي، وخروجها من العراق.
-الثانية: ابتدأت منذ العام 2011، أي بعد أن انتقلت العملية السياسية إلى النظام الإيراني، وفق اتفاقية جرت بين الطرفين. واستمرت بزخمها إلى الوقت الذي بدأت فيه ضغوطات الإدارة الأميركية، في عهد الرئيس دونالد ترامب، لاسترداد الهيمنة الأميركية على العراق. والتي تمَّ تتويجها بتشكيل حكومة الكاظمي، كطرف تنحاز ميوله للاستقواء بالقوة الأميركية، ولكن على أن لا تنقطع عن ميولها مع النظام الإيراني.
وكأنَّ حكومة المالكي، بموقفها الخجول من انتقاد العصر الإيراني، تصوِّر للعراقيين أن مرحلة جديدة، هي المرحلة الثالثة، تقف على أبواب العراق. وهي تلك الادعاءات التي مهَّدت للدخول إليها عبر انتخابات العاشر من تشرين الأول.
وأما في حقيقة الأمر، وللانتقال من المرحلة الرمادية، ومن أجل تسقيط العصر الإيراني، وإعلاء شأن العصر الأميركي، فقد خططت الإدارة الأميركية لإجراء انتخابات في العراق، والتي رسمت من أجل نجاح أهدافها الأميركية بالإتيان بمجلس نيابي تكون أكثريته موالية للمخطط الأميركي. وهذا ما وجد ترجمته في نتائج انتخابات العاشر من تشرين الأول.
وقبل الانتقال إلى تحليل ما سوف ترسو عليه أوضاع العراق في المرحلة القادمة، نرى من المفيد أن نضع تصوراً لما ستكون عليه المؤسسات الرسمية بعد الانتخابات المذكورة.
لقد عرفت الانتخابات النيابية في العراق، منذ احتلاله في العام 2003، وبعد أن تم تفصيل دستور يتوافق مع منهج الاحتلال الأميركي، ولعلَّ الأهم ما فيه هو تقسيم العراق إلى مكونات طائفية وعرقية ثلاث، شيعية (لرئاسة الحكومة)، وسنية (لرئاسة مجلس النواب، وكردية (لرئاسة الجمهورية). هذا وفوق ذلك كله، أقرَّ الدستور نظام المحاصصات الطائفية والعرقية، بحيث تتقاسم القوى المشاركة في العملية السياسية المكاسب في شتى أجهزة الدولة، عسكرية ومدنية واقتصادية وعائدات مالية. كل ذلك، ولم نقرأ عبر الترويج للانتخابات الجديدة، أي وعد، لا من الإدارة الأميركية، ولا من أصدقائها في العراق، أنهم سيعيدون النظر بالدستور الذي وضعه الاحتلال الأميركي، بدعم مطلق من النظام الإيراني، خاصة بالمواد التي تشرعن نظام المحاصصة المذهبية والعرقية.
ولأن إغفال الإشارة إليه هو دليل على أن حكومة الكاظمي تعمل من أجل إعادة إنتاج العملية السياسية بوجوه جديدة. وكما كنا على يقين في لبنان أن الداء الرئيسي في كل ما يحصل فيه كان ناتجاً عن منهج نظام الطائفية السياسية. فهل ما يعاني منه لبنان، الذي يُحكم بنظام طائفي سياسي، من مظاهر الانهيار الشامل، سيحمل الشفاء الناجع للعراق؟
لقد عرفت الانتخابات النيابية في العراق انحداراً متواصلاً منذ إجراء العملية الأولى حتى الآن، بحيث كانت تخف حماسة الجماهير الشعبية العراقية للمشاركة فيها لما كانت تعانيه تلك الجماهير من فشل ذريع في ظل حكم جماعات من اللصوص، حتى بلغت أدنى درجات الانحدار في الدورة الأخيرة. فإن نتائج تلك الدورة، التي لولا تزوير نسبة المشاركة فيها، كانت لاغية استناداً إلى المعايير الأخلاقية في الأنظمة الديموقراطية. ففي المعايير الديموقراطية تأخذ بعين الاعتبار نسبة الذين يمتنعون عن الإدلاء بأصواتهم، واعتبارهم من الرافضين لنهج الحكم السياسي تارة، ولعجز المجالس السابقة عن ضمان مستقبل الدولة الممثلة بجماهير الشعب تارة أخرى، أو خوفاً من تأثير المجموعات المسلحة التي يجندها زعماء الميليشيات المنفلتة من أية ضوابط أخلاقية أو قوانين مرعية الإجراء تارة ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة.
إن الأصوات التي لم تسقط في صناديق الاقتراع، من دون شك كانت أصوات الرفض لكل المرشحين، لأنه لو كان في أحدهم خيراً لما انكفأ من هو مقتنع بكفائته عن محضه صوته.
إن العملية السياسية ساقطة بعدد الأصوات التي لم تسقط في صناديق الاقتراع. وهو مقياس أخلاقي قبل أي شيء آخر. ومن أدلى بصوته لمن شارك في العملية السياسية منذ بدء الاحتلال حتى الآن، وعاث فساداً وسرقة وسطواً ونهباً وقتلاً وتهجيراً وترويعاً بكل من رفض الاحتلال الأميركي، ومن بعده الاحتلال الإيراني، لهو مغمض العينين، مقفل الدماغ، عاجز عن التمييز بين (الناقة والجمل).
لكل هذا، ولأن نتائج الانتخابات لم تُسفر عن جديد بأكثر من أنها جاءت بوجوه جديدة، وذلك لأنها لم تسفر عن تغيير منهج الحكم السياسي، لسبب أنه جرى تحت ضغط الصراع الذي يدور بين محتلين يتنافسان على من له الأولوية في سرقة ثروات العراق، وإنما رجَّحت كفة أحدهما على كفة الآخر.
وإذا لم يتغير منهج الحكم، بانتقاله من سلطة الاحتلال إلى سلطة الشعب العراقي عبر حكومة وطنية تضمن سيادة العراق، ووحدة أراضيه وشعبه، فإن المقدمات ستعطي نتائج مشابهة لما حصل منذ ثمانية عشر عاماً مضت.
نتائج الانتخابات تنقل العراق من بين أيدي لص إلى أيدي لص آخر:
وإذا كانت نتائج الانتخابات قد أسقطت مرشحي ميليشيات النظام الإيراني، فإنها نقلت العراق من نفوذ احتلال إيراني إلى نفوذ (الولائيين لأميركا)، وليس في هذا أي تغيير لأنه سيعيد إنتاج مرحلة النفوذ الأميركي الكامل، أي إلى إعادة إنتاج عهد بول بريمر بإسم جديد، بديلاً لقاسم سليماني، وخلفه الجنرال قآاني.
دلالات وأبعاد ظاهرة المقاطعين للانتخابات:
وإذا حاولنا أن نقرأ في أبعاد ودلالات انكفاء النسبة الأكثر عدداً عن المشاركة في الانتخابات لوجدنا التالي:
-من الصحة بمكان أن لإسقاط (الولائيين الإيرانيين) عن الواجهة السياسية أبعاد مهمة ودلالات عميقة. وبإسقاطهم تم إسقاط مشروع استيطاني خبيث. وبإسقاطه إسقاط لجزء من حاضنته (الولائية) المذهبية، بعد أن أسقطت ثورة شباب تشرين القسم الأكبر منها في ساحات مدن ما كان يعتبره النظام الإيراني الحاضنة الرئيسية لمشروعه المذهبي الخبيث.
-لحاجة الاحتلال الأميركي للحواضن الكافية، ولمن يقودها ويؤثر فيها، فإننا نقرأ أنه في مرحلة استعادة أميركا لنفوذها في العراق، أنها ستبقى بحاجة إلى وجود إيراني ليغذي تلك الحاضنة، ويضمن استمرار منهج النظام الطائفي السياسي الذي شرَّعه دستور بول بريمر. ولذلك فليس من مخططات الاحتلال الأميركي أن يجتثَّ الوجود الإيراني بالكامل، وإنما بالسماح له أن يبقى حيَّاً، ولكن تحت وصاية أميركية مقيَّدة.

الحل لمستقبل العراق، عراقياً وعربياً:
هناك عاملان استراتيجيان أساسيان لا يمكن إغفالهما كل مرة نعود فيها إلى استشراف مستقبل العراق من جهة، ومستقبل الوطن العربي من جهة أخرى، وهما:
-الأول: طالما لم تعلن أميركا نسخ مشروع الشرق الأوسط الجديد من استراتيجيتها تجاه الوطن العربي، يعني ذلك أن أمن الأقطار العربية يبقى مهدداً في أية لحظة تجد فيه أميركا الظروف سانحة من أجل إعادة تنفيذه، سواءٌ أكان التغيير، بالطريقة التقليدية التي نفَّذت فيه مخطط (الربيع العربي)، أو بطرق ووسائل أخرى. وهذا يقتضي وضع حد لتسلل الإخوان المسلمين في العراق.
-الثاني: ستبقى العلاقة مستمرة بين أميركا ونظام ولاية الفقيه قائمة ولن تنقطع، لأن إعادة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد لن يتم من دون استمرار ذلك النظام والمحافظة على تأثيره المذهبي في بعض الأوساط الشيعية. وهذا ما يجب الحذر منه في العراق أولاً.
واستناداً إلى ما قدمنا فيه هذا المقطع، لا يجوز لأحد أن يحلم، سواء في العراق أم في الأنظمة العربية الرسمية، أن يدرأ الخطر عنهما من دون إلغاء تام لكل مفاعيل النظام الطائفي السياسي فيه. لأنه طالما ظلَّ يأخذ مشروعيته في النصوص الدستورية، أو غيرها من القوانين التي وضعها الاحتلال الأميركي، أو الاحتلال الإيراني، فإنه سيبقى اللغم الأكثر أهلية لتفجيره من قبل أميركا خاصة، ودول الغرب عامة.
ولكل ذلك، نرى مستقبل العراق والوطن العربي بعد انتخابات العاشر من تشرين، كما يلي:
-عود على بدء استعادة الاحتلال الأميركي عافيته، ولكي لا نفرح بإضعاف الدور الإيراني، الذي لم يُبق من ثروات العراق شيئاً للشعب العراقي. فإننا نعيد التذكير بجواب دونالد رامسفيلد، وزير الحرب في حكومة جورج بوش الإبن، وذلك رداً على سؤال تم توجيهه إليه في اجتماع للبنتاغون الذي كان يبحث تفاصل الحرب ضد العراق. كان السؤال: ومن أين ستغطون تكاليف الحرب؟ فأجاب رامسفيلد قائلاً: (سنغطي تكاليف الحرب من نفط العراق). واستطراداً، عندما قال دونالد ترامب للنظام الإيراني: (نحن دفعنا الدم والمال، ولم نحرز من العراق شيئاً. وأنتم لم تدفعوا شيئاً، ونهبتهم كل شيء).
واستنتاجاً، ليس أميركا ملاكاً أتى لتخليص العراق، بل جاء لاستعادة ما يعتبره حقاً له سلبه النظام الإيراني. وهنا لا يمكننا إغفال ما جاء في إعلان رامسفيلد، السابق الذكر، وما أكد عليه دونالد ترامب، بأن على أميركا أن تستعيد الهيمنة على العراق لاستثمار ثرواته لمصلحة الشعب الأميركي. ونقرأ من خلال ذلك، أن العملية السياسية التي ستنتج نفسها بطبعة أميركية بعد الانتخابات الأميركية الأخيرة، ستشكل الغطاء لتشريع النهب الأميركي لثروات العراق.
وإذا كنا نريد أن نوجِّه رسائل إلى العراقيين والأنظمة العربية الرسمية، بعد انتهاء انتخابات العاشر من تشرين، نتوجَّه بالتالي:
-علماً أن من شارك بالانتخابات، أو لم يشارك، نرى أنه إذا كان الشعب العراقي قد أسقط التأثير الإيراني في الانتخابات الأخيرة، فهذا لا يعني تأييداً للنفوذ الأميركي.
-لن تشكل أميركا ضمانة لأمن جيران العراق، القريبين جغرافياً منه أو البعيدين عنه، لأن قنبلة (تصدير الثورة) النووية الإيرانية، ستبقى آثارها ماثلة وفاعلة طالما استمر تأثيرها من داخل نظام المحاصصة الطائفية والعرقية. وهو العامل الأساسي الذي سيستند إليه نظام ولاية الفقيه في التأثير في العراق طالما ظلَّ هذا المنهج بالحكم حياَ في الدستور العراقي القائم. ولا يحلمنَّ أحد من تلك الأنظمة، بإعادة العراق، واستطراداً لبنان، إلى حاضنته الوطنية أو حاضنته القومية العربية، من دون تجريد الدستور من المواد التي تنص على المحاصصات الطائفية والعرقية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية