الظاهرة السارترية ح9

عباس علي العلي
2021 / 10 / 23

لقد كتب ديستوفسكي مرة (إذا لم يكـن الله موجـودا فكـل شـيء مبـاح) هذه العبارة كانت اللبنة الأولى في الفكرة الوجودية عن القيم ومنها الأخلاق، وبإنكار وجود الله سيصبح كل شيء مباح فعلا عندها يصبح الإنسان وحيدا ومجهولا ولا يوجد في داخله أو خارجه أي رابط أو علاقة مع النفس بذاتها، هنا عليه أن يحاول أن يكتشف نفسه مجددا، وحيث أن الماهية تسبق الوجود عنده فيكون ملزما فيفقد أي عذر لأن يكون خارج ما هو النفس لذاتها، ويصار إلى إحالة كل شيء لوجوده الإنساني بأعتبار لا حقيقة هناك غير حقيقة الإنسانية الطبيعية المحددة الصفات والمسبقة الماهية، بمعنى أن لا حتمية تاريخية لأنها مستحيلة الوجود قبل الوجود للذات، وهنا تكون الحرية لزوم لازم للإنسان لأن يصبح حرا بل الإنسان هو معنى الحرية.
من هذا الوعي المتوج بالحرية وبسبق الماهية على الوجود يصبح القلق السارتري قضية مركزية عنده، حينما يتحول القلق من حالة شعور بالوجود إلى حالة قدرة الوجود على إفراز العدم " اللا وجود " وهو شرط تحقق الحرية، لأن القلق هو من يقود الإنسان كقوة تأخذ بزمام الإنسان ولا يستطيع الفكاك منها، إنه الوجود الثابت الساكن الذي لا يتغير في عالم لا يسكن ولا يبقى دون حراك، فالقلق عند سارتر طريق لأكتشاف الحرية ومضمونه أن الحرية بأعتبارها أكتشاف للوجود وشعور بهذا الوجود، فتكون الحرية حقيقة في وجودها وهذا مصدر القلق في موضع السؤال عن نفسها.
إن فكرة لا مرئيـة االله ولا فعاليتــه وعــدم تدخلـه في الشــأن الإنســاني أدى بسـارتر إلى بنــاء صــرح مفهوم الحرية الوجودية ومنها أنطلق إلى موضوع الأخلاق كونها نتاج الحرية لذاتها، ذلـك أنـه يجعـل مـن الإيمـان عند الإنسان قضـية إراديـة في أعلـى صـورها، والإعـلان عـن الإلحـاد ليس إلا تعبـيرا عـن حالـة وجدانيـة خاصة، لــذـك أن مفارقـــة االله قضية إرادية لا قضـــية عقليـــة تستوجب جعلها من مكونات الوجود لذاته، فإثبـــات وجـــود االله أو عـــدم وجـــوده لا يغـــير في المســـألة شـــيئا بكـل مـا تحمـل مـن معـاني، وهنا يجعـل مـن الإنسـان وحيـدا في عزلـة فقد أصـبح الشيء اللا موجود شـيئا بـديهيا فالعـالم لا يخضع لغائية سابقة، هكذا يقف سارتر مؤيدا القتل النيتشوي للإله، والذي استمد إعجابه وإقراره من عبـارة "سـتاندال" لا عذر الله، إلا كونه غير موجودة.
كل من سارتر وهيدغر لشيء يلوذان على النهج الهوسرلي في كون (أن الوعي هو وعي بشيء ما)، لكن منهج سارتر الفينومنولوجي وهو التعديل الهيدغري للمنهج (الفينومنولـوجي الهوسـرلي) الشـيء هـو موضـوع الشيء لكنـه لـيس محتـواه، أي أن الانتقـال من البحث النفساني( في تعليق الشعور بالظاهرة كواقـــــع أو كـــــإدراك حســـــي أو كضــــــرورة مكانيـة _ زمانيـة، إلى إدراك أنطولـوجي وجـودي متحـرر يفهم على أنه وجود في العالم في حركته وأنفجاره، إنه نشاط متعالي على الشيء ووثيقا الصلة بالحريـة، إن القلـق حـين يكشـفني لـذاتي باعتبـاري شـعورا، يقنعـني بـذلك بـأن ثمـة لعبـا في الوجـود وأن العـدم يطارد كينونة الوجود، والحرية تقوم علـى هـذا العـدم في الاختيـار وعـدم الاختيـار الذي هو اختيار، ذلك أنه منذ أن يعزى إلى الشعور بتلك القدرة السلبية تجـاه العـالم وتجـاه ذاتـه، ومنذ أن يكـون الإعـدام جـزءا لا يتجـزأ مـن وضـع غايـة، فـلا بـد مـن الإقـرار بـأن الشـرط الأساسـي الـذي لا غـنى عنه لكل فعل هو حرية الموجود الفاعل.
إن مبررات الفكر الوجودي السارتري الإلحادي المعلن عنه دون مواريه والذي يعد من أبرز ميزات بنائه الفلسفي يمثل امتدادا لحالة وجدانية سالبة لديه هي ذاتها امتـداد لحالـة اجتماعيـة عايشـتها أوروبـا في حربين عالميتين دفعها إلى حالة من اليأس الكلي، حيث لم تعد تـؤمن بقـيم حافظـة للإنسـان لتظهـر الوجوديـة بعـد ذلك بتتويجها ونهائيتها المأساوية إنطلاقا من بدايتها الرائعة، إن إنزلاقات الفـكر السارتري الإلحادي الأساسية ناتجـة أصلا مـن انطلاقتـه اللا دينيـة غير المؤسسة والتي بنيت منهجها الأساسي على حالة اليأس الناتج عن الفراغ الروحي بالدرجة الأولى، لذا عندما نشير إلى أن وجودية سارتر وجودية غير أصلية ولا فلسفة لها وزنها في عالم الفكر ننطلق من هذه النتيجة، كونها ردات فعل لواقع سادته العبثية والعدمية التي أرست حالة الحربين العالميتين نتائجها على واقع الإنسان الأوربي، مما أستدعى الكثير من المفكرين أن يتخذوا موقفا إنعكاسيا عن معنى الحياة والوجود ومنهم بالطبع سارتر.
لقد حول سارتر من خلال تطور رؤيته الأخلاقية المفاهيم التي تؤطر فكرته من الفردية العقلانية الميتافيزيقية إلى أخلاق أجتماعية بإطار ماركسي، فأسس بذلك الوجودية الماركسية من خلال دراسة الوجود من خلال الإنسان وليس دراسة الإنسان من خلال الوجود، أي عزل بشكل تام تأثيرات الوجود التي لا ينكرها عاقل وسلم زمام الأمر للإنسان وإرادته منظورا لها من باب الماهية أي من خلال الوجود لذاته، وبذلك منح الأخلاق صفة الشمولية وكأنه يريد من الماركسية التي تحجرت وأصبحت لا تتحرك إلا من خلال زجها بالإطار الفلسفي للوجودية، وبذلك يمكنها أن تكون أكثر إنسانية من واقعها الوجودي بذاته، يعني ذلك تجاوز حالة الأعتماد على الفردية التي تستظهر وجوديتها من خلال وعيها وليس من خلال شيء أخر (علاقات العمل) التي أبعدت الإنسان المتحرك المتطور من الإنطلاق بالإرادة والحرية ليكون عامل تغيير في المجتمع ولبس خاضعا لأنثرولوجيا غير إنسانية تقف في وجه الحركية والتغيير التي هي من ماهية الوجود لذاته.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي