الظاهرة السارترية ح 7

عباس علي العلي
2021 / 10 / 23

أخلاقيات سارتر
شكّل مفهوما الحريّة والمسؤولية الأخلاقية أساسَ الفلسفة الوجودية عند سارتر، حتّى أنها تُسمّى أحيانًا بفلسفة الحرية والمسؤولية بأعتبار أن الإنسان عندما يختار الحرية فإنه لا يختار لنفسه فقط بل يختار للإنسانية أيضا، وكذلك في موضوعة الأخلاق فهو يتعاطى بها ليس لأنها موقف من قضية بحدودها فقط، بل لأنها قضية إنسانية لكل الناس، فالأخلاقي الذي يجعل من التصرف النبيل مثلا سلوكه في لحظة ما لموقف ما هو قبل أن يكون أخلاقيا، كان إنسانا مختارا لما يريد وفق قناعة ورغبة وقرار، فهو بمعزل عن باقي وجوده كان لا أخلاقيا قبل أن يتخذ هذا الموقف، فهو صنع القيمة في إرادته وقد لا يبقى أخلاقيا بعد ذلك، فالأخلاق عند سارتر هي قرار ووعي في لحظته دون أن يكون هناك أخلاقيات تدفعه بالقوة لهذا الموقف، فالأخلاق الحقيقية تنبع من الحرية التي تمنح الإنسان القدرة على فعل ما يراه مناسبا بوعيه قبال حالة واحدة قد تتكرر وتتخذ طابع الأعتياد أو لا تتكرر، فالأخلاق هنا لا ترتبط بالإنسان فهو بها أو بدونها إنسان ولكن مقدار ونوع الحرية ونضوج الوعي تجعله يختار أن يفعل ما هو أخلاقي بنظره وليس بنظر ما حوله.
بهذا يؤكد سارتر أن موضوع الأخلاق جزء من المسؤولية التي سيتحملها الإنسان أكبر بكثير مما يظن، وذلك لأن الصورة التي سيكون عليها الإنسان أخلاقيا أثناء وجوده ليست شيئًا يخصه وحده، إنما تخص الإنسانية كافة بأعتبار أن ما قبل الموقف الأخلاقي هذا كانت الأخلاق عدم، ومن خلال الأستجابة لرغبته ووعيه وقراره أن يكون أخلاقيا إنما يؤسس لأخلاقية إنسانية يحملها ويتحملها، وعليه أن يتحمل ما يترتب على هذا الشعور الإنساني من شعور بالقلق، القلق من أن لا يكون أخلاقيا كاملا أو لا يستطيع أن يقدم نموذج قدوة ملزم للإنسانية، أو أن هذا النموذج بخلفيته من الحرية قد لا ينجح في تأسيس الخير للناس.
ان القراءة التحليلية والتفكيكية في نظرية سارتر الأخلاقية التي تضم بعض عناصر المثالية الطوباوية التي لا تتسق مع ماديته الوجودية، بل أحيانا تطيش عن مسار العقل الوجودي القائم على الحدية والتفرد المحكم بالأفكار والنتائج, فقد تشكلت في عمومها كمذهب يقوم بحتمية عدم خضوع الأخلاقية البشرية لأي منظومات اكراه تتعارض مع مبدأ الحرية كأساس ونتاج للوعي الإنساني بماهية الوعي، وهو لا يعترف بأي قواعد اخلاقية ملزمة للجميع إلا ما ينتجه الوجودي للغير، فكل تصرف عنده فعل فريد لا يتكرر بنفس الأليات وبنفس الوعي، فلكل لحظة وعي ولكل موقف وعي خاص يتجدد أستجابة للرغبة الذاتية.
ويرى سارتر في تحقيق الفرد لرغبته الواعية من الداخل الماهوي كسلوك متحرر من الوجود بذاته تكفيراً عن لا أخلاقيات المجتمع، فهو في كل موقف يحتاج لأن يقدم نموذجا أخلاقيا خاص ومتناسب مع الموضوع، هذا الموقف عنده مواجهة للنفس بذاتها وعلاقات هذا الوجود الجامد الأصم بما يمليه من قهر ضد الوجود الإنساني لذاته، ويربط سارتر الحرية بالرغبة وحدها ويصورها على انها جزء حيوي في كل فعل بشري ينطلق من ماهية لا تعترف بالأحكام المسبقة حتى ولو كان عبثا لاعقلانيا، أو حتى لو تمت في حالة جنون فهي حرية مصدرها استقلال شكلي في الاختيار، دون النظر والأهتمام بالقيم الموضوعية للقرار المتخذ وامكانيات تحقيقه، وينفي عنها الحتمية في مسائل اللزوم والخضوع لغير ما هو كائن قبل أن يكون, لكنه مع ذلك فهو غير مجبر ولا مضطر لأتخاذ أي موقف لا يعبر عن وعيه المرحلي وماهيته في لحظة القرار والفعل والنتيجة.
قد نستطيع القول إن مفهوم سارتر للأخلاق له جذور مثالية دينية بروتستانتية من مارتن لوثر تحديدا، فالأخير هو من أسس مفهوم الأحلاق المرتبط بالحرية الفردي، يقول لوثر في عبارة مفادها أن (الإنسان لذاته هو المسـؤول الوحيـد مــــع رغبـــته عــــن وجــــوده الفــــردي)، هــــذا الوجــــود المقــــترن بعجــــزه وإثمــــه جنبــــا إلى جنــــب في سعيه للخـلاص، فالمسـيحي هـو حـاكم حـر علـى كـل الأشـياء ولـيس خاضـعا لأحـد، هـو خـادم لكـل الأشـياء وهو موضوع للعالم كله، ومـن هنـا نجـد أن الإيمـــان الحقيقـــي يفهـــم أن أعمـــال االله همـــا مفتـــاح فهـــم لـــوثر بتعبيريه "أجلنـــا" ومـــن "أجلـــي" ومـــن ولا يعترف بها على أنها ببساطة مجرد حقائق واقعية لتاريخ خارجي" أجلنا".
فمن أجلي ومن أجلنا تحولت عند سارتر إلى جوهر إنساني حقيقي بعيدا عن تحديد مسبق كما فهمها لوثر ونسبها للوجود لذاته بدلا من أن تكون حقائق تاريخية (الوجود بنفسه) لأنه أعادها لموضوع الحرية والرغبة والوعي، بعد لوثر جاء جيد أندريه في بداية القرن العشرين ليسطر مفهوم أكثر تحللا من ربط الأخلاق بالوقائع التأريخية ليحيلها بالتمام إلى محدد أخر حين رفض الأخلاق التقليدية ليربطها بالإنسان وحريته الفردية فقط، ومـن هنـا كـان الإحسـاس بالعبـث، وانتقـاء المعنى عنده هــذه الــذات هــي طبيعتهــا الناقصــة أو هــي وجودنــا النــاقص، الــذي نــدرك كمعــنى عنــد نيتشــه، إن ما نتجاوزه هو بعد كل شيء جزء من النفس وإنما علينا أن نعي هذا النقص، والــذي لا ينبغـي أن نتجــاوزه إلى مـا هــو أعلــى منـه، إلى الإنســان الأعلـى كمــا هـو عنــد ن ما نتجاوزه هو بعد كل شيء جزء مـن الـنفس، وإنمـا ينبغـي أن نعـي هـذا الـنقص ونـترك وجودنـا النـاقص ـن يمارس حريته بعيدا عن القيم التقليدية، إنها العودة إلى الذات الحرة وبنفس الوقت تحلل كل القيم والأخلاق والتقاليد والأعراف بحركة رفض كلي للواقع (النفس بذاتها) كما يسميها سارتر.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير