الظاهرة السارترية ح 8

عباس علي العلي
2021 / 10 / 23

فـإرادة القـوة الـتي دعـا إليهـا نيتشـه تمخـض عنهـا إنسـياق المـذهب الوجـودي صـوبها، حيـث يلاحـظ أن القـيم الــتي ســادت في ذلــك المجتمــع بــدأت تأخــذ هــذا المنحــنى المســمى بــإرادة القــوة لكــن عــن طريــق فكـــر الوجوديـــة، أي تحقيـــق وجـــود الإنســـان لا بد أن يكون بقـــوة، وكأننـــا هنـــا أمـــام إعـــادة صـــياغة ومنهجـــه الفكر النيتشوي من حيث القوة والوجود حيث أوجــدت نفســها، وعلــى هــذا الأســاس يمكــن القــول كنتيجــة تاريخيــة منطقيــة أن فلســفة نيتشــه وهـي في الحقيقـة مظهـر لتجليـات فلسـفة "هيـدجر وسـارتر" الفلسـفة الوجوديـة، خاصـة ذلك الوعد في أنـه سـيأتي جيل بعده يفهم فلسفته ويطبقهـا علـى أرض الواقـع، فالعلاقـة بـين فلسـفة القـوة والفلسـفة الوجوديـة لا تعتبر إلا ظاهرة ترابط قوية بين نيتشه وسارتر على وجه الخصوص.
فإن كان نيتشــــه قــــام بهـدم القــــيم القديمــــة والنزعــــة الإنســــانية، وقــــال بأنها تتأســــس علــــى فكــــرة من أنها فكرة ميتافيزيقية، وإن الميتافيزيقيا بـدورها عبـارة عـن أخـلاق تصـطنع قيمـا مزيفـة للواقـع ومتعاليـة عليـه، أي قيما مثالية تهدف إلى إخفاء وطمس ظاهر حقيقة الوجود القاسية، الـتي تـذهل الإنسـان وتفزعـه وتـتحطم عنـدها أحلامــه وأوهامــه، ويمكــن القــول عــن هــذا النقــد أنــه يســير في الاتجــاه المعــاكس تمامــا للتقليــد الفلســفي "الكـــانطي"، فبينمـــا دعـــا كانط إلى ضرورة تحقيق المقولات الميتافيزيقية على أنها مجرد قيم لتأسيس الأخـلاق، و مسـلمات الفكـر العلمـي، يـرى نيتشـه أن النقـد الجـذري للفكـر الميتـافيزيقي برمتـه لا يتحقق إلا بفضح حقيقته من أنها مجرد أخلاق تقليدية.
الوجـود في ذاتـه يتجـاوز نفسـه إلى غـير حـد صـوب الوجـود في ذاتـه لكـي يمنحـه قيمــــة، لكــــن هــــذا الإمكــــان ســــينتهي إلى الفشــــل، لأن الوجــــود لذاتــــه يبقــــى هــــو الأســــاس بــــدون أساس، أي لا يمكن تأسيسه لأنه هو أساس الأساس، والقيمة هـي مـا يترتـب علـى هـذا الأسـاس، وبالتـالي يصادر لصالحه، لأن الوجود الذي نحـوه (الإله مثلا) لأن الوجود الذي يتجه لواقع إنساني في تجاوزه هو في ذات نفسه، فهو ليس إلا نفسه بأعتباره كلا، أي وجودا لذاته لا قيمة متعالية عليه ولا أساس قبلي يفرض سؤال الواجب من فوق، لأنه هنا دوما كما هو وجودا لذاته نعرفه على أنه قيمة، بيد أن هذه القيمة لها وجود لا تعرف إلا بدونه.
إن وجود القيمة عند سارتر يقوم دائما وراء الوجود، ومـن ثم لا يكـون لـه مـن أسـاس متجـرد داخـل القيمــة إلى معيــار الوجـود لذاتــه الهـدف الــذي أخطـأه التصــور المسـيحي للقيمــة، لأن هـذا التصــور أحـال القيمــة إلى معيار بالقياس إليه يمكن وضع الأفعال الإنسانية أو الأشياء الحسية عنـدها يكون "الله" القيمـة العليـا، مـن حيـث أننا نتصوره باعتباره الهدف الذي تنزع نحوه القيم الممكنة جميعا، علـــى هـــذا الأســـاس حسب سارتر يكمن العنصـــر النـــاقص في كـــل مـــا يخـــص الإنسان، هذا بالضبط لأن القيمة تطارد الوجود لا من حيث أنه يتأسس بها، أي باعتباره حرية.
ينطلق سارتر في نظرته للأخلاق من مقولة مركزيه في فكره وهي أن لا قيم عالمية متجمدة علينا أحترامها، بل لدينا وجود متجدد علينا تبريره وفهمه فحريتي هي الأساس الفريد لوجود القيم فلست مسئولا ولا ملزما بأعتناق هذه القيم أو الأخلاقيات، فأنا الموجود الذي يبرز ويبرر القيم، فلا عذر ولا تبرير لي طالما أنا موجود ومسئول عن خلق قيمي وأخلاقياتي أنها متعلقة بي ومن خلال حريتي والوعي بها، فأنا أساس القيم التي لا أساس لها هنا الأنا التي يقصدها تعني الوجود لذاته، لذا أنا أعاني من القلق كونه إدراك منعكس للحرية من خلال نفسها، وقلقـي يشـتد حيـث أدرك أن القيم لا يمكن أن توجد إلا من خلال التساؤل لأني أعرف نفسي أني حر أي قادر على تجاوز وقلب سلم القيم التقليدية (النفس بذاتها).

.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير