الطاهرة السارترية ح 6

عباس علي العلي
2021 / 10 / 22

تحتل مسألة العدم عند سارتر مكانة مهمة في طيات تفكيره بأعتباره الضد النوعي للوجود، وبالتالي فغياب أي وجود سواء أكان بذاته أو لذاته فهو عدم بغض النظر عن إمكانية وجوده أم أحتمال إمكانية الوجود، فالعدم عند سارتر عدم متعلق بالوجود من حيث يتحول بالوعي وليس كعدم أصلي، فغياب الماهوية الفردية عدم، بمعنى أنه لا ينطلق من فهم العدم من منطلق العدم بذاته كمفهوم تصوري محض فيقول بعبارته الشهيرة أن "العدم ليس موجودا في الوجود في ذاته بل موجودا في الوجود لذاته"، هذه العبارة نوع من الإقحام المفخم الذي لا يتماسك أمام الرؤية التحليلية، لكنه يشير إلى الوجود واللا وجود سواء أكان بنفسه أم لنفسه.
فلو كان العدم موجود بأي حالة أنتفت تسميته بالعدم فهو يصبح جزء من الوجود لأنه موجود، علينا أن نفهم العدم على أنه نقيض للوجود وليس ضدا كاشفا له، أي أن النقيض هو موضوع خارج عن النقيض الأخر ولا يتصل به بأي حال، عليه تكون عبارة العدم موجود في الوجود لذاته جمع بين نقيضين لا يمكن منطقا ولا عقليا أن يجتمعا إلى إذا قصدنا به المجازاة بمعنى اللا وجود، فلا وجود الوجود لذاته حقيقية حتى يتبلور الوعي في الوجود الأول من خلال الرغبة والأنطلاق والسمو، فالإنسان الفنان مثلا لا يمكن أن يكون وجود لنفسه ما لم يتحول بوعيه وموضوعه وقدرته وفعله أن يكون فنانا، فغياب أشتراطات التحول من الوجود بالذات إلى الوجود للذات ليس تحولا من وجود لعدم، لأن العدم لا يمكن أن يكون دالا إلا على عدم مطابق لماهيته، فوجود العدم بالوجود لذاته ينفي ماهية الأخير ولا يمكن أن يصبح حقيقة مطلقا.
إذن هنا سارتر يتكلم عن عملية الخلق والأنتقال من وجود نوعي كمي إلى وجود ذاتي نوعي، إنه يتكلم عن حركة الوجود من الذات إلى الذات دون أن يكون هناك وجود لعدم من نوع ما غير العدم بمفهوم النفي التوصيفي، مثلا عدم حضور الطالب الدرس لا ينفي وجوده في الواقع لكنه ينفي حضوره، فالعدم الوصفي بصيغة النفي متعلق حصرا بالموضوع الذي تم النفي في داخله دون أن يتعدى للموضوع المنفي وحتى النافي لأنه موقف حدوثي فقط، فقد يكون حاضرا للدرس ولكن لم يصل علم حضوره للنافي أو قد يكون في لحظة القول منفيا في الوقت الذي يمكن أن يكون الحضور بعد القول أو قبله، لكن قولنا أن الطالب لم يحضر الدرس ليس إشارة للعدم بذاته ولكنه عدم لذاته لأن العدم الأخير بشير لماهية متحركة غير ثابته أما العدم الأول يشير لمطلق النفي الحصولي والحدوثي، وهو ما ينافي حقيقة أن الطالب موجود بالذات وللذات.
إن الإيمان بأقدمية العدم وأن الأشياء إنما ولدت في الفراغ تنطوي على مغالطة منطقية أخرى عند سارتر وعند كل الوجوديين الذين سايروا هذه الفكرة، يؤمنُ الوجوديون بالوجودِ الإنسانيِّ قبل كلِّ شيء، ويتَّخذونه منطلقًا لكلِّ أفكارهم، ويعتقدون أنَّ الإنسانَ هو أقدمُ شيءٍ في الوجود وكلُّ ما قبلَه كانَ عدمًا، هذا الأعتقاد الأنطولوجي هو عدم فكري نسبي لا يمكن أطلاقه على العموم الذي ينادي به الوجوديون، فلم يكن الإنسان إلا مرحلة متأخرة جدا في الوجود الكوني بذاته، إلا إذا كان المراد أن وجود الإنسان ككائن بذاته مر بمرحلة الوعي فأكتشف وجوده على النحو الذي يشير إلى أن المرحلة السابقة للوعي كانت مرحلة لا وعي وجودي، وبالتالي هذا الأكتشاف يبدأ معه تأريخ الزمن الوجودي، فالعدم المشار إليه هنا عدم منسوب للوعي بالوجود وليس عدم حقيقي بماهية توصيفية تشير إلى إمكانية الأنتاج لأن ذلك محال منطقيا، لأن الممكن ومحتمل الإمكان قادر على أن يكون في كل مرة منتجا بذات الطريقة وهذا ما لا يمكن تحققه أيضا.
إن الخلط وقد يكون نتيجة الترجمة التي وصلتنا بين العدم كمفهوم تصوري ذهني لا حقيقي ولا موجود ولا يمكن أن يوجد طالما أننا لا نملك معيارية خاصة به، فالوجود نعرفه لأنه مدرك ومحسوس وصالح للوعي به بناء على توفر المفردات الشيئية القياسية التي يمكن من خلالها أن نعرف الموجود من غير الموجود، أما العدم فهو مما لا يدرك لا بنفسه ولا لنفسه، لأننا خلقناه من خلال مقاربة معنى النقيض وليس إلا، فكل شيء يعرف بنقيضه لا بضده، فالمرض يعرف بالصحة وليس بعدم وجود المرض، فهو إن لم يكن موجودا عندي فلا بد أن أحدا قد أصيب به أو أحتمال الإصابة به.
من المغالطات المنطقية في موضوعات سارتر بالرغم من أنه ساهم بشكل إيجابي في تحريك العقل البشري المعاصر لجوانب مهمة من الفلسفة، إلا أن هذا لا يعني أبدا أنه أيضا أرتكب كثيرا من الحماقات الفكرية، منها مثر عبارته التي يدَّعي فيها (أنَّ الوجود البشري ما هو إلا لغزٌ يوجَدُ فيه كلُّ واحدٍ منَّا، طالما أنَّنا نعيش في ظلِّ حالةٍ عامَّة من العدم)، الحقيقة أن الوجود البشري فيه جوانب سلط الإنسان الضوء على الكثير منها، كما أن هناك جوانب يدخل إليها العقل الإنساني بحذر، فليس هناك لغز طالما أن هناك عقل بفكك ويدرس ويقرأ ويستنبط، اللغز يكون وصفا عند العقول التي لا ترى من الداخل والخارج وتربط بينهما لتستدل على المفتاح والمدخل للحل، وعند ضياع هذه الرؤية أو قصورها يتحول الحل إلى عدم قدرة على الحل، وليس فشلا فالفشل طريق تم سلوكه لكنه لم يصل بنا للهدف، إذا حالة العدم ليست حقيقية ولا يمكن أن تكون طالما أننا نتحرك نعي نفكر نخلق الواقع ونخلق ماهيتنا في وجودنا لذاته كما هو يقول، السؤال كيف نكون نعيش في حالة من العدم في الوقت الذي نتحول من بالذات إلى الذي للذات، هذه حالة من الأنفصال وعدم الترابط الواعي بين أفكار يجب أن تتنمط وفق نسق واحد نسبيا أو على الأقل تطوريا.
يشرح أحد المنظرين الوجوديين فكرة العدم عند سارتر على أنها طريق حقيقي يقودنا لظهور العدم في نظام الوجود إلى «الوجود للنفس»، وهذا يقودنا أيضا إلى الوعى الإنساني الذى يتملّص من التزامتنا ورؤانا، يلخص سارتر نوع تواطؤ الوجود والعدم في الجملة التالية «لا يكون الوعى ما هو كائن، وهو يكون ما ليس كائنا»!!. فيعتبر العدم واحدة من التحولات التي تستظهر فيها النفس البشرية وهنا يشير للوجود لذاته حقيقتها من اللا وجود للوجود، هذا ما يفسر عبارة لا يكون الوعي ما هو كائن أي لا يمكن أن يكون الوعي ملاصقا للوجود الأول حتى ينفصل عنه ويغادره حاملا معه مبدأ السمو، هذا الفهم هو ما يشرح الجزء الثاني من عبارته وهو يكون ما ليس كائنا أي تكوينه غير كونه الأول وإلا أصبحنا أمام متطابقة منطقية بين ما هو كائن وما هو يكون، الخطأ أيضا في هذه الفكرة أن ندخل العدم بمفهومه التصوري الفلسفي المنطق بديلا لعبارة عدم الوجود.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي