الظاهرة السارترية ح5

عباس علي العلي
2021 / 10 / 22

كان من الأولى أن تعتمد مصطلحات الماهوية أو الوصفية الماهوية على الظاهرة السارترية بدلا من مصطلح الوجودية طالما أن هدفها الأول إثبات إصالة الماهية على الوجود، فالوجودية تقتضي حسب المتعارف عليه هو تقديم الوجود كحقيقية موضوعية على ما سواها من المقولات بشكل مستصحب ليبين جوهر موضوع الفكرة وعمادها الفكري، فسارتر ومن تبعه في دراسة الظاهرة أو التبشير فيها أو حتى الأنتماء لها في الأخر يركون على ذات فكرة الإصالة بالنتيجة، فحتى قولهم بالجوهر الحقيقي أو الوجود الحقيقي يشيرون لنتيجة تبلور الماهية بالشكل الذي وصلت له الفكرة ولكن لا يشيرون لوجودية كاملة، الوجود عندهم نتاج أختيار وتبني الماهية أولا وصولا إلى تحققها بالكامل.
فـ «الوجود من حيث هو» عنده هو عالم الأشياء التي ليس لديها وعى أي الوجود بذاته مفتقدا عنصر محفز للإنطلاق نحو ماهوية ما، بمعنى أن وجود الإنسان لذاته وجود أصم خالي من ماهية متحركة أو قابلة للتحرك بوجود الباعث وهو العالم الخارجي وما تنطوي عليه الذاتية بذاتها القابلة للتحرك، فهو يجرد الوجود بذاته هنا من الفعل من الطبيعة الفطرية لا يفرق بين الإنسان وبقية الكائنات، أما الوجود الذى لديه وعى وبإمكانه أن يسخره، وبه يستطيع إقامة علاقة مستقلة بالواقع فيسميه «الوجود للنفس» أي الوجود للذات، الأعتراض هنا بسؤال كيف تحول الوجود الأصم الجامد إلى وجود واعي؟ هل هي طفرة موضوعية حدثت نتيجة لعامل خارجي؟ أم أنها حركة ذاتية منبعثة من خصيصة الوجود الإنساني بذاته؟ إنه يختصر المسألة بشكل أعتباطي دون أن يبين العلاقة ولا يجيب على السؤال، فهو يقر وبعبارة سهلة ميسرة «الوجود للنفس» هو الإنسان، و«الوجود من حيث هو» هو العالم المُحيط به.
هذه المقولة فيها خطأ صريح في فهم ترابط الذات من حيث هي ذات لنفسها ومن حيث هي ذات لنفسها، فعندما يشير إلى الوجود من حيث هو وجود بلا وعي، فيكون العالم الخارجي بلا وعي وكأن الإنسان لنفسه هو من يعطي الهوية ومن بعطي الماهية للعالم الخارجي، لا أدري تماما كيف يمكن لهذا العالم الخارجي أن يتقبل هوية كلية من عنصر جزئي فيه، طبعا إلا إذا قصد بأن الوجود للنفس يعطي هوية نسبية مخصوصة به للعالم الخارجي دون أن تكون هذه الهوية حقيقية، فمثلا في بعض ما طرحه عن قضية شك إبراهيم متابعا فكرة الفيلسوف كيركجارد بقول بتساؤل منطقي (هل حقا أنا من يكون جديرا بأن يفعل بالطريقة التي تحمل الإنسانية على الأهتداء بأفعاله)، فإذا كان الوجود بنفسه غير واعيا وأصم ومغلق فكيف يكون له أن يهتدي بأفعال الوجود للنفس؟ ما هي الألية التي يمكن بها لهذا الوجود أن يمنح الوجود الأخر ما ينقصه من وعي لازم؟ هذا التناقض ليس فقط مدعاة للتساؤل بل أيضا مدعاة للسخرية بشكل مر.
إذا كان الوجود بنفسه وجود لا واعي هل وجودنا كبشر بذاته من ضمن هذا الوجود أم خارج عنه؟ إذا كان الجواب نعم فقد ناقض نفسه حين أشار إلى أننا بوصفنا أفرادا واعين قبل أن نكون ماهية، فنحن نسمو “نتفوق” بهذه الحقيقة الفطرية لما يشكل “موقفنا”، بمعنى آخر نحن كائنات يتملكنا دوما “موقف ما”، هذا الموقف أما أن يكون واعي وممكن أن يتحرك ويتطور بنا نحو السمو، أو يحتاج لوعي فوق الفطرية وبالتأكيد لا بد أن يكون منبعه ومحفزه العالم الخارجي أي الوجود بنفسه، فلو كان الوجود بنفسه هو من يمنحنا الوعي فلا يمكن المطابقة هنا لأنه أساسا وحسب سارتر هو وجود بلا وعي وفاقد الشيء لا يعطيه، من هنا كان يبرر شكه في العلاقة بين الوجود للنفس والوجود بالنفس من خلال عبارة التمازج أي التأثير المتبادل بينهما، فيقول (لكن التمازج الدقيق بين السمو والحقيقة الفطرية التي تشكل أي موقف هي مسألة يتعذر الجزم بها، على الأقل ما دمنا منخرطين فيها).
من هنا خلُص سارتر إلى أننا دوما “فائضون” عن موقفنا لكن لا يوضح كيف يكون الإنسان فائض عن موقفه إلا إذا أخذنا المصطلح ليس بمعنى الزيادة ولكن بمعنى الفيض والتجلي، وعليه يكون هذا هو الأساس الوجودي لحريتنا بأعتبار الحرية نتاج موقف سمو، وعلى حد تعبيره المغالي يقول: (نحن “مدينون” لأنفسنا” بأن نكون أحرارا) لأننا وجدنا ماهيتنا من خلال ماهية الموقف بتراكيبه التي تكلمنا عنها سابقا، لذا يعاني الإنسان أثناء تحقيق وجوده الذاتي من حتمية الاصطدام مع الذّاوات الأخرى ومع العالم الخارجي المليء بالمآسي والعبث واللامعقول، الأمر الذي يخلق عنده حالة من التمزق والقلق والضياع، تفضي به إلى العيش في دوامة من التناقضات والاضطرابات.
نعود للسؤال مرة أخرى عن الوجود بنفسه اللا واعي الأصم الذي لا يعطي معنى ولا موقف وليس له ماهية خارج ذاته، كيف له أن يدخل في صراع مع الإنسان الوجود لنفسه الواعي، فالصراع هو تقابل إرادتين كل منها لها إرادة خاصة، وبالتالي كل منها لها وعي خاص، فلا إرادة بلا وعي ولا وعي من غير تصميم على إثبات وجودها، هذا التناقض في مبتنيات الفكرة الوجودية عند سارتر تتهاوى بمجرد التدقيق في الكلام وإعادة تفكيك كل جملة بمحمولها الخاص والعام لتظهر كم التناقض واللا دقة في متابعة خط فكري واحد يؤسس لمقولة فلسفية متينة.
حتى عندما يتكلم عن الحرية بأعتبارها مسئولية إنسانية بناء على قراراته وأختياراته يجعل الأمر مرتبطا بالناس، أي يخضع الوجود الفردي لنفسه لوجود جمعي لنفسه لكن بصورة أكبر، هنا يقطع سلسلة التفاعل ويعزل هذا الوجود عن محيطه الطبيعي وعن عالمه الإطار الضروري ليكون كائن مشارك ومشترك بإيجابية، وكأن الجنس البشري يعيش عالمه الخاص الواعي دون أن يهتم أو يتأثر بالوجود بنفسه الذي هو عالم من الوجودات الغبية التي لا فعل بها ولا وعي، هذا الوجود بالضرورة وجود عبثي غير لازم وغير منتج فهو غير معني بالإنسان والإنسان غير معني به، لذا عليه أن يمارس حريته الوجودية وكأن هذا العالم الزائد لا يهتم ولا يتأثر ولا يؤثر بحدود المسئولية، إنه يعيش عالم إنساني صرف تتحرك مسئوليته فيه على مراعاة قواعد المثالية الطوباوية، وعندما يدرك المرء حقيقة هذه المسؤولية وثقلها عليه تنتابه حالة من القلق ويشعر بأنه واقع في مأزق حقيقي، لهذا كثيرا ما يقال عن المسؤولية بأنها الجانب المظلم للحرية.
وجودية سارتر تلغي الحقائق الكونية بأعتبارة زائدة وكل زائد عدم، حتى الموت الذي يلغي الماهية ينظر إليه كشكل من أشكال العدم بل هو العدم كليا، لذا فيعتبر مع كونه حقيقة مطلقة لا يمكن نكرانها ولا تجاوزها كوجود بذاته هو أعتداء على ماهية الوجود لنفسه، تبرز هنا وظيفة الوجودية السارترية في تعبيرها العميق عن سخط الإنسان على العالم، وشعوره بالعبث والتمزق والقلق من الموت الذي يعني العدم، فإن العالم يصبح في نظره سخيفا ومعاديا لوجودنا، مما يثير الاشمئزاز ويتسبب له في الغربة والضياع، وفي هذه الحالة علينا كما يقول كامي ألا "نستسلم للعبث أبدا" ولا نخضع له، فليس هناك إلا فعل واحد مجدي، هو الفعل الذي يربط الإنسان بالأرض والجسد حتى في ضعفه وهو اليقين الوحيد ومع ذلك فليس له إلا هذه الأرض، والانتصار النهائي هو الانتصار الذي يضمن الخلود ولا خلود في هذا العالم، ومن هنا يستمر هذا التوتر في العمل، هذا التوتر في التعاطف الفعال مع الناس على الأرض.
إن الأسلوبية الأدبية العالية والمتقنة والتي لعبت دورا مهما في تغطية تناقضات سارتر الفكرية لعبت دورا هاما في جذب الذائقة الفكرية المتطرفة لجانبه، من هذه العبارات الرنانة والتي تحمل بعدا فلسفيا بصورة ما عبارته الشهيرة والتي تفصح عن نوع من اللعب بالكلمات دون أن تقدم مضمونا راقيا يتناسب مع فخامة الأسلوب الصياغي، فلتأمل هذه العبارة جيد «الإنسان هو الكائن الذي هو ما ليس هو، والذي ليس هو ما هو»، لو فككنا هذه العبارة نجدها أولا تثبت وتنفي في نفس الوقت موضوع الماهية الإنسانية من خلال تأكيد الـ (هو) في إشارة للوجود الأول بأعتباره كائن "موجود" وحقيقي لكنه ليس ما هو ذات الكائن بالنتيجة، هذه العبارة ترديد لمفهوم الوجود بذاته ولذاته، وبالتالي فهذه الصياغة المتكلفة لا تضفي جديدا لا على إنكار أصالة الوجودية الكونية، ولا تثبت جوهرية الماهية على أنها الموضوع الحقيقي والأساسي عنده.
نفس المعنى الماهوي يتكرر في نفس السياق الصيغوي الذي يلبسه نوعا من المغالاة والفخامة الخالية، فتدما يشير إلى حد الحرية كموضوع ثابت وأساسي في وجوديته يعود إلى تريد في المغزى الذي تختصره (ما ليس كائنا فهو عدم)، مثلا ننظر إلى عبارة «الإنسان حر دائماً أبداً، وإلا فإنه ليس حراً على الإطلاق»، هنا يصر على منهجه الطوباوي المثالي المتمثل بفرضية أن الإنسان أما أن يكون حرا أو لا يكون دون أن يحدد للحرية إطار ماهوي، الحقيقة لا يمكن أن يكون الإنسان حرا دائما وأبدا وهو كائن بيد خارجة عنده، أو نتاج لقوة تسبق وجوده وتتحكم به، فالموت قيدا على الحرية، كذلك الوجود بنفسه قيدا على الحرية أيضا، وحتى ماهيته الكبرى المتمثلة بالوجود لنفسه قيدا على الحرية طالما أنها تفرض عليه إلتزام أخلاقي أن يكون ذلك الإنسان الملتزم أخلاقيا.
ماهوية سارتر ماهوية فوضوية في موضوعه ونظرته للحرية كأنها حقيقة مطلقة خارج الوجود بذاته، فهو يتجاهل البعد الاجتماعي للواقع الإنساني، قهو كمدافع عن أقصى مدى للحرية، يتجاهل ما على الحرية الإنسانية من قيود اقتصادية وسياسية وثقافية وبيولوجية وتاريخية رسمت أثرها في تحديد أطر للحرية داخل كيان المجتمع كواقع وكحقيقية بعيدا عن رفضه أو قبوله بها، إنها طبيعة الإنسان الفطرية وكذلك طبيعته الماهوية لو أتخذناه كوجود لذاته، فالمعنى الماهوية للوجود لنفسه هو عنوان متعالي عند سارتر وليس الوجود لا الطبيعي الفطري ولا الواقعي الحقيقي معتبر وكأنه يدعو لإخراج هذا الكائن من ماهويته الجوهرية ليمنحه صفة ملائكية لا تؤثر فيها العلاقات الأجتماعية للنفس بذاتها لأنها عنده غير قابلة للفهم لأنها فوضوية بلا وعي ولا بإرادة.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير