ورقة المئة ألف ليرة تكشف المستور من جرائم أحزاب السلطة

حسن خليل غريب
2021 / 10 / 21

ذهبت صباحاً لزيارة صديق، فلم أجده، بل وجدت على الدرج المؤدي إلى باب منزله، ورقة نقدية للمئة ألف ليرة لبنانية. ولما لم أجده في البيت، وضعت الورقة النقدية في جيبي، وعدت أدراج العودة إلى منزلي. وفي الطريق تكاثرت الأفكار وتزاحمت في رأسي، ليس مصدرها الورقة النقدية تلك التي أصبحت قيمتها الشرائية في الحضيض، بل كان المصدر هو ما وراء السبب الذي أودى بها جريحة مكلومة، وسرق وهجها وبريقها.
معاتباً سألتها: كنا نملأ بك البراد يا أيتها المتدثرة في جيبي، فما بالك تملأين جيبي برداً على برد؟ ما بالك وكأنني أسمع زفيرك الحار على أيام مضت، ويخيَّل إليَّ وكأن دموعك تسيل في جيبي، وتبللها دمعاتك الباردة؟ إلى ماذا تعيدين السبب يا جارتي لحالة لم أعهدها فيك؟
قبل سنتين، كنا نشتري بقيمتك سبعة آلاف غراماً من اللحم، وأما الآن، فأنت لا تساوين سبعماية غراماً من اللحم مع العظم.
قبل سنتين كنت تساوين مائة ليتر من البنزين. وأما الآن فلا تساوين أكثر من خمسة ليترات. كنت تنثرين الدفء في بيتي لمدة خمسة عشر يوماً تقريباً في أيام البرد القارص. وأما اليوم فلن يعرف بيتنا الدفء ليوم واحد.
كنت عند الفقير تساوين سبعين ربطة من الخبز، تكفي عائلة واحدة متوسطة العدد أكثر من شهرين. وأما الآن فلا تعادلين ثمن عشرة ربطات، تكاد لا تكفي عشرة أيام.
وكنت، وكنت، وكنت، رحم الله من كان. هل يا جارة جيبي المقهور تشرحين لي السبب الذي كبرت فيه أرقامك، وقلَّت قيمتها؟
تأوهت المئة ألف ليرة، وكأنها تندب حظها، وتبكي على حالها وحالتي، وقالت:
ولماذا تعاتبني يا صاح؟ أنا وإياك صنوان، كلما انخفضت قيمتي تزداد حالك سوءاً. كلانا متضرران. أنا تنخفض قيمتي، وأنت تتجه نحو الفقر. فلست أنا السبب.
ما هو السبب إذن يا جارتي؟
فأجابت: لقد سباني من لا دين له أو ضمير، وانتهكوا عرضي في مواخيرهم الخاصة، وفي مواخير الدعارة السياسية. وما أكثرهم في وطن، كثر بينهم الدين، وقلَّ فيهم الإيمان. تكاثر فيه اللصوص وقلَّ فيه العاملون الكادحون.
أينما رحت يا أخي، في لبنان، باحثاً عن أرباب أحزاب السلطة، لوجدتهم في كل المفارق والزوايا. وكل واحد منهم يعلن أنه الوحيد الذي يحمي طائفته. وبدلاً من ذلك، تجده في السر ينهبها، من عائدات الدولة، أو بقبض الأموال من الخارج باسمها. ولكي يُسكتوا الأصوات التي تئن من الجوع، يشترون قسماً من الفقراء بفتات من الخبز، فيتحولون إلى أزلام يزعقون: بالدم والروح نفديك يا أمير، وهم عاطلون عن العمل المنتج ليتفرغوا لتفخيم سادتهم وتضخيمهم. ويفعلونها بأن يتصدوا إلى فقراء الطائفة الذين يئنون من الجوع إذا صرخوا خوفاً من (القلَّة والذلَّة) بالقمع والقتل والتهديد. وقد وصل الشذود بأولئك الأمراء، إلى درجة أن أنفقوا جزءاً من الأموال لشراء السلاح، فكدسوه بين أيدي (الولائيين لهم)، واستقووا به ليس على الطوائف الأخرى فحسب، بل للاستقواء به على من يرفض (الولاء) لهم من أبناء طائفتهم.
أنا أبثُّ الشكوى إليك لأنني الأكثر رتبة بين الفئات النقدية. حتى ولو ضربت قيمتي الشرائية بالعشرات، أي لو اعتلت فئة المليون رتب الأوراق النقدية، لكنت سوف ترثيها أيضاً، لأن الانهيار في قيمتي مستمر ولن يتوقف طالما أن (أمراء الطوائف)، يبيعون بكم وبنا ويشترون، لتكديس الأموال في جيوبهم، وتكديس نجوم الزعامة على أكتافهم.
لقد هرَّبوا فائض السرقات إلى الخارج، وما أبقوا عليه يشترون به النفوس الضعيفة أمام مذابح الطائفية. ولا يزالوا حتى الآن، على الرغم من صرخات ذعر الفقراء من مستقبلهم ومستقبل أطفالهم ومرضاهم، يسرقون إما من خلال شركات المحروقات، ومحلات الصيرفة، وشركات استيراد المواد الغذائية، واستيراد الأدوية، و... و... ولهذا فسوف تقدمون قصائد الرثاء أكثر، وسوف تترحمون عليَّ بعد أن تخلفني ورقة المليون التي ستحتل مكاني، وقد تكون أكثر من المليون.
يا أخي
كما قام أهل الكهف بعد ثلاثماية من السنين وأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليشتري لهم ما يأكلون بما ادخروه من فلوس. وذهب ولم يستطع أن يشتري بها شيئاً لأنها أصبحت من دون قيمة، فسوف يستفيق الشعب في يوم قريب جداً ليجدني كما وجد أهل الكهف فلوسهم.
ما هو ذنبي يا أخي؟
ألم تسأل أنت وغيرك أنفسكم: إلى متى سنبقى نائمين كما نام أهل الكهف؟
هبوا في وجه اللصوص الذين سلبوا مني قيمتي، وسلبوا منكم لقمة الخبز وحبة الدواء. سرقوا منكم أجرة الطريق لتذهبوا إلى أعمالكم. سرقوا الشمعة التي تضيء ظلامكم. بل لقد سرقوا منكم حق العمل. كل ذلك وربطوا مصيرينا بذنب الدولار. وحتى الدولار راحوا يتاجرون به، صعوداً وانخفاضاً في شركات الصيرفة التي بثُّوها في السر والعلن.
لقد تناسيتم أن قيمتي ترتبط بما تنتجون. ولا إنتاج. بل عاطلون عن العمل، يتفيأون بظل الشوارع والمقاهي، يخبئون سلاحهم الذي لا يشهرونه سوى في حالة واحدة هو الدفاع عن أمير طائفتهم، فتحولوا إلى قطعان من العبيد، ولا يجدوا ما يقتاتون به سوى بضع فضلات من الدولارات، اكتنزها أمراؤهم ليوم الدفاع عن هيبتهم وسطوتهم الشخصية، بل عن سطوة أسيادهم في الخارج، والمحافظة على استمرارية مواقعهم إلى الأبد، وعن مصالح أسيادهم في الخارج.
قيمة الدولار، في بلاد الدولار، مرتفعة من كثرة الأيدي العاملة التي تُنتج. وانخفاض قيمتي من قلة الأيدي العاملة. هناك يعملون في الحقل والمصنع فتتراكم مداخيلهم، يأكلون مما يصنعون ومما يزرعون. وهنا نتلطى في الشوارع والأزقة، وننتظر حفنة من الدولارات كل شهر من أجل حماية من يكدسون الأموال، ويبنون أمجادهم بواسطتها، والتي تعرقون مصادرها. ولم يفكروا يوماً بافتتاح مصنع، أو استصلاح أرض، حتى لا تشعروا باستقلالكم المادي. الاستقلال الذي يعفيكم من الوقوف على أعتاب من لا تعرفون كيف يستحصلون على الأموال التي يصرفون الجزء القليل منها لتكديس الخدم والحشم والداعين إلى (بالروح والدم نفديك يا أمير).
إن قيمتي من قيمتكم، بيدكم الكلمة الفصل. وأنا أنتظر لترفعوا قيمتكم فتزداد قيمتي. وغير ذلك، سأرثي لكم حالكم، ولا تنتظروا أن تغيروا اتجاه البوصلة، فأنا لن أفعل لكم شيئاً أكثر من أن أخاطبكم قائلة: (خير الكلام أن ترفع صوتك بوجه لص لئيم).

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا