الظاهرة السارتية ح4

عباس علي العلي
2021 / 10 / 21

إذا إلحادية وجودية سارتر ليست إلحادية ناكرة للوجود بالضرورة ولكن إلحاد تصوري أكثر منه واقعي، ففي رسالته الوجودية منزع إنساني يقول ما نصه (إن الإنسان يوجد أولا، يلتقي العالم وينبثق فيه، قم يعرف بعد ذلك، وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثله الوجودي قابلا للتعريف فذلك لأنه لا يمثل شيئا في المنطق ولا يكون كذلك إلا لاحقا، ولا يكون إلا على النحو الذي سينشئه لنفسه)، بهذا النص يضع سارتر العربة قبل الحصان ثم يطلب منا أن نتمثل أنه يمكن أن يكون الحصان بوعيه أن يتقدم بنفسه ليكون أمام العربة وبالتالي فالحصان هو الذب سيمثل الماهية والعربة تمثل الوجود، هذا إذا كان يتكلم عن الوجود مجردا، أما إذا كان يمثل الوجود والماهية وصفا فمن الضرورية أن يكون هناك من يربط بين العربة والحصان ليمثل حقيقية جوهرية كما يقول بالنتيجة لا بالواقع.
فقوله إن الإنسان إرادة يعني به وكما يقول ليس الإنسان بما يرغب بل بما عزم عليه، فالإرادة تمظهر لا يتم إلا من خلال ما يمكنه من أن يترجم هذه الرغبة بفعل ويحولها إلى عملية عزم تكشف عن نتيجة، هذه النتيجة هي التي تجعل من الإنسان ماهية، هذا يعني أن العزم والتعامل معه بجدية لا بد أن يسبقه وعي بالضرورة، هذا الوعي إذا كان منقطعا عن الوجود الواعي لا يمكن أن يستحضر، فبالتالي حتى تظهر الماهية التوصيفية التي يسميها الحقيقية الجوهرية تبدأ بسلسلة من الأخر، نتيجة قبلها عزم وقبل العزم وعي وقبلهم رغبة وقبل الرغبة نعود للوعي بذاته الذي ينبثق من وجود بذاته، هذه السلسلة لا تقودنا إلى لنتيجة أساسية هي الوجود بذاته أسبق من الوجود لذاته.
إذا نحن أمام عملية متسلسلة لا تنفك لمجرد رغبتنا في ذلك ولا تتجزأ بناء على إرادتنا، إنها حقائق موضوعية تنبع من طبيعة الوجود ذاته، هذا الوجود المتكامل الذي يبرر ما في ذاته بذاته، والذاتية هنا كما يقول سارتر لا تعني الذاتية الفردانية بمفهومها الضيق وإنما تعني أن ( إنما نقول إن الإنسان مسئول عن ذاته فإننا لا نريد أن نقول إنه مسئول عن فرديته الضيقة إنما هو مسئول عن كل الناس)، هذه المسئولية تعني خيارا عميقا يتمثل أولا في أن هذا الأختيار هنا هو أختيار مركب أيبدأ من أختيار الفرد لذاته ليصل بالمعنى الوجودي أختيار لكل الناس، وثانيا هذا الأختيار بحد ذاته هو أختيار لقيمته أو ما يختر لتلك القيمة، فالخيار سيكون هو دوما أختيار الخير منطقيا، في هذه النقطة خرجت وجودية سارتر من حدها المنطقي الوجودي لتتحول إلى مثالية طوباوية تتمثل في قوله (لا شيء يمكن أن يكون حسنا بالنسبة إليه ما لم يكن حسنا لكل الناس)، فقد تجاهل أو أستغفل حقيقة أن هذه المثالية لا يمكن أن تكون طبيعية مع طبيعة الإنسان كماهيه طالما أنه ينحاز دوما لذاتيته بوجود صراع داخلي وخارجي بينه وبين الإنسان الأخر في تعريف الخير والشر أولا، وفي حقيقة أن الإنسان ليس مثاليا لهذه الدرجة.
في المثال الذي ضربه سارتر في تحديد مدى المسئولية من خلال الخيار والتي جعلها مثلا عندما يريد أن يكون عاملا وراغبا وأمامه خياران أن ينتمي لنقابة مسيحية أو ينظم للشيوعية، فهو بالنتيجة لا بد أن يسلم بمبدأ الخضوع كخيار، يقول هنا في هذه النقطة أن خياره كحل سيكون ملزما ليس لنفسه فقط، بل سيكون ذلك إلزاميا للناس بأعتباره قدوة تريد الخير على أفتراض أن هذا الإلزام قد يكون بالنتيجة إلزاما لكل الناس، هذه نتيجة أفتراضية لعدة أسباب فالإنسان ليس دوما قدوة وليس دوما صاحب خيار حر حسب إرادته بغياب عوامل وأنشاط العلاقات الأجتماعية المتحكمة، وأخيرا لا يمكن أن نطبق الأفتراض في عالم تتعدد فيه الخيارات وتتعارض في الإرادات على الوجه الذي يشكل منافسة بينهما لتفرز الخيار الأقوى أو الخيار الأكثر قدرة على التجريب والأكثر مقدرة على مناغمة المصلحة والحاجة مع الموجود.
حتى في المثال الأخر الذي ضربه حول مسألة الزواج والأختيار عندما يرغب ويقرر ويضع في المقدمة الماهية التي يجب أن تكون جوابا لرغبته وقراره القادم، فهو يفترض أن القرار هنا قرار ذاتي سيكون ملزما له ولكنه متعد إلى الإنسانية، هذه الفردية المفرطة في المثال لا يمكن أن تكون حقيقية طالما أن الزواج لا بد أن يكون بطرفين كل منهم له رغبة محددة وإرادة منفردة بعيدا عن كون هذه العملية أيضا تتحكم بها أعتبارات قانونية وعرفية أجتماعية وحتى نفسية خاصة، فهي ليست قضية من يرغب ويقرر وليست إرادة منفردة أبدا، صحيح أن لكل من الزوجين ماهية توصيفية للطرف الأخر تعتمد على التوافق والقدرة على تجسيد التوافق وأنجازه، فالمسئولية هنا ليست مسئولية فرد تجاه الإنسانية وإنما مسئولية رتبها وجود الإنسان في ذاته داخل كيان أكبر هو من يحدد شكل ونوع المسئولية في حدود ما يؤمن به أو يتلاءم مع نسقه الأجتماعي، فإلتزام الإنسانية هنا نابع ليس من كونه خيار فردي بل لأنه نتاج ترابط وتشابك عوامل عديدة منها الخيار الفردي طبعا.
عندما يخلط سارتر بين القيم المثالية والتي يعيد تركيبها وفق رؤية وجودية إنما تمثل له نوعا من الحل اللا مجدي عن إقراره بوجود ماهيات متعددة لا تمثل بالضرورة ماهيته التي يريد تعميمها، لا بالواقع ولا حتى على سبيل التنظير، فالإنسان كائن أجتماعي بوجوده لذاته نعم، ولكن هذه الماهية ليست مكتسبة نتيجة قرار ورغبة ووعي مرحلي، إنها وجوده بذاته الأولى، وجوده كإنسان فيه جوانب متعارضة وفيه جوانب متوافقة وفي داخله صراع للتكوين، الإنسان كوجود بذاته أكبر من وجوده لذاته لأن الوجود الأخير متنوع ومتحرك ومختلف وبالتالي القياس على المختلف قياس متحرك لا يمثله كله، بل يمثل ما هو عليه فقط، ماهية متحركة ذاتية تتبدل مع المتغيرات لا يمكن أن تكون قاعدة، القاعدة الأساسية والطبيعية هي في وجوده بذاته أولا لأنها واحدة وثانيا لأنها بالضرورة عامة وثالثا لأنها أساس لكل الماهيات ومنه تتفرع، فالحقيقة الجوهرية للإنسان تبدا من أعترافنا بالوجود بذاته قابلا لخلق وجودات متعددة كل وجود له ماهية ما، الفرق أن الروابط والإرادة هما ما يصنعان تلك الماهية وليس قرار ما أنطلق به ومحصلته النتيجة.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير