رسالة إلى الله 2

السعيد عبدالغني
2021 / 10 / 20

لم أطف في الحضرة منذ مدة يا إلهي فاعذرني. لا أعلم لم أشك في الاشياء حولي جميعها ؟ مما سبب اضطرابا في رؤيتي لك والثقة بك ؟ إني أشك في كل شيء، أشك في ما تراه عيني وما يحدسه قلبي وأخاف من هذا الشك أن يؤدي بي إلى الكفر، هل ستحاسبني إن كنت أقتنع بأنك طيف ليس له متن موجود في أبعاد أو لاأبعاد ؟ لا أعلم يا إلهي الأسئلة فقط لدي وفي رأسي والهواجس المضنية القوية. اعذرني يا إلهي، أنا بشري خطاء ناقص مقيد، وأنت الكامل التام.
لم أكن ليس لانشغال دنيوي فأنت تعلم أني لا أهتم بالدنيا لكن لأني يخالطني شك فيك، شك في كنهك، وأن صوفيتي ذهبت لها خوفا من الجنون والعدمية. أنت تعلم كم اطلعت على الفلسفات وفي كل مرة كنت أزينك فوقها وفوق عقلي وفوق حسي وفوق حدسي لكن كل هذا لشعور ليس لسببية عقلية، لا أعلم هل اؤمن بعقلي أم أؤمن بقلبي وأيهما أستخدم في الاعتقاد؟ أعلم أن العقل قاصر لكن القلب قاصر أيضا وفي كل حياتي قلبي خانني كثيرا والتوفيق بينها صعب جدا، الايمان بك صعب يا إلهي والكفر بك أصعب لكني لا أريد أن أؤمن أو أن أكفر لكي أحمي ذاتي، أريد فقط أن أطمئن إلى إيماني أو كفري.
المجاذيب يبهرونني في الثقة بالنور، في التخلي عن العقل بهذه الدرجة المطلقة، إني شككت من هذه الأمور ودخل سواد في قلبي.
كنت أستخدم التفلسف لادراكك ولتحميلك على كل الدلالات التي أراها. إني خائف يا إلهي أن أفقد كلي عبثا، صورتك كل شيء وخانني تصوري، ماذا أفعل؟
هذه الفترة أحياها بلا كآبة ولكن بتجرد شديد شعوري عن الاشياء والأشخاص وعدم حاجة للتعبير رغم أن هناك لغة في هاجسي منطوقة بخفوت ، وأفكر كثيرا في عدم الحديث المكرر منذ ولدت في فلك الظهور، حديثي الأنقى بلا صوت بلا مكتوب. أقضي أياما لا ألفظ كلمة واحدة وأفقد في هذه الأثناء الجهات والروابط التي تصنعها اللغة.
هناك لغة بيني وبيني يا إلهي، لغة خارج المنطوق والمكتوب، كل اللغات التي بيني وبيني هي لغة خارجهم، وهم أيضا اللغات التي بيني وبينك. لغات جمالية يُولَد منها أشهى المعاني لي وأكثرها تجردها من مخلوقاتك جميعهم. لكني أفقدها هذه الأيام. أحلم أني أحضن مخالبا وسهاما لانهائية ودمي يروي الأرض.
كسّرت صليبي يا إلهي ،ولم أنظر أعلاه، لا أحتاجه لأعيش.
غفرت لصاليبيني لأني لا أكترث لهم وأقسمت بكفر حواريني بي علىّ بالرحيل. وأفرغت قلبي من العالم ومضيت خارجا فرحا ممددا على سماوات حزينة، أرفل خلقي براحة وسكون.
كنت ابن الأرض قوامي من طينها وعيني من عينها لكني الآن ابن الخارج الخارج المفتوح الذي ينتعش بحفري لاحتمالاته.
كنت ابن القبيلة ابن القافية حتى سكنني الشعر.
كنت ابن اللغة حتى سقطت في النور.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير