شهداء مستشفى الحسين

سلمى الخوري
2021 / 10 / 19

كان الحدث المفجع الذي هز مشاعر القريب والغريب وتألم له كل من سمع الخبر ، نعم حادثة مفجعة راح
ضحيتها أناس أبرياء هم ضحية الأهمال والجهل ، وعدم أستخدام كل ما يجب استخدامه من التقنيات التي
تستلزمها سلامة الناس والمرضى والكادر الصحي ، لأن القيمين على هذا الحقل ينقصهم الوعي والفهم
العام والطرق الصحيحة لتوخي المصائب في الوقت هي أبسط ما تكون لو أتبعوا وسلكوا في المسار
الصحيح من التدريب والوقاية من الحوادث التي هي من نتائج اللامبلاة والأهمال ، والكبرياء والتعالي
والعناد والشعور بالفوقية،إحساسهم انهم يعرفون كل شيء في مجال عملهم ، وحدث ما حدث وخسرنا
من المرضى المصابين بفايروس كورونا ، وبعضاً من الفريق الطبي الذي كان مسؤولاً عن علاج
المصابين بهذا الفايروس إضافة الى الأهل الذين كانوا يرافقون مرضاهم ، وكانت المصيبة في فقدان
العشرات من الضحايا الذين كنا نتمنى كما كان أهلهم يترقبون شفاءهم من مصابهم الأليم .
هذا الحدث المؤلم أعاد الى ذاكرتي يوماً من الماضي عند أنتقالنا الى العمل في بريطانيا في فترة
الثمانينات من القرن الماضي وكانت زوجة رب العمل الذي تعاقدنا معه عراقي الجنسية أخبرتني أنها
ستعمل عملية أستئصال الزائدة الدودية في الأسبوع القادم في لندن ، ومن باب الفضول سألتها لماذا
لم تعمليها حينما كنت في البلد واهلك بجانبك ، ثم أنها ستكون مكلفة لك هنا أضعاف الكلفة في بلدك .؟
أجابتني :
- ليس المهم المال والكلفة بل المهم الرعاية الصحية والخدمة والحنان الذي يلمسه المريض بأيادي
الممرضين والممرضات ، والحنو والدفء وهم يكلموك بنبرة ملؤها الحنان والوّد الذي يخفف الشعور
بالألم أو القلق .
وجوابها هذا أعاد الى ذاكرتي سنين مرت قبلها معي شخصياً جعلتني أوافق على رأيها في هذا الموضوع .
- الحدث الذي ترك إنطباعاً في ذاكرتي يسكنه الألم والحزن لمّا يُصدم الإنسان في بعض المواقف التي
لا تتطلب منك أكثر من أن تتصرف كإنسان له حسن الخلق ليقدم السعادة لأخيه الإنسان .
عادت بي الذاكرة الى اليوم الذي قرر الطبيب الأختصاصي والذي كنت أراجعه بخصوص إلتهاب اللوزتين
المزمن الذي كنت اعاني منه ، قرر الطبيب أنه لا حل آخر لخلاصي من تبعات التهابها إلا باستإصالها
والخلاص منها لأن بقاءها قد يضر بصحتي ، وأحالني الطبيب الى مستشفى مختصة بمثل هذه العمليات
وجاء موعد يوم العملية ورافقني زوجي ووالدتي ،ونحن في باحة المستشفى ومن باب الصدفة ألتقينا
وجهاً لوجه مع الطبيب رئيس المستشفى وهو أخ صديق زوجي ، ويا للمصادفة المفاجئة رحب بنا ،
وبعد أن تعرف لسبب حضورنا الى المستشفى اخذنا الى القسم الخاص بهذه العمليات وأدخلنا الى غرفة
المسؤولة عن أستقبال المرضى الذين ستجرى لهم العملية ، وتقدم اليها بصفته وواقع حاله أنه مدير
المستشفى ، حياها بداية بوجه باسم ثم مازحها بطلب له أن تهتم بهذه المريضة والتي هي أنا زوجة
صديقه ثم أضاف مازحاً أيضا أنه سيمنحها إجازة عندما تريد لتستمتع بها ، ثم خرج من الغرفة وتركنا
معها لكي تملأ إستمارة الدخول الى المستشفى ، وأبتدأت تسألني عن أسمي ، عمري ، مهنتي ،هل أنا
متزوجة او عزباء ، وا .. وا .. وفي منتصف الطريق لإكمال ملء ورقة الدخول للمستشفى بالمعلومات
اللازمة عن المريض ، فجأة سمعنا صوت بكاء وأستنجاد من الغرفة المقابلة لغرفة الممرضة ، وكانت
الفتاة تتوسل أن يأتو بسرعة لأنقاذ أختها التي كانت قد عملت عمليتها ليلة البارحة وهذه اللحظة أختها
قد أغمي عليها ولا تستطيع الحراك ولا التنفس ، سِرتُ خطوتين الى الباب لأتبين ماذا هنالك ، فنظرت
عبر الباب الأخت المرافقة لأختها تبكي وتستنجد لأنها لا تعرف ماذا تفعل في مثل هذه الحالة ، توجهت
بسرعة الى الممرضة التي كانت منشغلة بورقتي ولا زالت جالسة في كرسيها ولم يهزها الموقف وقلت
لها ، " رجاءً أسرعي فهذه الفتاة تبكي أختها التي فقدت وعيها وتحتاج الأسعاف " .
- ردت علي الممرضة بعصبية وبأسلوب خشن ودفعت الورقة التي كانت تملأها لي " ماذا تريدينني أن
أفعل ، أن أملأ ورقتك أم أذهب إليها ؟؟ أنا لازم أكمل ملء المعلومات " .
- أحسست حينها بنوع من الألم الفضيع والأسف لهذه الثقافة الناقصة،وأجبتها " أنا لست مهتمة لورقتي
الآن ، فحياة هذه الفتاة مليون مرة أهم من ورقتي ، ورقتي لو تأخرت بضع دقائق لن يحصل لي أمر سيئ
ولكن قد يحصل ما هو سيئ لحياة هذه الفتاة المسكينة ، وفي حينها أحسست لو أنني عملت العملية وحدث
لي نفس الأمر وأهملني القائم والمسؤول عن الأهتمام بالمرضى ، فماذا قد يحدث ؟؟؟؟
يا لهول الأمر ، فالتدريب لممارسة العمل والتضحية في سبيل خدمة الناس على أنه واجب إنساني علينا
ان نفعله باحترام ومحبة لأي إنسان يحتاجه ، وبهذا نكون قد خطونا خطوات الى مستقبل باهر من التقدم
والوعي الذي هو الطريق الى الرقي ، لأن الإنسانية هي مفتاح أبواب الحضارة الراقية والتي تحتاجها
البشرية جمعاء .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير