الظاهرة السارترية ح2

عباس علي العلي
2021 / 10 / 19

شكل مفهوم الحرية محور أساسي في فكر سارتر وعلامة مميزة في رؤيته لعلاقة الوجود بالحرية، الكثير يخطئون بقراءة سارتر للحرية من جهة ودور الميتافيزيقا بها، فهولا يرى في الأخيرة قامع للحرية كونها لا تؤمن بها ولكن لا يرى في الميتافيزيقيا دور في صنع الحرية لأنها أساسا لا تطرح الإشكالية من خارج الواقع الإنساني، فالإنسان هو الذي قسم المعرفة على أنها أما معرفة وجودية محضة أو ميتا وجود، وبالتالي صنف المعرفة على أساس ما يجيب أو لا يجيب، فالحرية واحدة من السؤلات التي طرحها منذ البد مع الوجود لذاته لأنه شرطها إذا كنا نريد السمو، ومتى ما قيدت فيقل ويضعف وربما يتلاشى نشاط السمو، أما نتيجة الإستغلال أو الأستعباد، وكلاهما موقف من الحرية وكلاهما أيضا يصنعان نسخه من الوجود لذاته لكنهما نسخ مزيفة لا تعبر عن الجوهر الحقيقي اللازم، لأنهما خضعا بالقهرية للواقع وقيدا حركة الوجود خلافا للأصل الطبيعي.
كانت فكرته الذي ناضل من أجلها كثيرا وضمنها في ما كتب وفي أعمال مختلفة أشار سارتر إلى بكاء المستغلين والمضطهدين، رفع فيها شعار “نحن أيضا بشر” كمثال على نضالهم من أجل حريتهم، لقد قامت وجودية سارتر الإنسانية على نقد “أنظمة” الرأسماليين والمستعمرين. المستغلة والمضطهدة للإنسان وخاصة أولئك المناضلين والرازحين تحت نير الأستعمار أو الذين تحكمهم أنظمة قاهرة لشعوبها، وقد كتب في ذلك “الدناءة في النظام” الذي كان له صداه مع حركات التحرير سابقا وحاضرا، لكن فهمه الوجودي المناسب لهذه العبارة واحترام الأولوية الأخلاقية للممارسات الحرة، فحينما يتحدث عن أي نظام يتكئ على نجاح الأفراد المسؤولين وحدهم أو ربما في مجتمعنا الكلي، ممن يمكن أو يجب أن تسند لهم المهمة الأخلاقية، يمكن توظيف ذلك ليكون درسه للأنطولوجيا وأخلاقيات العلاقات العرقية في القرن الواحد والعشرين، و وصلت دعوته للعنف التحرري كشكل مضاد للعنف المتأصل في الاستعمار في الجزائر مثلا إلى حد المغالاة في مقاله التمهيدي لفرانس فانون “بائس من الأرض” (1961).
هذه الأخلاقية التي سببت له بعض النفور وأحيانا هجمة من اليمين وحتى من بعض القوميون المتأصلون الذين يرون في الأستعمار الفرنسي وغيره ضرورة لوجود فرنسا دولة قوية، لم تمنعه بسبب ميوله اليسارية الأشتراكية بشكل ما أن تكون موضوعا رئيسا للعديد من أعماله حول الاستعمار والاستعمار الجديد لاحقا، بالإضافة إلى أنها شكلت موضوع مسرحيته “عاهرة محترمة” (1946) التي فضح فيها الواقع النفسي للمستعمر عندما انفجر سارتر ضد عنف المستعمر و”المبرر” الضمني لذلك، موجّها نداء ضد انعدام السياسة الإنسانية ضد السكان الأصليين، فكان حديثه المثمر مع الأخلاق الحديثة، الجماليات، والسياسة، دون التمحور حول الأخلاقية، الجمالية، والتعصب للوجود المزيف وجود المستعمر الذي يمارس الأضطهاد والأستغلال بمبرر غير أخلاقي ذاتي ينبع من شعور بالقوة.
فالهوية الإنسانية عند سارتر ومعظم الوجوديون لا تتشكل من كون الإنسان إنسان فقط بالتكوين، ولكنها تتجلى من خلال الفعل السامي الذي يرتكز على الحرية الفردية بمعنى حرية الإنسان كفرد وليس فرد متعالي على الأخر، لذا رفض الأستعمار والأضطهاد والأستغلال لأن هذه العناوين تصادر الحرية الفردية وتصادر الطريق الضروري لبلوغ الجوهر الحقيقي، هذا الموقف كان سلاح سارتر في مواجهة من ينسبون العدمية له، فهو يرى أنها أي موقفه من الحياة الإنسانية موقف تفاؤلي لأنها في صميمها فلسفة تضع الإنسان مواجها لذاته، أي في حرية خياراته السامية التي تنبع من كونه حرًا يختار لنفسه ما يشاء، وهذا أمر مزعج لا يعجب الناس، فهو يرى أن للبشر هوية أولية ولكنهم يتجاوزونها لمجرد أنهم بلوروا وعيهم بأنفسهم وأنطلقوا في تجربة هذا الوعي، فنحن نُعرّف بأفكارنا ومشاعرنا وقيمنا، ونُعرّف بظروفنا و مجمل تجربتنا من خلال معرفتنا أننا ذوات واعية ومع ذلك.
وبالتالي سنكون على مسافة عنها، لدينا أسئلة ومعضلات ولحظات من القلق الوجودي والأخلاقي التي تجعلنا ندرك نقصنا وقصورنا وهذا ما يدفعنا دوما لتجديد الوعي ولتجديد خط السمو عندنا، نعم هناك نقص جوهري داخل الحاضر يشل أفكارنا وأفعالنا نتيجة تمسكنا بالمبررات الزائفة وخضوعنا لمؤثرات كابحة تتمثل في ضرورة أن نبحث عنها في الميتافيزيقيا، لا شيء يمكن أن يحدد لنا تمامًا معنى العالم أو اتجاه حياتنا ومع ذلك، نحن قادرون على تجاوز كل ما نحن عليه وتصور المستقبل الذي سيمنح معنى للحاضر إذا هو الجانب المشرق الذي يجب أن نتمسك به "أننا ومع ذلك قادرون لأننا نملك الوعي ونجدده" من خلال الفعل الحر، من أجل غاية غير موجودة بعد لكننا نعمل لنصل إليها في لحظة ما لحظة أنتصار حقيقتنا الجوهرية، نوجه أنفسنا إلى هذا الهدف ونجعله حقيقيًا بالنسبة لنا بشرط أن نعي في كل مرحلة أن وعينا مساير لوجودنا لذاته. بهذه الطريقة نفهم العالم ونعطي معنى لحياتنا من خلال التزاماتنا النشطة.
فالإنسان عند سارتر ليس هوية حاضرة تتخذ من الوجود بذاته مصدر ولا هو هدف مستقبلي غير ملموس فهو بالأول والأخر مفهوم مختلط ومتفاعل ومتشابك بين هوية فطرية وبين سمو مستقبلي يدخل الوعي هنا عامل رابط وعامل موجه نحو غايات وجودية تبدأ وتنتهي بالحرية، هنا تتضمن الشخصية بالضرورة كل الحقائق التي تحددنا وتحدد الحركة وراء هذه الحقائق إلى ما نسعى إلى أن نصبح عليه، فهي تنطوي على مزدوج حقيقي ثنائية الجوهر والوجود وحيازة الذات والتجرّد منها، والإستبطان والنشوة، الحاضر والمستقبل، الحقيقي والمثالي، الدلالي والشرطي، أنها تنطوي فقط على ما هو حقيقي، وما يمكن أن يكون حقيقيا في الفهم والواقع المجرد، نحن نشكل هويتنا الشخصية من خلال قبول من نحن وحرية التحرك وراء هذا الـ "نحن".

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي