الفرز الطبقي يقوي الوحدة الوطنية

المنصور جعفر
2021 / 10 / 18

يتناول هذا التأثيل خطاب "اليسار" ذوالمحور الطبقي وطبيعته الإستراتيجية وخطاب "السودانوية" ومحوره الإثنوثقافي وطبيعته التاكتيكية كإحتلاف كبير بين هذين الخطابين الرئيسين المتداخلين ضد العنصرية وضد الأفكار الليبرالية (أي الأفكار المرتبطة بحرية التملك والنشاط التجاري) سواء في معسكر الأحزاب الرجعية الإسلامية أو في معسكر الأحزاب الحداثوية، كما يتناول هذا التأثيل والتمحيص بعض ما يواشج الخطابين من وعي زىف عن "الوطنية" وعن "الديموقراطية الليبرالية".

إوضاح الفرق بين المحور الرباعي العناصر لإستراتيجية "الثورة الوطنية الديموقراطية" (= السياسي الإقتصادي الإجتماعي الثقافي) والمحور الإثنوثقافي لتكتيك "السودانوية" وبعض تفاعلاتهما، يسهم في تدعيم نضال كل منهما لنضال الآخر تدعيماً إنتقادياً يبعدهما عن سلبيات الواحدية وعن سلبية التبعية لبعضهما، وعن صراعات التحزب الضيق أو التحالف الفضفاض المترهل، وعن زيف الصيغ الليبرالية الزاعمة حل الأزمات الكبرى دون تغيير النظم والعلاقات الطبقية التي أدت إليها.




1 - الإستراتيجية والتاكتيك:

(أ) في القراءة بنظارة الثورة العالمية ضد مختلف أشكال الإستعمار والتبعية تعد إستراتيجية "الثورة الوطنية الديموقراطية" في السودان وتكامل عناصرها السياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية تاكتيكاً وطنياً ضد نفوذ ونموء الإستغلال والتهميش الطبقي العالمي وضد تعزيز عنصريات السيادة والتبعية في العالم وفي مجال الحكم وتوزيع الموارد داخل السودان. وأياً كانت نبالة أهداف الثورة الوطنية الديموقراطية فإنها لم تزل تناضل ضد أطماع أو تقصيرات البرجوازية الصغيرة وتأثيرات النخب والأفكار القديمة.


(ب) داخل نخب بعض المجتمعات المهمشة في السودان يمثل تاكتيك "السودانوية" إستراتيجية تحرر لمجتمعاتهم وإنعتاقهم أو إنعتاق النخب من نير العنصرية العروبية الشكل في توزيع الموارد، تحرراً مرتبطاً بهدف تحقيق المساواة الإثنوثقافية بين السودانيين سواء كأفراد أو كجماعات أو بين مجتمعاتهم الإقليمية أحياناً أو الإثنية أحياناً. وهي حرية تمثل برأي منظري "السودانوية" أساساً للوحدة الشعبية والتقدم الوطني، مهمشين أو مؤجلين لسبب ما دور التغيير الطبقي في تغيير آليات الإقتصاد.


(ج) السبب في نسبة خطاب الثورة الوطنية الديموقراطية لمجال "الإستراتيجية" مرتبط بتكامل نظرية الفعل الثوري وعناصرها وأهدافها ووسائلها وحركتها في سياق عملية كبرى للتغيير الجذري العميق والشامل. أما السبب في نسبة خطاب السودانية لمجال "التاكتيك" فبحكم إقرار زاعميه وداعميه وتواضعهم بإن أفكارهم والنشاطات المرتبطة بها رد فعل جديد [براغماتي] مختلف بطبيعته الإنتقادية الثقافية والعملية واللاحزبية عن صيغ الآيديولوجيات والمشروعات السياسية الفاشلة أو الجاهزة وقد يضادها في بعض الحالات.





2 - المشترك والمختلف:

(أ) المشترك الموجب والمشترك السلب في المجال النظري:
يشترك الخطابان خطاب "السودانوية" وخطاب "الثورة الوطنية الديموقراطية" في النضال ضد العنصرية وأسبابها أكثر من إشتراكهما المباشر في إعتبار التملك التجاري وتوليدها التفاوت الطبقي والإقليمي أساساً للعنصرية. لكن بشكل عام كثيراً ما يعاب على خطاب الثورة الوطنية إنضباطه الفكري في سياق ثقافة علمية مختلفة عن كلام أو مصالح نخب المدن التجارية والعسكرية والحزبية والدينية والإعلامية وتوابعهم وعن كلام ومصالح شيوخ المجتمعات المحلية في الريف. وكثيراً ما يعاب على خطاب "السودانوية" إنه إشكالي الأسس والوسائل والدولة مهدد للفكرة السائدة عند نخب المدن عن الوحدة الوطنية ونجاح الدول، ورافض لسيطرة نخب عشائر الريف وأساليب الجودية والقلد في تعامل زعماء العشائر مع النزاعات القبيلية و أساليب التسول أو الفساد السياسي في تعامل زعماء العشائر مع الحكومات المركزية.


(ب) المشترك السلبي في المجال العملي:
الحقيقة إن السياسة الحديثة كالسياسة القديمة في أمور الإختلافات والنزاعات، ففي كل جماعة وفي كل خطاب كبير توجد تنوعات مصالح وصراعات فئوية وطبقية يصل بعضها مرحلة النزاعات والتصفيات العنفية الدموية. حدث ذلك في مرحلة الأديان الفلسفية عند كهنة آمون وآتون، وعند الفيثاغورسيين، وعند الرومان، وفي مرحلة الأديان السماوية بين اليهود وبين الهندوس والبوديين وفي الحروب المسيحية وكذلك في مجتمعات الإسلام، أيضاً سالت دماء السياسة في مرحلة الثقافة العقلانية، وفي مرحلة السياسات المنتسبة للأنوار العلمية والفلسفة الحقوقية والعلوم الإجتماعية، لم توجد جماعة مؤثرة خلت من الإنقسامات أو حتى من الصراعات الدموية.

كذلك وجدت الإنقسامات في جماعات وخطابات السياسة في السودان منذ أقدم العصور إلى الفترة الحديثة ومنها ما شاب خطاب "السودانوية" حيث له أشكال نظرية مختلفة منها اثنان بإسم "التحليل الثقافي" وأكثر من خمسة أشكال باسم "السودان الجديد" ومع الاثنين عشرات الرؤى والحركات المسلحة والتصريحات وحالات التحالف أو التخالف مع حكومات السودان المركزية، و مع أو ضد قوى أخرى تزعم أختلافاً في حل قضايا الهامش أو حول ظروف أو توقيت تنفيذ "حق تقرير المصير". كذلك خطاب "الثورة الوطنية الديموقراطية" له تصورات تاريخية أو مستقبلية مختلفة في أحزاب اليسار بل في داخل كل حزب يساري.

عملاً تأخذ بعض تدهورات السياسة اليمينية شكل الحرب القبيلية أو الإنقلابات العسكرية التي تسفك الدماء في بعض مناطق السودان تمثل جزء من الشكل الدموي للصراع السياسي داخل القوى التقدمية في المعارك الطاحنة بين فرق الحركة الشعبية لتحرير السودان (مستمرة منذ الثمانينيات إلى أكتوبر 2021 ) ثم بين بعض فصائل فرق حركات التحرير في دارفور حيث تتفوق المؤججات الحياتية على المرجعية النظرية البسيطة. وقد بلغت مأساة التصفيات الدموية في كثير من الدول وحتى في داخل السودان عام 1971 عندما قام جزء من (((التقدميين الثوريين))) بإقصاء ثم إعدام أقوى معارضيه الشيوعيين.




3- إختلاف تصورات "الوطنية":

في المجال السياسي يرتبط الخطابان الثوري الديمقراطي والسودانوي بموضوع الشموخ الوطني ومحاربة الإستعمار والنفوذ الأجنبي. في مجال الإعلام يتنوع موضوع الوطنية وتسود فيه إتهامات شتى ضد دول شتى بالتدخل في الشؤون الداخلية للسودان، وكثيرا ما تنشر بعض الآراء الكراهية ضد الدول العربية بإسم (((الوطنية))) أو بزعم النقاء والصلاح الإفريقي! ولا يشرح هذا النوع من الآراء الهيكل الداخلي لهذه "الوطنية" وحالتها الواقعية التي تجعلها مع حرية التملك والنشاط التجاري والعولمة مجالاً للنفوذ الأجنبي وممارسة الإستبداد والإستعمار الداخلي، حتى إن المحافظة العفوية عليها تغدو نوعاً من المحافظة على عوامل هدم ذاتي لأسس البناء الوطني، أكثر من كونها محافظة على حالة شموخ وطني. كما لا يستطيع الرأي الإفريقي كشف أي نموذج للنقاء أو للصلاح السياسي الأفريقي.

إبان الصراع بين الوطنية المحمية بالديموقراطية والوطنية غير النافرة من العولمة أو من العنصرية أو من العشائرية، ظهرت آراء "السودانوية" التي تضاد (((أدلجة الثقافة))) العربية الإسلامية واستغلالها في فرض استبداد مثلث طبقي وسياسي وعنصري.

بهذا الرأي ضد عنصرية الأدلجة العربية للإسلام أو الأدلجة الإسلامية للعروبة أو أدلجة النخب البرجوازية لهما تبلورت ثلاثة تصورات لإصطلاح ووجود "الوطنية" الأول ذو الثورة الوطنية الديموقراطية مضاد لكل أشكال الإستعمار والإستغلال الخارجي والداخلي لموارد وشعب السودان، والثاني عفوي ليبرالي لايعاف سيطرة الخواجات أو العنصرية أو القبائل والثالث مضاد لأدلجة الثقافة العربية الإسلامية.




4 - خطر طبيعة النخب على وجود الوطنية:

خارج آيديولوجيا اليسار تربط الأفكار الليبرالية ذات الوطنية العامة وذات "السودانوية" المسألة الوطنية بوسائل وأهداف نخبوية مضادة لوحدة التنمية المتوازنة والديموقراطية الشعبية المتكاملة، وبفعل ممارسة النخب والمصالح الشخصية لأفرادها ينشأ خطر مستقبلي من التصورين العفوي والسودانوي على المساحة الحاضرة لوجود السودان، وخطر في الحاضر على تحقق فكرة "السودان الجديد" مستقبلاً.

غالباً ما يظهرالاعتداد الوطني العفوي الرافض لـ (((التدخل))) في الشؤون الداخلية مزامناً المشاورات الرئاسية والمخابراتية السودانية مع مصر وشغلها استقرار نخب/حكم السودان، بدون هجوم ضد أي مكون سوداني، عدا النشاط ضد الشيوعية في إطار الحرب الباردة، بل مكافحة التغلغل البريطاني والأخطار المرتبطة بالدول الجيران أو بمسائل في الأمم المتحدة والدول العربية. ذلك إن هدم التماسك النسبي في السودان وتحويله لحالة حرب أهلية آخر ما تريده نخبة مصر. والواقع إن النخبة المصرية ليس لها تصور إستراتيجي لموضوع السودان أو أي موضوع عربي بل رزق اليوم باليوم.




5- تغير الإصطلاح:

إختلف إرتباط أفكار"السودانوية" بالقيم الليبرالية الثلاثة: "الحرية" و"المساواة" و"الإخاء" وصارت مراوغة نخبوية تستعمل أحياناً كأداة لتحقيق محاصصة إقليمية أو لشرعنة محاصصة إثنوسياسية، أو لتدعيم رؤية شخصية. صارت "السودانوية" آيديولوجيا ناعمة تبرر بقاء الإستغلال الطبقي مرة بزعم "تحقيق الديموقراطية أولاً" و(((إكتمال نضجها))) ومرة بزعم "تحقيق المساواة الإثنوثقافية أولاً" !! وهو تحقيق مفتوح أوله الكلام عن العدالة الثقافية والسياسية المضادة للعنصرية العروبية لكن دون تلازم مع تغيير النظام الطبقي !




6 - تجريب المجرب لن يكون نظاما جديداً:

يرتبط هدف "السودانوية" الرئيس في محاربة العنصرية العروبية بتكريس تغيرين مهمين في شكل رئاسة الحكم انتظمت نضالاتهم كل كتابات وحركات "السودانوية" مرة في سياق مشروعات رئاسة عسكرية للسودان ومرة في سياق رئاسة حزبية لنفس السودان! وهذا التآلف مع الشكل العسكري أو مع الشكل الحزبي لرئاسة الدولة يناقض المضمون المثالي الاصطلاح السودانية واتجاه إلى تكوين "السودان الجديد" الخالي من المظالم الإقليمية والطبقية.




7- التفريق المؤدي إلى الفشل:

الرئاستان، الحزبية أو العسكرية تؤجل مشاريعهما النمطية ضرورة البداية "التغيير الطبقي" لأمور الحكم والموارد، مرة تؤجله بحجة في مجال الاقتصاد تزعم أنتظار (((إكتمال))) أو (((نضوج))) الرأسمالية ! أو بحجة إنجاز التنمية أولاً !، ومرة تؤجله بحجة في مجال السياسة خلاصتها ضرورة تحقيق ثم انتظار (((نضوج))) الديموقراطية [ الليبرالية] !!


في الحالتين المؤجلتين للتغيير المتكامل يقل كلام السودانوية عن ضرورة تلازم التغييرين معاً في مشروع وطني ديموقراطي واحد للتغيير المتكامل كالذي يطرحه الحزب الشيوعي السوداني بحكم أنهما تغييران ضروريان لبعضهما ولا يمكن منطقاً بناء واحد منهما دون الآخر ولهذا الترابط المنطقي قام مشروع الثورة الوطنية الديموقراطية بجمع التغييرين معاً. التنمية المتوازنة والديموقراطية المتكاملة، ووحدهما معاً بمنظومة تغيير شعبي واحد يخفض أسس التفاوت الطبقي والإقليمي وما ينتجه من ظلم وعنصرية وتكالب وتخلف وتبعية.


مثل كل الصيغ السياسية صار إصطلاح "السودانوية" مجالاَ لتلاعب نخب البرجوازية الصغيرة خاصة في المركز وبداية لتفتيت جزء من كفاح الشعب السوداني ضد الاستغلال الطبقي وضد حقيقة ترابط نظم التهميش الداخلي والتهميش العالمي ومطية نفوذ أجنبي في أي دولة من دول المنطقة مضاد لوحدة عملية التغيير ذات الديموقراطية المتكاملة والتنمية المتوازنة.




8- المخرج:
يحتاج تحقيق أي تغيير وطني ديموقراطي متكامل إلى إلغاء أسس التفاوت الطبقي والإقليمي المولد لأكبر المظالم والعنصريات، أي يحتاج إلى إلغاء حالة الجشع والتكالب التجاري على أكبر موارد المعيشة والتنمية. فحالة الجشع وشروره حالة مرتبطة بسياسة وثقافة وقوانين حرية التجارة وممارسة المضاربات والإحتكارات التجارية التي تلغي بحريتها مشروع حرية الشعب والطبقة الكادحة بمختلف فئاتها وثقافاتها وتعطل إنعتاقهم ومعيشتهم من الاستغلال والتهميش بل تديم حالة الإستعمار الداخلي وحالة إدمان التسول الخارجي لديون مسمومة الشروط تكرر بدورها حالة الإستعمار الداخلي وتعيد إنتاج التخلف وتكرار الديون .




الخلاصة:
الخلاصة الظاهرة في موضوع الشموخ الوطني من معرفة طبيعة الفرق في تصور طبيعة "الوطنية" ومحاور تقويتها بين خطاب "الثورة الوطنية الديموقراطية" وخطاب "السودانوية" هي ضرورة إلغاء مضاربات واحتكارات التجارة وفق خطة تنمية متكاملة ذات قطاعات تعاونية حكومية وخاصة وحكم محلي ولامركزي يؤسس إنجاز التغيير المتكامل ينظمه برلمان غالبية تمثيله للفئات الكادحة ومجتمعات العمل العام والباقي القليل للأحزاب مع تمثيل مستقل الأقاليم..

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا