غلبت أصالح في روحي

منير المجيد
2021 / 10 / 17

الذي كان يدور بين الثنائي أحمد رامي وأمّ كلثوم في الخفاء، لن نقترب من تفاصيله مُطلقاً.
هناك إستنتاجات قد تكون صحيحة، أو نصف صحيحة أو حتّى غير صحيحة أيضاً. الذي نحن متأكدون منه هو الحب الكبير الذي كان أحمد رامي يحمله للسيّدة.
ومعروف أن القصبجي كان ينافس رامي على كسب ودّ أمّ كلثوم، رغم الصداقة القوية التي ربطتهما. لكن هل كان هناك آخرون؟ بالتأكيد. فالملحن أحمد صبري النجريدي (الذي لحنّ لها الخلاعة والدلاعة مذهبي) كان أول رجل تحبّة الآنسة الشابّة، وعندما طلب يدها رفض والدها، مما جعله يبتعد عنها. أما الذي تزوّجته فهو صديق والدها الشيخ عبد الرحيم على نحو صوري لأنها دُعيت لإحياء حفلات في العراق، والقانون العراقي حينذاك كان يمنع المٌغنيات العازبات من السفر. إنتهى مفعول الزواج بعد عودتها إلى مصر مُباشرة.
ثمّ هناك شريف صبري باشا شقيق الملكة نازلي زوجة الملك فؤاد الأول ووالدة آخر ملوك مصر فاروق. تزوّجته لبضعة أسابيع في منتصف الأربعينات ثمّ طلبت الطلاق لأنّه أبقى على زوجته الأولى.
يُقال أيضاً، دون أن أستطيع توثيق الخبر، أنّها تزوّجت شكلياً من الصحافي مصطفى أمين لمدّة إحدى عشر عاماً.
المُؤكّد هو زواجها المُفاجئ من الدكتور حسن الحفناوي (كانت تكبره بسبعة عشر عاماً) في منتصف الخمسينات.
فهل إعلان مثل هذا الزواج كان مُجرّد قطع طريق على القصبجي ورامي اللذين لم يخمد حبّهما المُتّقد لحظة واحدة وأرادت أن يكفّا عنها، أم أنّها أرادت أن تكمّ أفواه الشائعات التي تناقلها الناس حول مثليتها؟ هذا السؤال لن نجد له جواباً كما يبدو.
لستُ في مجال الكتابة عن قصص الزواج والشائعات، بل أردتُ التمهيد لدور أحمد رامي الكبير في مسيرة أمّ كلثوم، وصعود نجم أحمد السنباطي، الذي بقي على الجانب الآخر من حياة السيدّة الخاصة. كان يُراقب ويدرس ويضع ألحانه ليعكس الحالة الدرامية في علاقات الحب والتخاصم والتفاهم.

أعتقد أن أغنية «غلبت أصالح في روحي» كانت بداية التعاون المُثمر بين السيّدة والسنباطي، وأسفر عن توليّه تلحين مُعظم أغانيها في الخمسينات، وبداية تعزيز مركزه في وضع الألحان الطويلة الزاخرة بالعواطف الإنسانية والغوص في إصالة الموسيقى الشرقية. رغم إنتقاد الخبراء الشديد للأغنية، التي لم تكن أكثر من مُحاكاة لقمّة إبداع القصبجي في «رقّ الحبيب».
وكما في معظم قصائد أحمد رامي، فإن لغلبت أصالح قصّة أيضاً.
نتيجة العديد من الخلافات بينهما، والتي كانت تؤدّي إلى إنقطاع تامّ لفترات بين القطبين، كتب رامي عام ١٩٤٦ (بعد عامين من نجاح رقّ الحبيب الأسطوري)، شارحاً لوعته وشقاه، وأرسل النص لأمّ كلثوم، التي كلّفت السنباطي بتلحينه.
لم يكن السنباطي واثقاً من قلب معادلة رقّ الحبيب، فكان يتردّد كثيراً على السيّدة حاملاً عوده، حالما يُلحّن مقطعاً، ليناقشها ويحصل على موافقتها.
وكما في رقّ الحبيب فقد إتبّع مقام النهاوند، وسالكاً، أحياناً بقوّة وأحياناً بتردّد، طراز الموسيقى الطربية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد روّادها مثل عبدو الحامولي وسيّد درويش ومحمدّ عثمان.
ونظراً لثقافة السنباطي الموسيقية الرفيعة، فقد نجح في التوفيق بين المدرسة القديمة والجمال المتقن وحداثة التركيب، علاوة على فهمه الكامل لصوت أمّ كلثوم، الذي كان، رغم سنّها القريب من الخمسين، مازال قويّاً خارقاً، حادّاً دون أن يفقد عنصر الطرب، ميّزتها وفرادتها.

لكن، ما هي المقامات التي يكثر الحديث عنها في إستعراض أغاني السيّدة؟
درجات المقامات هي السلّم الموسيقي (دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي، دو) المؤلّف من سبعة أصوات، والثامن مُكرّر من الأول (جواب). والمعروف أن هناك سلم شرقي (راست) وسلم غربي (دو ماجور) وتوجد سلالم أخرى في الموسيقى الشرقية والغربية بطبيعة الحال.
مقام عائلة النهاوند هو الذي يهمّنا اليوم، وهو يتميّز بصلاحيته لكل أشكال التأليف الموسيقي، ويرتكز بجنسيه: النهاوند والكُرد على نغمة الراست أو الدو على الشكل التالي دو، ري، مي، فا (جنس نهاوند) و: صول، لا، سي، دو (جنس الكُرد) والذي يبدأ على درجة صول (النوا) التي هي النغمة الخامسة في الراست.
أمّا المقامات التي تُشكّل عائلة النهاوند فهي تتألف، علاوة على تفرّعاتها، من: النهاوند الكردي، النهاوند الحجازي، النهاوند الكبير، النهاوند المرصّع، طرز جديد، العشّاق، النكريز والنو أثر (المعلومات عن المقامات هذه قام الصديق البروفسور محمد عزيز زازا مشكوراً بتنقيحها).

تروي الممثّلة مديحة يسري، التي جمعتها صداقة وثيقة مع أحمد رامي، عن كيف وصف الشاعر وقائع حفل إطلاق أغنية غلبت أصالح. وصحة الرواية والتفاصيل تبقى، بطبيعة الحال، على ذمّة الراوية: لم يذهب رامي إلى البروڤات، كما جرت العادة، بل جلس في مقعده المعروف رقم ثمانية في الصف الأول في مسرح الأزبكية، وبعد إنتهاء الحفل لم يذهب (كعادته أيضاً) لإلقاء التحية على الست، فهما متخاصمان. لكنه فوجئ أنّها طلبت منه أن يحضر. هناك تقدم لمصافحتها، لكنّها انحنت وقبّلت يده مُبدية أسفها ممّا حصل من خصام، وما نتج عنه، رغم ذلك، من كلمات بديعة، فأجهش الرجل في البكاء.

وعلى نحو متوازٍ، صادف إطلاق الأغنية قيام دولة إسرائيل في نفس العام، والحرب العربية-الإسرائيلية الأولى.
وقد تعرّض نحو أربعة آلاف ضابط وجندي مصري في الفالوجا الفلسطينية للحصار. ويُقال أن قائد القوّات المُحاصرة طلب، في مكالمة مع القيادة العسكرية أن تغنّي أمّ كلثوم غلبت أصالح في حفلها الشهري.
وهذا ما حصل. وحينما أنهت الأغنية المطلوبة غنّت «أنا في إنتظارك»، لرفع معنويات الجنود.
بعد إنتهاء الحصار إستقبلت السيّدة رهطاً منهم في منزلها.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا