مسك الختام

عباس علي العلي
2021 / 10 / 17

في رحلة العقل لا يتعامل مع المفردات على أنها مفردات متباعدة، بل لا بد لها من رابط يربطها مع بعض، قد يكون هذا الرابط غير منظور بالمباشر وهذا لا يهم، لكن العقل الذي يقرأ ما وراء القراءة سرعان ما يكتشف أنه في خضم تشكيلة متنوعة من العلائق التي تقدم بالنتيجة فكرة واحدة أو عدة أفكار في مستويات متنوعة كلها تصب في بناء وحدة موضوعية تجمع الكتابة، تماما مثل لعبة كرة القدم عهناك أكثر من وصف لللاعب فهذا هداف وهذا مدافع وذاك حارس مرمى في وسط الملعب مع الحكام، وفي خارجها وقبلها هناك مدرب ومساعد ومدير مالي وإداري ومعالج ومستثمر ومشجع، في النهاية هم من يعطي للعبة قيمتها ومعناها، هذا الكتاب متنوع في عدة أتجاهات بحثية ومعرفية منها ما هو داخل عنوان واحد ومنها في عنوان أخر لكنه في النهاية يمثل فكرة تتمحور حول محنة العقل ومحنة الدين والخلاصة هي محنة الإنسان في الوجود.
كان هدفي من هذا المجهود أن أقدم مادة فكرية ومعرفية تحتك بالعقل وتشرخ له نسق معتاد على تنميط واحد يقدم كقالب متناسق يفهم من أول كلمة إلى أخر كلمة بذات الطريقة، هذا الأمر جيد ولكن ليس مناسبا في كل الأحيان، القارئ عموما ليس واحدا ولا يمكن أن نصنف القراء وفقا لميولهم في القراءة ولا حتى الكتاب، هناك نخصص نعم وهناك حرفية مهنية نعم ولكن أيضا هناك من يبحث عن أشياء متعددة في مكان واحد، تماما مثلما يدخل أحدنا إلى السوق يبحث عما يحتاج ولكن لا يشتري كل المعروض أو فقط ما يقدمه كل بائع، حرية الكتابة هي قرين لحرية القراءة ويبقى الفكر يعرض بضاعته لمن يرغب.
حينما نتكلم عن محنة العقل نتكلم عن إشكالية الإنسان الأزلية مع الوجود، فبالرغم من أن الإنسان شارك كل الكائنات في هذا الوجود وشاركها أيضا في إشكاليات البقاء والأستمرار، إلا أنه كان الأكثر معاناة من الجميع، إنه يحمل العقل المفكر في كل وقت، العقل الذي يجعله دوما في دوامة الإنشغال بكل شيء وبأي شيء، فحسب منطق العقلاء في العقل أنه لا يفترض أن يكون العاقل منشغلا إلا بما هو مهم وما هو ضروري وما هو أصيل، لكنه مع منطقه هذا يبحث في كل الزوايا حتى تلك التي تشكل خطرا وجوديا عليه، نعم هو من فكر وأبتكر الحروب والقتل والكراهية، هو من أباح لعقله أن يكون مفكرا أيضا في تسخير الظلم ضد الأخر، الإنسان هو الذي وضع شرائع تنافي العقل، لكن السؤال هنا لماذا يفكر هكذا؟.
هل كان الإنسان متوافقا مع عقله حينما فعل ما لا يقبله حتى الأقل إدراكا والأقل وعيا وفهما من الكائنات الأخرى؟ لنترك هذا السؤال ونسأل أخر لعله بثير فينا نوعا من الوعي المسئول، متى عرف الإنسان نفسه مفكرا؟ هل كان ذلك منذ تكوينه ووجوده؟ أم أنه أدرك ذلك بعدما أصبح متهما بأنه على غير النموذج المفترض كما يقول سارتر، بما معناه أن أكتشف جوهره الحقيقي لاحقا بعدما تبين أن إنطلاقته كانت منذ الوهلة الأولى خاطئة، يقول أحد ما ولكنه عندما عرف لماذا لم يتراجع ويصلح المسيرة ويلتزم الصواب؟ يجيبه البعض أن الشيطان كان له بالمرصاد، يقول الصحفي الهندي بعد ثمان سنوات من البحث الأستقصائي في وكر الشيطان لم أجد له أثر، ولا أحد رأه أو كلمه، إذا أين هو هذا الشاخص الذي نعلق عليه كل خطايانا؟.
البحث والكتابة عن محنة العقل تجرنا إلى التشكيك بكل شيء حتى في العقل ذاته، يقوا أحد الكتاب جازما أن العقل عندي مجرد وهم أخر من نتاج عبثيتنا وغربتنا عن الواقع، العقل والنفس والشيطان مفاهيم غير موجوده، الموجود هو الإنسان فقط بفوضويته ونظامه وكل ما فيه وما يحتاج وما يتصرف في وجوده، هذه الأقانيم التي نتكلم عنها تبريرات سخيفة لواقع قرأناه من خلال إيماننا أننا في أكمل الصور المثالية، والحقيقة أننا في أدنى درجات الفهم والإدراك، وإلا لماذا نرتكب كل الحماقات ونعرف مسبقا أنها حماقات وخطايا وجرائم؟ ومع كل ذلك نفعلها بقوة وإصرار، إذا أين العقل؟ أين التفكر؟ وأين النفس؟ وما الدليل أن الشيطان هنا هو المدبر وهو الذي يصنع واقعا ملموسا وهو بذاته غير ملموس؟.
إن الذين يذهبون للإجابات السريعة والمتعارف عليها والذين يصدرون أحكاما أعتباطية مستندين بها لما يعرف بالمتراكم المعرفي، غالبا ما يردون بلا فحص للأجوبة الجاهزة، غير واثقين تماما بها فهم يبررون لكن لا يجيبون على الاسئلة بصراحة، كلما أقتربنا من حقيقة السؤال يبتعد عنا الجواب، إلا إذا كنا أصلا متمردون مغامرون لا نبالي بتهديم تلك الأسوار المقدسة التي يحرسها أصحاب العقول الضخمة، مثل بالونات تبدو من بعيد كأنها كتل ثقيلة جدا ولا نلاحظ أنها محلقة في الهواء لأنها خفيفة، لا تحمل وزنا بقدر حجمها، لست مغرورا بما أكتب ولست خارجا عن هذا القطيع، ولكن أحاول أن أهرب كلما سنحت لي الفرصة، حاولت مرارا ومرارا أن أجرب نعمة الهروب، والحقيقة أني مع تعاستي الذاتية أستعيد شيئا من البهجة مع كل محاولة تخرجني من هذا اليم المغرق.
عندما أقول محنة فهي محنة، هل نصدق مدعي العقل أم نصدق مدعي الواقعية؟ هل نؤمن بأن الإنسان أبن تجربته وتجربته بنت الواقع والواقع هو مجموع التجربة مع الضروريات والضروريات هي الأم والوجود بقوانينه هو أب الكل؟ أم نرجع إلى قاعدة أن الإنسان مكتوب له ومغلوب عليه لا يستطيع فعلا ولا ينجح واقعا، ما لم يخضع لقانون كنتم تاريخا مكتوب بخط يد الرب قبل أن يعلن مشروعه، وقبل أن يصبح الطين جسدا سينفخ فيه الروح، أقول محنة عندما نثق أننا يمكن أن نعبر هذا الجدال وهذا الصراخ إلى جنة، أستراحة أبدية فيها كل ما تشتهي الأنفس وتهوى، حتى الذي لا نحلم به، وما علينا إلا أن نقضيها كيف شرقت وأين غربت ومتى كانت وإلى متى تدوم، لا أعرف هل توافقونني أم تعتبروني مجرد صانع هذيان لا ينفع وصوت لا يسمع؟ ربما أنا مختلف بعض الشيء ربما، لكن أعرف أن في داخل الكثيرين نفس الصوت الذي يصرخ بداخلي لكنهم أما لا يجيدون الصراخ أو يخجلون أو لأنهم خائفون أن يستيقظ المارد المحبوس في داخلهم ويحطم جدران المقبولية والمعقولية والواقع، ربما أنا واهم.
هذا الكلام كله ليس دفاعا عن أحد لا عن العقل ولا عن الدين ولا حتى عن تهمة قد تلصق بي يوما ما، قدمت ما عندي وعرفت ما عرفت من تجربتي في الكتابة وفي القراءة، تأكدت أن مجتمع لا يحترم القاري ولا يقدم الكاتب ولا يهتم بالمعرفة هذا مجتمع ليس متخلفا ولا جاهلا، بل هو مجتمع مريض يرزح تحت سياط العبودية وأثارها في داخل روحه، عبودية الوهم وعبودية الضلال والظن وعبودية الأمتحان، مجتمع لا يستطيع أن ينحت كلمع فيضيفها لقاموسه لأن سيبويه لا يقبل بذلك حسب منطقه، وأن الكثير من الشعراء الذين ما زالوا يتلون قصائدهم في سوق المربد قد يستنكرون ما نفعل بلغة أهل الجنة، أي هراء هذا الذي حملناه وتحملناه لأجل أن يرضى حكيم زماننا أن لا يدنس أحد أبواب حكمته فيبدي رأيا مجنونا في حضرته.
لا تقلقوا فالأمر محسوم منذ أن نطق فرعون مصر عبارته التي دونها التأريخ لم ولن ينساها أحد "أريكم ما أرى وأنا ربكم الأعلى"، ما زال ربنا الأعلى يضخ لنا بأراءه ورؤياه وما يرى ما لا نرى فكيف باللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى، أفتمارونه على ما يرى، وكل يوم يلتقيه في غفوة أو سكره... عاش فرعون مهما طغى وهامان وقارون والثلة المثلى التي كلما أقترب أدلوا بدلوهم فكان قاب قوسين وأرقى، أما شديد القوى فقد أنزلناه منزلة أخرى رضي من رضى وخاب من أستغنى فلا رب سوى من أطعم من أغتنى وأشبع من أستعلى، فورب الراقصات الرادحات ما كنت أدري أيهما الكبرى وأيهما الصغرى حتى وجدت روح قلمي في جنة ومأوى.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي