البسطيات والباعة المتجولين في مدينة الديوانية

نبيل عبد الأمير الربيعي
2021 / 10 / 15

كان همّ الأطفال في محلة الجددة بعد النهوض مبكراً ومن ثمّ اللعب في أزقة الجديدة كل من أمام داره، وقد عَرفت أزقة محلة الجديدة بمجموعة من الباعة المتجولين صباحاً ومنهم بائع اللبلبي، وهو الحمص المسلوق بالملح والمصبوغ بالكُركم، وقد عُرف في هذا المجال عبد اللي كذلك وراضي وياسر وفاهم الأدبس، وعرف عبد اللي إضافة لاختصاصه في بيعه الشلغم الحار في فصل الشتاء واللوزينة (الدهين)، وقد كانت عربته مميزة حيث صنعها نجارٍ ماهر على شكل سيارة موديل 1930م ووضع لها إضاءة وسقفية، وهو ينادي بأسلوبه المميز و(حنقبازياته) التي أعتدنا عليها. كذلك عرف في مهنة بيع الشلغم والشوندر سعدي عطية وميري حمود حربي، وفي مجال بيع أكلات الباقلاء عرف كلٍ من جاسم في سوق التجار وموسى عباس الفزع.
ومن الباعة المتجولين الذين يكرر تواجدهم في المحلة باعة الدوندرمة، وقد اشتهر في هذا المجال هادي حلواص وجدوع البديري وكاظم الأطرم، وقد كان هادي حلواص يهتم بصنعته من خلال استخدام القدر النحاسي المبيض والمغلف من الخارج بالخشب الجاوي، وبين القدر النحاسي والخشب يضع الثلج المكسر كي تبرد مادة الدوندرمة، يدفع بضاعته في عربه ذات ثلاث عجلات، ثم تطورت صناعة الدوندرمة واحترفت فأصبحت في محلات وقد اشتهر في هذا المجال في صوب الشامية وكاظم الحمرة والحاج كتاب النجفي والد كاظم وصديقي رياض، ثم الحاج أبو حسن في الصوب الكبير بداية شارع العلاوي، التي بدأوا بصناعتها بوسائل مختلفة، ومنهم من يتجول بدراجته بين الأحياء ليبيع الدوندرمة والأسكمو.
ومن الباعة المتجولين باعة النبگ وزعرور الجبل والجمار والخريط، والأخير قد عرف به العم (صخيل) في دكانه في محلة الجديدة، وقد أشتهر في هذه المهنة گاوي أبو علي الذي اتخذ من جوار كنيس اليهود نهاية السوق الكبير مكان لبيع بضاعته وتوفيق ابو علي في بيع الخريط. والنبگ أنواع كثيرة غير أن الباعة ينادون عليه (خستاوي النبگ)، وكان من يشتري النبگ هم الصبيان، وكان گاوي معروف ببضاعته هذه التي يعرضها في عربة صغيرة ذات ثلاث عجلات صغيرة.
ومن الباعة المتجولين باعة حب الرگي (الحب المگلّى)، المحمس بالصاج، واشتهر في هذه المهنة أبو زهرة وأم زهرة وگناوي، وقد أتخذ المرحوم (الملا) مكاناً لبيع بضاعته مقابل دار الوجيه حمادي شنين في محلة الجديدة، كان يتخذ من مكان سكنه لتحميس الحب الذي يختاره من حب الرگي إذ يملحّهُ بالماء والملح، ثم ينقله إلى عربته لعرضه للزبائن، رحل الملا ولم يتزوج كما عرفنا، وكان صاحب أخلاق حميدة وإنساناً مسالماً وبعيد عن المهاترات والمشاكل، ترك في نفوس أبناء الديوانية ذكراً طيباً لوداعته وسماحته.
كما عرف من ضمن الباعة المتجولين باعة الخسّ والفجل في شتاء الديوانية البارد، يتخذ هؤلاء من الجسر الخشبي (جسر ديلي) مكاناً لبيع بضاعتهم، بعد أن ينظف الخس ورأس الفجل في نهر الديوانية، والخس أنواع أعلاها أبو الطوبة والعراگي، والخس الصغير، أما باعة الفجل فبعضهم يتجول لبيعه بعد العصر، لأن أهل الديوانية يستطيعون أكله مع الطبيخ أو الكباب (العروگ) عند العشاء.
ومن الباعة المتجولين باعة (بيض اللگلگ), حيث كنا نحبه نحنُ الأطفال, فهو نوع من الحلوى التي تصنع من روح السُكر, يضعها البائع في أكياس وتشد على عصى ويحملها على كتفه ليتجول عند بيعها، إذ ينادي البائع لترويج بيع بضاعته (اللگلگ علَّگ وطار وكَّر على بيت المختار).
كانت هناك بعض المهن البسيطة التي يرتزق منها بعض بسطاء الناس من أبناء مدينة الديوانية، ومن هذه المهن بائع (أبو العسل) وبائع (شعر البنات) و(العلاچي)، وكل منهم له طريقته الخاصة في الترويج لبضاعته، أما بائع أبو العسل أو (العسلية) فمنهم من ينادي (عسلية فلسين الوحدة) أي القطعة الواحدة سعرها (فلسان)، أما الآن لم نجد نسمع صوته وهو يجوب الطرقات، غاب اللقلق وغاب معهُ بيضه المصنوع من روح السُكر. كما عرف من الباعة المتجولين باعة الچمار وهو لب الفسائل من النخيل، وكذلك بائعو الخريط وتمر العجم وقد عُرف من مارس هذه المهنة في محلة الجديدة كلٍ من (جابر، صخيل، مهدي، كاظم النائلي، حسن).
كان بائع الفرارات يجوب الطرقات حاملاً فراراته على خشبة في أعلاها تبن أو خوص يقوم بتعليق فراراته عليها، ويتركها تدور في الهواء مثيرة فضول الأطفال الذين يهرعون إلى أمهاتهم لجلب الفلاسين لشراء الفرارة، والتي كانت تصنع من الورق الملون (الآبرو) وعلى شكل سداسي ثم تلصق بشريط لاصق ووضعها في عيدان رفيعة من جريد سعف النخيل، وعند هبوب الرياح يقوم الأطفال بممارسة هواياتهم في الجري كي تدور الفرارة، وخاصة فترة العطلة الصيفية، لأنها لعبة خاصة بالأطفال، ويذكر الشيخ جلال الحنفي من الجدير بالذكر أن الميجر فيلبي والميجر ليجمن الأنكليزيين قد باعا الفرارات قبل الحرب العالمية الأولى بصفتهما من الدراويش المغتربين الإيرانيين مقابل أرغفة الخبز، إن بائع الفرارات كانت لازمته التي يرددها دوماً هي (فرارات شندل مندل فرارات أحمر ازرق أخضر فرارات)، وهذا البائع غاب وغابت فراراته معه، وقد عرف بعض البسطاء في صناعة الفرارات لا اذكر اسماءهم ولكن تميز بينهم فاضل الذي نطلق عليه لقب (قچوم) بسبب عدم تواجد أرنبة أنفه، فقد كان دائماً يضع الكوفية على وجهه ولا ترى إلا عيونه ونعرفه من خلال قامته القصيرة والأعمال الكثيرة التي يقوم بها لبيع الأطفال، كي يحصل على رزقه بعرق الجبين.
ومن باعة الأطعمة المتجولين باعة السمسميَّة، والتي توضع هذه المادة في صينية فافون كبيرة تحمل على الرأس، وهو ينادي عليها (طيبة السمسميَّة)، السمسمية تصنع من السمسم المحمس والسكر على نارٍ هادئة. وقد عُرف بعض باعة الخيار التعروزي أو (العطروزي) في محطة القطار وفي گراج بيت دبَّة وكراج بغداد، إذ يضعونه في أطباق، وتشد كل ثلاثة إلى أربعة من الخيار بخوص من سعف النخيل، وتوضع في صينية وتحمل على الرأس. أما بيع التمر والراشي فقد عرف حنتاوي في هذا المجال.
وهناك من الباعة المتجولين باعة چنابر السكائر والشخاط، إذ تعلق في رقبتهم بواسطة حزام جلدي، ويتجولون في الأسواق والسينمات والمقاهي، وهناك من كان طاعن في السن ومنهم الشباب، وقد عرف أول شاب عصامي في هذه المهنة عندما كان طالباً (م.ح)، الذي عمل فيها فترات العطلة الدراسية، ثم بعد إكماله الدراسة أصبح مديراً لمصرف الرافدين، وعندما أبلغتهُ بأني وثقت ذلك في كتابي (تاريخ الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي) زعل وغضب وتعصب وطلب مني حذف اسمهُ فهو (يستنكف) من ذكره بهذا المجال، وقد أصبح أحد وجهاء المدينة، وتُقام في داره مجالس التعزية الحسينية، وقد أصبح مديراً لأحد مصارف المدينة، كما فاز مؤخراً أحد أبناء عمومته في مجلس النواب العراقي.
وقد اشتهر فترة الستينات والسبعينات باعة متجولين لبيع الصابون الرگي، حيث يحمل مجموعة من أنواع الصابون في زنبيل مصنوع من خوص النخيل، ويحمل على أكتافهم، كما يضعون عدداً من قوالب الصابون في عبّهم ويحملون بأيديهم بعض هذه القوالب لغرض عرضها على الزبائن، أو طرق أبوب دور محلة الجديدة، بعضهم يزورون البيوت المعروفة لغرض عرض بضاعتهم وبيعها وقد عرف في هذه المهنة فترة الستينات عندما كان شاباً غسان حسن الخزرجي, لكن هذه المهنة تركها عندما أكمل دراسته، كانَّ أغلب الباعة ينادون لترويج بضاعتهم بألفاظ منها (صابون أبو الهيل) وغير ذلك من الألفاظ.
هناك مهنة انقرضت بعد عام 2003م وهي باعة النفط الأبيض إذ حلَّ محلهم سيارات نقل النفط، كان سابقاً ينقل بأحواض حديدية على عربة يجرها حمار أو حصان، كان النفط يباع على أساس حجم صفيحة دهن الراعي ذات 15 لتراً، فيصب في الصفيحة من خلال الحنفية لينسكب النفط منها وينقل إلى خزان البيت، كانوا يتجولون في الأزقة والأحياء لبيع هذه المادة.
كما كانت مهنة البائع المتجول فترة الخمسينات والستينات لبيع الملح، كان في مدينة الديوانية يباع من قبل بعض أبناء البدو ويدخل الملح الموضوع في جراب (گونية) محمّل على الجمال أو الحمير، إذ يستخرج الملح من المستنقعات التي كانت محيطة بمدينة الديوانية وهو غير صحي وغير صالح للاستخدام، ولم يعلم أبناء الديوانية بذلك إلا دوائر الصحة المختصة التي كانت تحارب هذه المهنة.
وقد عرَفت فترة السبعينات من الباعة المتجولين بائع الملابس المستعملة وخاصة السترة والبنطلون الرجالي، واشتهر بهذه المهنة مهدي (ابو صالح) رجل متوسط القامة يلبس الكوفية والعقال ويتجول في السوق الكبير ليعرض بضاعته على الناس البسطاء وطلاب الجامعات من العوائل الفقيرة وخاصة الزي الموحد، كان يعرض سلعته من خلال المنادات لترويج بضاعته (چكنم.. هذا المهيّر يا ولد.. بس هذا اليوم باقي بالديوانية بعد ما أظل راح أعوفكم... چكنم... چكنم يا ولد).
ثم كان هناك بائع جوال وهو المرحوم فاضل (قجوم) الذي كان يدور ويقطع الشوارع حاملاً على رأسه صينية غريبة المحتويات صممها بحيث تكوِّن مثلثات يملأ كل مثلث بحلوى كثيفة خاصة، مختلف ألوانها موحدة الطبيعة والتركيبة والمحتويات يسميها (علوجة أو علاجي)، يأتيه أحدنا حاملاً عشرة فلوس ونطلب منه علاجي بلون معين نختاره نحن لا هو، فيغرس سكيناً مثلثاً الرؤوس في المثلث ذي اللون الذي طلبناه، ويخرجه مع ما علق به من هذه العلكة، ثم يأمرنا أن نفتحَ أفواهنا فيدخل سكينته فيها ثم يقول: إطبقْ فمك وتمسّكْ بالعلكة قوياً بين أسنانك (فك حلگك... سد حلگك... أخرط العلجة بسنونك)... لذا أطلق الديوانيون على هذه الحلوى وصاحبها وصفاً ممتعا ساخراً هازلاًه و (خرطه بسنك) أو العلاجي.
كما أنفرد نفرٌ آخر من الباعة من هذه العربات ولكن لبيع (البيض) أو (صمون وعنبة) أمام باب مدرسة الارشاد وحامد (ابو نافع)، ومسعود، وعرف حسن ومكانه أمام سينما الجمهورية في بيع الفلافل، ونفرُ آخر اشتهر في بيع الكبة في المحلات أو في عربات صغيرة، منهم خضير ومسلم وشكر وحمد مطرة وأبو عادل وعبد وعبد الإله، أو بيع الكاهي كان حوگي يشتهر في هذه المهنة، أو بعض أنواع الزلابية الرديئة وسواها من الحلويات الرخيصة كحلاوة التمر (المدگوگة) أو(الدهينية) وما إلى ذلك، وأتذكر من يبيعها في الجديدة وهو العم صخيل.
من أشهر الباعة المتجولين الذين لا يحتاجون إلى عربات أيام زمان, هم صنف آخر من الكسبة الكادحين أذكر منهم باعة القهوة الراجلين صيفاً وشتاءً، كما أذكر بائعاً جوالاً كان يبيع اللبن صيفا يحمله بسطلين ثقيلين منادياً عالياً (چلاب ي البن) أي بارد جداً، منهم عرموط (ابو صديقي ناجي وحسين) ومهدي ستاوي، أو بائع الشربت اشتهر في هذه المهنة ابو علي قرب محل نعيم اسمر وخضير ومطرود ودعّيجل. أمّا من اشهر الباعائعات في مجال بيع القيمر صباحاً عرفت كلٍ من: أم سليم وأم فاضل في محلة الفاضلية.
كما أشتهر من الباعة المتجولون بائع الأقمشة، ويضع على ذراعه أطوالاً من القماش، أو يحملها على كتفيه ومعه ولده بعمر الصبا يساعده في نقل بقية أطوال الأقمشة، ويجوب في الأزقة ومنها محلة الجديدة والفاضلية ومحلة الشرطة وعلى المقاهي، ويستخدم عند البيع الذراع والمتر، وقد عرف أحد يهود الديوانية المدعو منشي وآخر يدعى كرجي، وبعض الباعة المتجولون في الأزثة هم أما من بغداد أو مدينة الحلة.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار