جسر اللَّوْز 9

علي دريوسي
2021 / 10 / 15

صباح الخير سيدنا أحمد المزواج،
أرأيت لم أرسل لك شيئاً في الأيام الاخيرة ولم أتمكّن أن أرسل لك بالأمس، عدتُ متأخّرة قليلاً، وكنت تعبتُ إلى حدّ الرغبة في النوم العاجل.
رغم برودة الطقس ذهبت البارحة بعد يوم عمل طويل مع أصدقاء لي إلى ضفاف نهر الراين لالتقاط الأنفاس. كان النهر هادئاً ، صامتاً ، متلألئاً تحت الأضواء التي انتشرت على امتداد الكورنيش. مشينا مسافة طويلة جدّاً ولم يكن حذائي مريحاً كفاية لأمشي تلك الكيلومترات لكنّي لم أشعر بأيّ تعب، كان يوماً مميّزاً، استرحنا في أحد المطاعم، شربنا البيرة الباردة، وأكلنا المعكرونة المقلية مع الدجاج وتحدثنا طويلاً.
ما زلت أحاول إنقاص وزني وبالمجّان! في الصباح الباكر أذهب إلى الرياضة بين الحين والآخر برفقة امرأة لطيفة لكنها مملة للغاية فهي لا تتكلم إلا عن الأزياء وأحدث الماركات. بعد عودتي اليوم من درس الرياضة نمت وبعمق مدّة ساعة، وصحوت لأجدني وحدي في البيت، شربت قهوتي مع عبد الحليم /جانا الهوى/، ثمّ أنهيت بعض الأعمال المنزليّة من تنظيف الأواني وترتيب غرفتي، درست قليلاً، وها أنا أكمل صباحي بالكتابة إليك.
بالمناسبة أعيش في شقة من ثلاث غرف وصالون مع طالبتين، الأولى قادمة من البرازيل ولديها منحة من الهيئة الألمانية للتبادل الثقافي "داد" لدراسة الأدب الأمريكي والثانية من ستوكهولم تكتب رسالة الدكتوراه بالرياضيات.
لدي تسريحة شعر جديدة، أخفيتها لأنها بشعة، لا أرغب أن يراها أحد. وقتي الضيق لم يسمح لي بالذهاب إلى الكوافير. سمعت من صديقة أن هناك شابة سورية تمتهن الحلاقة. اتصلت بها وأخذت منها موعداً لتقص لي شعري في البيت. حين بدأت عملها في شعر رأسي أخذت تحكي لي عن خبرتها الطويلة في هذه المهنة. فهمت منها أنها تعيش في ألمانيا مع زوجها وبناتها منذ حوالي ثلاث سنوات، وقبل ذلك كانت تملك صالون حلاقة "محترم" في دبي لأكثر من عشر سنوات، لكنها تركت كل شيء خلفها وهربت إلى فرنسا ومنها إلى ألمانيا بعد أن اختلقت للسلطات قصة مثيرة عن تهديدات ومضايقات لها بسبب دينها. وقالت بأن أصحاب المحلات في ألمانيا يرجونها أن توافق على توقيع عقد عمل معهم لكنها لا ترغب حالياً وهكذا. حكت كثيراً وحكت أيضاً بأنها مثل أمها تخاف أن تفتح فمها عند طبيب الأسنان كما أنها مثلها أيضاً لا تجرؤ على تنظيف أسنانها بالفرشاة والمعجون لأنها تشعر برغبة في التقيؤ. مع كل كلمة منها كنت أشعر بكذبها وبمزيد من النفور من صوتها وشخصها الرخيص. أحسست بأنها تكذب حتى في انتمائها الطائفي. في النهاية انتهت من قص شعري بعدتها السيئة. لم يعجبني ما فعلته بشعري إطلاقاً ولم أطلب منها أية تحسينات أو تعديلات، كان همي الوحيد هو أن تغادرني بأسرع وقت. أخذت أجرتها ـ التي لا تستحقها ـ مضاعفة وأدبرت. وبدلاً من أن أودعها تمتمت: لعن الله من ربط الحمار وفلتك يا فلانة.
عطلة نهاية الأسبوع هذه ستكون مشمسة! خطّطت خلالها لقراءة قصة "رسالة قصيرة للوداع الطويل" للكاتب النمساوي بيتر هاندكه. أعتقد أنني سأشاهد فيلماً ألمانياً أيضاً! هل تنصحني بفلم جيد؟
هناك أخبار سارة عني، قريباً ستُنشر مجموعة قصصية قصيرة لي (المجموعة الأولى) في بيروت، يتضمن الكتاب الكثير من النصوص العاطفية والاجتماعية، عندما أحصل على نسخي، سأهديك واحدة! ألا تريد؟ بالتأكيد سترغب، كل من قرأ لي نصاً استمتع به، ولا سيما الرجال، مجرد مزحة!
قصصي ليست سخيفة كما تدّعي ولا أحتاج إلى أفكارك كي أبدع قصصاً، عليك أن تتوقف عن قذفي بهذه الكلمات الشريرة، فهي لا تليق بك. لم آخذ كلماتك اللئيمة دائماً على محمل الجد. لا يوجد في داخلي امرأتان فقط كما قلت لي مرة بل غابة من نساء، ولست متأكدة من منهن يتفهمك ويكتب لك الآن، وأكاد أجزم أني أحتاجن جميعاً لأفهم وأتعامل مع شخص مثلك.
عزيزي أحمد، زواجك الورقي أحزنني جداً وأيقظ عندي بعض الذكريات والمواجع. بالتأكيد أرغب أن أعرف شيئاً عن تفاصيل هذه القصة الموحشة ـ هذا إذا كنت صادقاً بكلامك ـ وأعدك حتماً باحترام خصوصيتك حين يحس قلبك بالإطمئنان للبوح بهمومك، لا أحد خال من الهموم والندوب والآلام ولا قيمة للحياة دون صعوبات ومتاعب وأخطاء، لكن في الغربة تتضاعف الهموم وتبلغ حِدَّة الألم أشُدَّها.
إلهي قل لي من خلا من خطيئة ... وكيف تُرى عاش البريء من الذنب
إذا كنت تَجزي الذنب مني بمثله ... فما الفرق ما بيني وبينك يا ربيّ
شاركتك بهذه الأبيات الشعرية للفيلسوف الفارسي عمر الخيّام، لأن شعوري الغريزي أرسل لي إشارة روحانية بأنها قد تكون شافية ومناسبة في كل حالة وزمان ومكان.
مع أطيب التحيات والتمنيات من إيمان التي تنتظر بوحك.
عطلة نهاية أسبوع سعيدة
إيمان

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية