ابتسامتها سلسبيل

أحمد جدعان الشايب
2021 / 10 / 15

( كاذب من يصلي إذا لم يجد ما يفعله غير الصلاة ) الدكتور مسعود بوبو
...................................................................................

كان عدد من أهل البلدة في حالة من الرضى والسعادة، يوم وجد يونس عملا عند الحكومة، وقبلها كان يعيش بينهم في ضائقة مالية، يكدّ ليبدّل ليالي الفقر والحرمان والحاجة، بلحظات من الراحة والاطمئنان، كان يعمل عند بعضهم أعمالاً يعجز عنها عدد من الرجال معاً، فينتقل من أعمال البناء إلى جني المحاصيل، وحمل المؤونة على ظهره، إلى العزق والفلاحة، ونقل الحجارة والتراب من الحقول، يستخدمونه بأجر زهيد، وينظرون إليه نظرة إشفاق، رغم أنه يسعى باستمرار
ليكون مثلهم في محل تقدير واحترام، أو على الأقل في خانة المقبول.
كان شيخ المسجد يحرجه أمام الناس، ففي كل مرة يشاهده أو يلتقي به، يرفع صوته ناصحا :(صلّ يا يونس.. لم ينقصك غير أن تصلي.. صلّ يا يونس صلّ).
كان يونس مثل كثير من فتيان البلدة، يصلي يوما أو يومين، ثم يعود إلى إهماله من جديد.
تمر علينا الأيام فتتداولنا، وتتقلّب بنا الظروف والأحوال، لتسكب فينا أحزانها ومآسيها، وكثيرا ما تنطوي ذواكرنا لتخبئ ما لا يتقبله المجتمع من أفعال، أو نقوم نحن بكبت مشاعرنا لتطفئ ما يتّقد في الوعي من ذكريات، ليجد المرء ولدنة الأبناء عبثا، وطيش المراهقة الحلو جهلاً وضياعا، ومعارضة اليافع تحدّيا وتمرّداً، وكرم الشباب تبذيرا، وصحبة الآخرين تهوّرا وانفلاتاً.
لم يستمر وضع يونس في بلدته طويلاً، لقد صار موظفا، أمضى أكثر من نصف عمره رئيساً لمفرزة الجمارك، يبدو لمن يحدّثه، صارماً في كل ما يتعلق بالوطن وحدوده، يسرد طُرفاً وحوادث جرت في ليالي خدمته الطويلة، فيسيطر على حملة تهريب، أو يقمع مجموعة أخرى تتسلل عبر الأسلاك الشائكة، أو يسيطر على شاحنة محمّلة بالمواد الممنوعة والخطيرة على البلاد، يوحي لمن يسمعه يتحدث عن بطولاته الجمركية، كأنه حامي حمى البلاد، وبدونه لا يستقيم وضع حدود البلاد مع البلاد المجاورة، وحين يتم نقله من مفرزة إلى أخرى، تنتابه الخشية من الجهة الجديدة التي ينتقل إليها، بعد أن تعب في تعزيز العلاقة مع المهربين، في مفرزته التي يودّعها، فتمر عليه ليلة من السهد، وهو يفكر في طبيعة المفرزة الجديدة، وعناصرها، والأفراد المهربين على حدودها، وفي النهاية، ينتقل ليتعرف على كل هؤلاء في وقت قصير، ويتفق معهم على كل شيء.
حين أنهى يونس خدمته وعاد إلى بلدته، ظهرت عليه علائم الثراء، بنى قصرا من حجر متنوع الألوان، اشترى كل ما طرحه الناس للبيع من أرض ومحلات، اشترى شاحنة صغيرة لنقل أرزاق المزارع إلى الأسواق، وزع أبناءه على المزارع والمحلات، وكانوا يتقاضون أجرا عن عملهم لديه لا يرضيهم.
بعد أن استقرّ وضعه المالي كما يشاء، ظل يشعر بالمجتمع من حوله، يتعامل معه بحذر، وبعضهم القليل يشيد فيه، ويهتم به، لكنه فكر كثيرا في حالته، فو جد السر، وعليه أن يتخذ طريقة يغير بها من نظرة المجتمع له، وخاصة إمام الجامع، هو لا يحتاج تعاطف الناس معه في أي شيء، ولا يريد إشفاقهم، لكنه يرغب أن يعيش بينهم كعنصر مهم يختلف عن يونس قبل عودته إلى البلدة، تلك مرحلة مضت، أما الآن فهو يرى نفسه متميزا عن كثير من رجال القرية، فلماذا لا ينظرون إليه نظرة مختلفة؟. وعليهم أن يحسبوا له حسابا أيضا.
راح يقلّب الأمور في ذهنه حتى اهتدى إلى حل مناسب ونهائي، حضّر نفسه للذهاب إلى أرض الحجاز، الأرض المقدسة، في موسم الحج، وحين عاد مع العائدين، صار اسمه الحاج يونس، فأطلق لحيته، وغلّف صلعته بطاقية بيضاء مطرزة بحرير أبيض وأخضر، وعلّق على كتفيه عباءة حجازية، وراح يسعى خمس مرات في اليوم من بيته إلى المسجد، ومن المسجد إلى البيت، كانت نظراته ثابتة في الأرض، لا تكاد تسبق قدميه، يوحي لمن يشاهده، أنه دائم التفكّر والتأمل في مصير هذا الكون.
لم يتبق من أفراد أسرته غير ابنه الأصغر مرهف، الذي أنهى دراسته الثانوية، وبدأ يهيئ أوراقه ليتقدم بها إلى أحد فروع الجامعة، كان يعاني مرارة الأيام من ظلم أبيه، يقتّر عليه في مصروفه، يعنّفه لطريقة لباسه وأنواع ألبسته الغريبة، يتدخل في تسريحة شعره، يقيده في حركاته، ويمنع عنه زيارة رفاقه، وكثيرا ما كان يحرجه أمام أهله وزملائه قائلا له: ( أراك لا تصلي يا ولد.. صل كل وقت لوقته.. كن مستقيما في حياتك لكي لا ينحرف سلوكك). ويهمس له أحيانا: ( يا ابني هذا الشاب ليس من مستوانا .. ابعده عنك.. يبدو أنه ولد طائش.. ومستهتر وفقير أيضا.. ابحث لك عن شاب متزن.. غني.. ما هذه الرفقة؟.. وكيف تجد مثل هؤلاء لتصاحبهم؟.. انتبه.. كل رفاقك لا يعجبونني).
لم يكن رد مرهف متشنجا، قال له: يا أبي.. كل رفاقي أبناء أصدقائك وجيرانك وأقاربك.. وجميعهم في مثل عمري أو أكبر قليلا.. وهم يدرسون في الجامعات.. ودائما أشاهد بين أيديهم مصروفا زائدا عن حاجتهم.. وأفضل من مصروفي.. ويكفيني أنهم طيبون ويحبونني كما أحبهم.. أمناء وصادقون.)
لكن الحاج يومس، يرفض كل الذي قاله له ابنه، وحتى يتخلص من صدق ردّه، يعنفه بكلام ثقيل على النفس، ويشتمه بنعوت مخجلة، ويعيره بأمه قائلا:
ــ أنت مثل أمك.. لا تفهم إلا بالضرب.
البنات الثلاثة أخوات مرهف، يهنئنه لأنه سيستمر في دراسته الجامعية، فهن منعن من متابعة التعليم بعد إنهاء المرحلة التأسيسية الابتدائية، على الأقل هو في نظرهن سيبتعد عن التبكيت والاتهام والقمع، وليس عليه إلا أن يصر على متابعة الدراسة مهما كانت العوائق، فهو مختلف لأنه ذكر، حتى لو تطلب الأمر منه أن يؤمّن مصروفه من عمل يعمله في أزقة المدينة أوقات الفراغ والعطل الرسمية.
اما هن، فليس أمامهن إلا التحمل والصبر والانتظار، فما أصعب أن تكون أهلا لتغيير واقع مظلم، نحو حلم تنشده النفوس الطامحة، وأنت ساكنا تحت قبضة جلاد جهول، وما أفظع أن ترى رزما من النقود في حوزة من لا يحتاجها، وأنت في أمس الحاجة إلى الكفاف منها، وما أصعب أن تعلم بمكانها، وتكون بمتناول يدك، ولا تستطيع لمسها، وما أمر أن تكون في نظر الناس ابن عز وثراء، وأنت تخشى أن تقتني قلم رصاص.
ولكن ما أفدح أن تنفجر في وجه أبيك متهما له، ونافثا كل سموم عذاباتك على يديه مدى عمرك.
تمرّدُ مرهف اليوم كثورة تهتاج في جوفه، كتنور يحتفظ بجمره، عارمة كسيل، مدمرة كإعصار.
تحولت رقته ورهافة حسه وذوقه إلى تيار صاعق، غدا عود ثقاب يُرمى فوق هشيم غابة.
إلى متى تحتمل نفس الانسان شح النقود والمحبة والطعام؟، إلى متى تظل ساكنة، قابعة محطمة؟، إلى متى يستمر الضغط على الأم الصابرة، هزءاً وتبكيتاً وإهمالاً؟، إلى متى تظل أخواته عاجزات عن النظر خارج هذا القصر، لمشاهدة عصفور أو فراشة؟.
إلى متى يبقى لسانهن مطويا خلف أسنانهن، يتنفسن من أنوفهن فقط شهيقا وزفيراً، لا يفتحن أفواههن إلا لأكل بضع لقيمات خجلا بعد أن ينتهي الحاج يونس من طعامه بمفرده، والكل منتظرون بصبر وحقد حتى يفرغ ويتجشأ، يهم بالخروج، يثبت طاقيته على قرعته، يرمي بعباءته الحجازية على كتفيه، فيتقدم إليه مرهف وجلاً، خجلا، وهو يقبض على غضب قديم، لكنه يثبت نفسه أمامه قائلا:
ــ أبي.. اليوم سأسجل في الجامعة.. سأذهب مع رفاقي.. وأحتاج نقوداً.
نظر أليه وهو يلبس نعله، ازدراه، زمّ شفتيه ورمقه بطرف عينيه بلؤم، وأخرج مئة ليرة ورماها في وجهه دون كلام.
انحنى مرهف ببطء، يقطع أوصال نفسه الألم، أخذ الورقة النقدية، قدمها لأبيه وهو يغلي كقدر مكتوم، قال:
ــ أشكرك يا أبي.. خذها.. قد تحتاجها لشراء غطاء رأس لخطيبتك.. أنا لا أحتاجها.. ولكن اسمعني يا أبي.. الجامعة تحتاج لمصاريف كبيرة.. لكتب.. وكراسات.. وسكن.. ومصروف شخصي.. نعرف أنك ستتزوج امرأة جديدة.. قد يكون من حقك.. لكننا نحتاجك نحن أيضا.. نريد أن نعيش مثل بقية البشر.. أنت تعاملنا كأعداء لك.. كأننا حيوانات لا قيمة لها.. أليست هذه زوجتك؟.. أليست هي أم أولادك؟.. وهؤلاء بناتك؟.. ألسنا كلنا أبناؤك؟.. لمن تدخر كل أموالك؟.. للزوجة الجديدة؟.. وهل تستحق منك كل شيء.. ولا يحق لنا أن نعيش؟.. اعذرني يا أبي إن قلت لك.. جعلتنا نخجل من أبوتك لنا.. حتى صرنا نتمنى ألا تكون بيننا.. يا أبي.. إننا لا نعتز بك كأب.. وأنا منذ اليوم لا أحتاجك في أي شيء.. ولن أطلب منك قرشا واحدا.
كان الحاج يونس يمتلئ شيئا فشيئا حتى طفح صدره غيظا وحنقا، وما إن انتهى مرهف من كلامه، حتى التقط أبوه عصاً وانهال عليه بها ضرباً، وأشار بإصبعه نحو الباب زاعقا.
ــ اخرج من هنا.. اخرج.. هذه آخر مرة أراك في بيتي.. إن دخلت هذا البيت سأقتلك.
غاب مرهف عن البيت، وغاب عن البلدة، بعد أن أخذ من إخوته سلفة خمسة آلاف ليرة، ليسجل في الجامعة. ودّعته أمه وأخواته بالبكاء، خرج في ضيق ينذر بانفجار عصبي، تعكسه شفافية الدمع في مقلتيه، كانتا تلمعان كنبع نقي، واحمرار في وجهه ينفثه ألم جوفه الممزق.
صعد الحافلة، قعد، يتفتت داخله، يكاد يتشظى، عصر جسده بذراعيه بشدة، فطقطقت أربطة متنه، ثم نفخ كل همومه دفعة واحدة، رفع رأسه، التقت نظراته بعينين جميلتين مبتسمتين، فتاة كنسمة عذبة.
طالت ابتسامتها، فأشاح بنظره قليلا، ثم أعاده، ليجدها كما كانت، تنظر إليه بوجه مشرق بالابتسام والنعومة، فخفق قلبه وارتجف، وربطت جوفه بندى شفيف.
ذوقاً منه وأدباً، ابتسم لها، أومأت له بتحية من رأسها، فتموجت غدائرها الحريرية، ردّ التحية، وقد سارت الحافلة مع صوت عبد الوهاب يغني :
( إنس الدنيا وريح بالك واوعى تفكر في اللي جرالك).
لكنه تذكر أخواته الثلاث، فأحاط به أسى مر، رثا لحالهن وعيشتهن السقيمة.
هز رأسه أسفا، وحار في أمره متسائلاً: ( ترى أما من نهاية؟).
أمضى أشهرا في الجامعة، وجد لنفسه عملا يكفيه استمرار حياته كبقية رفاقه.
أحس أحد رفاقه بشوق مرهف لبلدته وأهله، وعرض عليه أن يرافقه ويبقى بضيافته، فوصلا ليلا لكي لا يراه أبوه.
كان يتحيّن الفرصة، حين يذهب أبوه إلى الجامع وقت الصلاة، راقبه من نافذة بيت صديقه، فأسرع إلى أمه وأخواته ليسلم عليهن ويعطيهن بعض الهدايا البسيطة، فهن بحاجة لأي شيء .
شاهد أباه، لم يتغير في شيء من طباعه، لايزال يمشي راميا برأسه على صدره، مفتعلا التواضع والتقوى، يلتقط صرة في الطريق ويمضي وهو يحشوها داخل عباءته بلهفة، يقتنص التفاتتين سريعتين على جانبيه، فيُسَرّ ويطمئن إذ لا يشاهد أحدا حوله.
لكن مرهف كان يشاهد كل شيء من نافذة غرفة صديقه، تيقن أنه وجد شيئا مهما وثمينا، لكنه لا يدري ما هو، بعد أذان المغرب سمع المنادي يعلن عن ضياع وفقدان صرة من الذهب، يقول:
( يا أهل الخير.. ضاعت صرة من الذهب في قماشة سوداء.. فيها عقد وأساور وساعة.. وحلق دائري.. وخواتم أحدها له خرزة زرقاء).
انتفض مرهف وصرخ دون وعي:
ــ هي.. هي.. ذاتها شاهدتها بيده.. ثم انكفأ عائدا إلى مكانه كما كان، وهو يقمع التوتر المفاجئ على هيئته.
لكن صديقه دهش، وتساءل عما حدث، فهز مرهف رأسه، قال وهو ينفخ:
ــ لا شيء.. لا شيء.. فقط أنا قلق جدا.
أخفى الحاج يونس الصرة بين أشيائه الخاصة، وربّت عليها لكي تستقر في مكانها الأمين، إلى أن يأتي يوم يحدده هو، ليخرجها من مكمنها، ويقدّمها مهراً لزوجته الجديدة.
مضى يوم بليله، ونداء المنادي يعقب كل أذان، لكن الحاج يونس لا يريد أن يسمع النداء، وقرر أن ينسى الأمر.
في اليوم التالي، وبعد أن شاهده مرهف يمضي إلى المسجد كعادته، أسرع إلى بيتهم، بحث في أشياء أبيه، فتح الأدراج بمفاتيحها المخبأة، شاهد رزما من الأوراق النقدية، محشوة في الدرج الكبير، أخرجها كلها، مد يده إلى نهاية الدرج، أمسك بالصرة، ذات القماشة السوداء، فك عقدتها ليتأكد من محتوياتها التي لم يشاهدها أبوه حتى اليوم، وجد فيها طوقا وأساور وساعة وحلقا دائريا، وخواتم أحدها له خرزة زرقاء.
جمعها بسرعة في قماشتها، وعقدها، ثم أعاد كل الأشياء إلى أماكنها، ومضى يجري إلى المسجد، وصل في اللحظة الأخيرة، وفي حين يهم الإمام بإقامة الصلاة، صاح مرهف:
ــ توقف يا شيخ.. إذا أذنت لي.. أنا اسمي مرهف بن الحاج يونس هذا.. وجدت هذه الصرة في الطريق.
صُعق الحاج يونس، أحس بدوار، كأنه وحده في لجة يكاد يختنق، نظر إلى الصرة، تيقن أنها هي بذاتها، طاش ذهنه، ولم يجد تعليلا لما حدث، لكنه حاول تثبيت ساقيه، ثم هز رأسه، وراح يغمغم مع الحاضرين، حين سرت همهمة وشكر وحمد ودعاء وثناء على الله وعلى والد مرهف.
بدأ الإمام بإقامة الصلاة، في حين خرج مرهف قاصدا بيت صديقه ليستعجله السفر إلى الجامعة قبل أن يفوت الوقت وتمضي الحافلة، وبعدها يظلان في تخبط لا يدريان ما يفعلان.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية