مدخل لفهم مسألة وأزمة الأقليات

نضال نعيسة
2021 / 10 / 15


تشكل مسألة أقليات الشرق الأوسط واحدة من أعقد المسائل في هذه المنعطفات والمنزلقات والمفترقات المصيرية الكبرى، لاسيما فيما يسمى زوراً وتزويراً بـ"االمشرق العربي" حيث تتكاثر وتتناسل هذا الأقليات كالفطر، وتشكل أكثر من 50% من مجموع السكان إن لم نقل "الأغلبية" المطلقة في هذا المجتمعات.

ابتعاد، أو انفصال هذه الأقليات عن التيار الرئيسي الـMain Stream، أو ما يعتقد أنه أغلبية، أمر محسوم، وله جذور تاريخية عميقة لم تستطع رياح العولمة وهيجان الانفتاح وانتشار قيم العصر أن تفعل به أي شيء، لكن ما يثير الريبة والاستفهام، هو تبعية وانقياد هذه الأقليات ومحاولتها الالتصاق بالتيار الرئيسي من خلال بروز ظاهرة المستعربين والقوميين العرب المرعبة، في النصف الثاني من القرن العشرين.

وعملياً، لقد لاحت للأقليات فرص كثيرة للانعتاق من نير الفكر التسلطي الفاشي الصحراوي وفعلا تحررت منه لوهلة لاسيما بعد انهيار خلافة بني اردوغان المتعثمنة والمتسلجقة وذلك على يد طيبي الذكر سايكس-بيكو، لكن داء العبودية المتأصل، استدعى من بعض أغرار ومراهقي الفكر والسياسة "الأقلاويين، اجتراح فكرة ومفهوم العروبة، كبديل إيديولوجي وإطار سياسو-دنيوي عن الإسلام تمثلت في محاولة إعادة شعوب منطقة سايكس-بيكو لبيت الطاعة القرشي عبر توهم كيان خرافي طوباوي أسموه بـ"الوطن العربي"، ومن جديد تحت بافطة "القومية العربية" والاستعراب وفي محاولة مضحكة لإلباس تلك التبعية التاريخية والانقياد الأعمى والطاعة للمركز الوثني بيثرب وتلك "العبودية المقنعة" أثواب اليسار والتمركس والعلمانية الزائفة والكاذبة.

غير ان هذه العبودية من قبل المستعربين "الاتباع" والتعلق بأهداب و"استار" العرب "السادة" الأقحاح هو من دون أدنى شك أو مبالغة نمط من أنماط إدمان العبودية المعنوية والتبعية والالتحاق الأوتوماتيكي بالمالك...

وقد تفسّر متلازمة استوكهولم جزءا من القضية وتفكك جانبا من اللغز...لكن لا تكفي لوحدها لتفسير تلك المازوخية السياسية المريضة والتمارض الإيديولوجي عند هذه الأقليات.

ثمة شيء يتعلق، ايضاً، بالموروث الجيني بعد قرون من الإخضاع والبرمجة والاستعباد والإرهاب (تجربة القرود والقفص) اي وراثة وتوريث العبودية والتبعية بالشيفرة الوراثية ربما....وربما عدم قدرة هذه الأقليات على إيجاد أو اجتراح وطرح بديل إيديولوجي "ثوري" ضد الثقافة الهرمة المتآكلة القائمة التي نسفها العلم من جذورها، وقوّض شرعيتها، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ"المقدس الجمعي" واستحالة إستحداث أي اختراق إيديولوجي (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة بالنار)، أي أن الإبداع والتفقه والتفذلك والاستفكار الإيديولوجي هو هرطقة وزندقة و"تابو" وخط أحمر، ولا مجال للدنو من الهيكل "الأسود" والتطاول على سدنة المكعب الوثني وعبادة البشر وبكل ما في ذلك من مخاطرة ومغامرة لا تحمد عقباها، وخوفا من سطوة جهل الأغلبية، ربما يقع هذا ضمن المفسرات وهذا قد يشرح لنا بنفس الوقت لماذا سقط واستحال اليسار والماركسية والشيوعية والتنوير حتى في أوساط ومجتمعات الأغلبية ومع ذلك تبقى القضية بحاجة لتباحث واستجلاء أبعد...

شخصياً، وحتى دراستي الثانوية، ووصولي لسنتي الجامعية الأولى كنت ضمن هذه الدائرة من العبودية والتبعية والانقياد الاعمى بعدما خضعت كغيري لعملية غسل الدماغ الشهيرة، تلك، بنجاح، بالمدارس ومحيط العائلة المحافظة، كعادة أهل الشرق المنكوب، والمجتمع من تمجيد وتقديس للغزاة والسباة والزناة السفاحين الكبار، وحتى "تأليه" بعض السيافين والقتلة ومرتكبي جرائم الإبادات وحصد أرواح كل من لا ينطق بما يـُملى عليه، ويـُلقـّن ويجب أن يستنطق به، ولكن سرعان ما تفتحت عيناي وولج عقلي نور الحرية والتحرر من اغلال العقل (على قولة القصيمي) وأصبحت في عالم آخر اغرد بعيدا عن قطعان الجهل، ومن هنا، وحقيقة لم أك استغرب وجود مسلم سني في صفوف البعث او الإخوان المسلمين، والقوميين العرب، فالأمر تلقائي وطبيعي وتحصيل حاصل ثقافي وإيديولوجي وسلوكي، وهو نتيجة منطقية لعملية برمجة رسمية وتربوية وعائلية واجتماعية، لكن كثيراً ما راعني، وكنت استغرب جدا حين كنت ارى اثناء دراستي الحامعية ومن ثم التحاقي بالجيش وميادين العمل، المختلفة، صحافة تدريس إعلام، ومحطات السفر التي عرفتها، أكرر كنت أستغرب أن أرى نصيريا او درزيا او مسيحيا او اسماعيليا او آشوريا وكلدانيا وسيريانيا ووو في أحزاب قومية وإسلامية، وبعثيا يردد شعارات قريش والرسالة الخالدة (الإسلام)، اي بكل بساطة يدعو محتليه لإعادة احتلاله واستعباده والتسيـّد عليه من جديد كما تحفل به ادبيات البعث والفكر القومي، اي ببساطة ان يكون، بالنهاية "مسلماّ" ومؤمنا ملتزماّ بقريش ويبرر افعالها ويدافع عن تاريخها الاستعماري العد.....واني الشهير والطويل بالمنطقة...

وما زال الأمر يقلقني ويحيرني...
(يتبع)...
كم خلال فكر البعث والقوميين، نفهم أن المستعربين يستسلمون لفكرة الأغلبية وحق هذه الأغلبية المعصومة بالتسيد والجكم طبقا للقاعدة الشرعية الحكم في قريش مدى العمر كما قل مؤسس الاسلام والاغلبية على حق ولا تجتمع امتي على باطل وكل من هو
كان القوميين بتسليمخك لبشرعية قريش يسلمون بكل قوانينها ويذعنون لشروطها...

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية