المخطوط القديم

محمد علي سليمان
2021 / 10 / 14

يختار الكتاب مواضيع أعمالهم الأدبية إما من الواقع ويدخلون عليه الخيال، وإما من الخيال ويدخلون عليه الواقع. لكن كل الكتاب، بشكل عام، يحاولون أن لا يبتعدوا عن الواقع، حتى كتاب الدادائية والسريالية (وقد اعتبر الرسام السريالي سلفادور دالي أنه لا يمكن التعبير السريالي فنياً إلا من خلال الواقع)، وإذا ابتعدوا عنه مثل كتاب رواية اليوتوبيا فمن أجل تدميره من أجل عالم أفضل. وهناك من الروائيين من رأى أن الواقع أغرب من الخيال، ويقول دوستويفسكي " أي شيء يمكن أن يكون عندي أكثر خيالية من الواقع ". ولا يختلف قول عبد الرحمن منيف عن قول دوستويفسكي " الحقيقة أن الواقع الذي نعيشه في هذه المرحلة أغنى من أي رواية ".
إذا اختار الروائيون مادتهم الأدبية من الماضي، فإنهم يختارون تلك المادة التي تلقي الضوء على الواقع المعاصر (الزيني بركات، أعمال نجيب محفوظ التاريخية). وإذا اختاروا مادتهم الأدبية من المستقبل فإنهم يحاولون أن يسقطوا ذلك المستقبل على الواقع المعاصر (العقب الحديدية، القرن الأول بعد بياتريس). وحتى رواية الخيال العلمي التي تنطلق من واقع العلم وآفاقه لا تهرب من الواقع الاجتماعي أيضاً.
وفي مصادرهم الأدبية يواجه كتاب الروايات التاريخية أحياناً مصادرهم، وأحياناً يحتالون على تلك المصادر. فالروائي جمال الغيطاني لا يخفي اعتماده على تاريخ ابن إياس في روايته " الزيني بركات "، والروائي بهاء طاهر يعدد مصادر روايته " واحة الغروب " التي اعتمد عليها ليعطي روايته الصدق التاريخي، والروائي أمين معلوف في روايته " صخرة طانيوس " يخترع مصادره التاريخية ليوهم القارئ بصدق أحداث الرواية التاريخية. أما الروائي يوسف زيدان فإنه يتهرب من مصادر روايته التاريخية " عزازيل " ويقول إنه وجد مخطوط الرواية في صندوق مطمور تحت الأرض، " يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي، ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف _ الرقوق التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الواقعة إلى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية.. وقد وصلتنا بما عليها من كتابات سريانية قديمة _ آرامية في حالة جيدة، نادراً ما نجد مثيلاً لها، مع أنها كتبت في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي.. ويرجح أن السر في سلامة هذه اللفائف، هو جودة الجلود _ الرقوق التي كتبت عليها بحبر فاحم من أجود الأنواع التي استملت في ذلك الزمان البعيد. علاوة على حفظها في ذلك الصندوق الخشبي محكم الإغلاق، الذي أودع فيه الراهب المصري الأصل هيبا ما دونه من سيرة عجيبة وتاريخ غير مقصود لوقائع حياته، وتقلبات زمانه المضطرب ". ولكنه حتى لا يفقد القارئ ثقته بصدق أحداث الرواية يتابع أنه راجع ما جاء في الرواية على مصادر التاريخ، وأن ما جاء في الرواية من أحداث صادقة تاريخياً، فهو مثل غيره من الكتاب لا يريد أن يفقد ثقة القارئ. ويذكر إبراهيم عوض في كتابه " ست روايات مصرية مثيرة للجدل " أن يوسف زيدان تباهى في حلقة تلفزيونية لمناقشة الرواية أن كل من قرأها جازت عليه الحيلة الفنية فظن فعلاً أن الرواية مخطوط سرياني، وأن كل دوره ينحصر في الترجمة. وهناك من الروائيين من يرفض، في لحظة من الرواية، الاعتماد على المخطوط القديم، ويقول الروائي أحمد خلف في روايته " محنة فينوس ": " إنني أروي لكم ما أعرفه عن فينوس وأثينا، وما جرى بينهما في تلك الأيام العصيبة، لم أدع عثوري على مخطوطة أو أوراق دونت حكاية الصراع الدامي، كما ادعى أحدهم ذات يوم أن أباه عثر على مخطوطة في بلاد الأناضول واحتفظت أمه بها لحين يصبح الولد رجلاً ". ولكن للمخطوط القديم سحره، وفي لحظة أخرى من الرواية، ويعترف الروائي " وعندما كثرت الأخبار والحكايات شرع السدنة بتدوين تلك الحكايات والأقاويل في دساتير وسجلات خاصة جمعوها في خرج كبير أطلقوا عليه محنة فينوس ". وأيضاً فإن الفيلسوف مالك بن نبي يجد مخطوط سيرته الذاتية " مذكرات شاهد القرن " بجواره في جامع في مدينة قسنطية بعد أن فرغ من صلاة العصر بعد حصول الجزائر على الاستقلال بعام " وقفت في زاويتي أشرع في الصلاة.. وبينما أنا في سجود هذه الركعة تناهى إلى سمعي وقع خطوات على السجادة ورائي، فما أن اقترب صاحبها مني حتى انسحب إلى الوراء. وعندما رفعت رأسي حانت مني التفاتة لا شعورية إلى جانبي الأيمن، فرأيت على مقربة من ركبتي ربطة حسنة التغليف.. أخذتها بين يدي فوجدتها مغلفة بعناية بورق مقوى وملتصق جيداً. وما أن لمستها حتى تبينت أنها كانت تضم أوراقاً. فنزعت الغلاف الخارجي، إنها صفحات مكتوبة بخط دقيق مقروء جيداً، وعلى الصفحة الأولى رأيت العنوان: مذكرات شاهد القون، مكتوباً بخط أكبر ذي حروف مستديرة ".
وقضية المخطوط الذي يجده الروائي ليتهرب من روايته قديمة جداً، ويقول الكاتب بول هازار حول رواية الرحلة الخيالية، اليوتوبية في القرن السابع عشر " إن الصيغة لا تتغير: فجميع الكتاب يبدأون بقصة مخطوط قديم وجد بإحدى المعجزات. ولسنا ندري لأي سبب يفتن هذا الاختراع الخيالي كل كتاب الرواية على الدوام حتى يكرروه، الواحد بعد الآخر، وكأنه شيء جديد دائماً ". والطريف أن المخطوط الذي يوجد بمعجزة ما زال يستهوي الكثير من الكتاب والروائيين المعاصرين وكأنه شيء جديد، وهذا ما فعله أنطونيو جالا في روايتيه " المخطوط القرمزي " و" الوله التركي ". ففي رواية " الوله التركي " يقول: " كتبت هذه الدفاتر بيدها وخطها، دسيدريا أوليبان، وهي القارئة العظيمة والمولعة الجيدة بالكلمات المتقاطعة، وقد احترمت بدقة كبيرة حتى تناقضاتها وبعض التكرار الناتج عن الإهمال وعدم الترابط ". وفي رواية " المخطوط القرمزي " يعتمد على يوميات آخر ملوك الأندلس أبي عبدالله الصغير، الذي ترك يومياته من أجل ولده وابنته حتى يعرفا كيف أضاع والدهما غرناطة، وإذا لم يهتما للأمر يمكنها إلقاء المخطوط إلى البحر أو إلى النار، لكن مخطوط اليوميات وصل إلى الروائي أنطونيو جالا. ومن الروايات التي اعتمدت على المخطوط رواية " تحت أنظار غريبة " للروائي جوزيف كونراد، وقد اعتمد على مخطوط مذكرات طالب روسي، وكتبت الرواية من قبل استاذ سويسري عجوز. وهذا ما فعله الروائي أمين معلوف في رواية " سلالم الشرق " فهي تبدأ " هذه القصة لا تخصني، فهي تروي حياة إنسان آخر، وبكلماته الخاصة التي قمت بترتبها فقط، عندما بدا لي أنها تفتقد إلى الوضوح أو الترابط، وحقائقه الخاصة التي تساوي ما تساويه كل الحقائق ". وهذا ما فعله أيضاَ أدونيس في " الكتاب: أمس المكان الآن " حيث يعتبر الكتاب " مخطوطة تنسب إلى المتنبي، يحققها وينشرها أدونيس". كما أن رواية محمد كامل الخطيب " الأشجار الصغيرة " وجدت في حقيبة ضمن مغلف يحتوي كمية من الأوراق كتب على الصفحة الأولى منها عبارة واحدة هي مشروع رواية، وصاحب الحقيبة هو الروائي الوهمي يوسف طه. ولكن محمد يقتل هذا الإيهام بعد صفحات قليلة ويعلن أنه هو كاتب الرواية. كما أن الروائي علي محمد مرعي في روايته ".. لهذا الزمن " يستخدم المخطوط القديم الذي ينسبه إلى العالم النحرير العارف بالله تاج الدين البرقي. وتصل به اللعبة الروائية إلى نشر الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة من المخطوط وخريطة توضح خط سير الأبطال وذلك عن نسخة للمخطوط قام بها العبد الفقير لله غانم رشيد الحسن. ويمكن أن نتذكر ما يحكى عن مايكل أنجلو أنه بعد أن انتهى من نحت تمثال " الحب " طمره في الأرض حتى يبدو مثل التماثيل القديمة التي يعثر عليها. كما لا بد من القول إن رواية " دون كيشوت " يحاجج على أنها رواية عربية لأن الرواية ليست إلا نسخة طبق الأصل لمخطوط رجل عربي يدعى سيدي حامد بن أنجيلي، وهو على الأغلب اسم اخترعه سيرفانتس واعتبره كاتب الرواية. وقد وجد سيرفانتس دفاتر المخطوط على أحد أرصفة طليطلة، واشتراها ثم ترجمها إلى الإسبانية. كما أن بلزاك استخدم المخطوط الذي عثر عليه، فقد كتب روايته " مذكرات زوجتين شابتين " على شكل رسائل، ولأن روايات التراسل أصبحت غير مستخدمة أدبياً، فهي تعود إلى القرن الثامن عشر. لذلك لجأ إلى المخطوط الذي عثر عليه: إن الرسائل كما يوحي بلزاك هي رسائل واقعية عثر عليها، ويقول " لو أن الناشر أراد أن يقدم كتاباً من أن يهدف إلى شهر إحدى القضايا الخاصة الكبيرة في هذا القرن لفعل بعكس ذلك، ويجب أن نصدقه غير أنه لا ينكر أبداً تدخله في التصحيح والترتيب، ومن انتقاء هذه الرسائل، لكن عمله في النشر لم يتعد دور المخرج.
وفي رواية خيري عبد الجواد " العاشق والمعشوق " رحلة بحث عن مخطوط قرأ عنه الروائي في المدونات القديمة، ويكتب " حكاية الأميرة وكيف تم عشقها على الوصف وما حرى بعد ذلك من غريب الكلام وأمور العشق والغرام. كان هذا العنوان هو أول ما تبدى لي من صفحة الغلاف الأحمر الباهت المتآكل مكتوباً بخط منمنم جميل، أحسست بخفق من هو مقبل على جلل، كيف لا، وأنا أبحث عن هذا المخطوط منذ مدة، لم أعرف صاحب محل لبيع الكتب إلا سألت عنه، ولم أسمع عن سوق إلا وذهبت إليه، وجلت في الأسواق كلها أبحث وأتقصى، علني أعثر على خبره.. إحدى الروايات تقول إنه ظهر مع بداية الخلق، وإنه يظهر مع بداية كل قرن، وكما يظهر يختفي فجأة، وكأنه لم يوجد من قبل ".
ومن جهته يعمد الروائي عبد الرحيم الحبيبي في روايته " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية " على مخطوط وجد في سوق العفاريت " وبعد لأي اهتديت على اختيار بعض الوثائق، راضياً بما غنمت من أوراق مخطوطة غير مرتبة، أظهر انطباعي الأولي، من خلال تصحفي لبعض السطور، أنها تكاد تكون نصوصاً في باب الرسائل وأدب الترسل والكتابة الإخوانية ". وهي نسخة فريدة لا تحمل اسماً لمؤلف ولا عنواناً ولا اسماً لناسخ، وأطلق عليها المحقق: المخطوطة الفريدة، أو مخطوطة سوق العفاريت.
إن المخطوط القديم الذي يعثر عليه بالصدفة في خزانة قديمة، أو على الأرصفة حيث تباع الكتب القديمة، أو في سوق الكتب القديمة، أو يعثر على مخطوطات أثرية وكتب تراثية أثناء التنقيب عن الآثار، أو حتى مخطوط حديث يسلمه صاحبه إلى روائي صديق، أو قد يكون مخطوطاً اسطورياً يدخل في الإطار العجائبي، أو قد نكون حكايات سمعها من الآخرين، وهذا ما فعله نجيب محفوظ في روايته " أولاد حارتنا ": " هذه حكاية حارتنا أو حكايات حارتنا، وهو الأصدق. لم أشهد من وقائعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته، ولكني سجلتها جميعاً كما يرويها الرواة وما أكثرهم، جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات، يرويها كل كما يسمعها في قهوة حيه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال، ولا سند لي فيما كتبت إلا هذه المصادر ". إنها تنويعات كثيرة تستلهم " المخطوط القديم " قد تكون لأسباب ذاتية: الروائي ليس هو كاتب الرواية، وبالتالي غير مسؤول عما جاء فيها خاصة إذا كانت تعالج قضية إشكالية سياسية أو دينية. أو قد تكون لأسباب موضوعية: حيث يمكن أن يتحايل على التاريخ في الرواية التاريخية، أو على الواقع في الرواية الاجتماعية، حيث يمكن أن يقدم أيديولوجيته من خلف قناع. وعلى كل حال فإن هناك من الكتاب من يستخدم المخطوط القديم الروائي الصيني داي سيجي، الذي كتب رواية بعنوان " خلال ليلة لم يطلع فيها القمر " ويقول إن هذا العنوان أول جملة من قصة قصيرة تم سرها من خلال مخطوط ملفوف ضاع جزء منه. وهذا المخطوط الملفوف كان ملكاً للعديد من الأباطرة، وأعيد تنقيحه من طرف مثقف، البروفيسور تانغ لي الذي هو مؤلف الرواية داي سيجي. وعن بورخيس يقول إيتاليو كالفينو " آخر ابتكار لنوع أدبي جديد في زماننا، حققه سيد الشكل القصير خورخي بورخيس الأرجنتيني.. الفكرة التي خطرت بباله هي أن يتظاهر أن الكتاب الذي يود كتابته قد كتب سلفاً من قبل شخص آخر، كاتب مجهول مفترض، كاتب في لغة وثقافة مختلفين، وأن مهمته هي وصف ومراجعة الكتاب المخترع. وتعد جانباً من أسطورة بورخيس، تلك الطرفة التي حدثت حين كتب أول قصة فذة وفق هذه الصيغة: مقاربة للمعتصم، ونشرها في مجلة سور في العام 1940، فاعتقد النقاد أنها مراجعة لكتاب كتبها مؤلف هندي ". وأخيراً من الروائيين الذين يهتمون بالمخطوط القديم أو أوراق عثر عليها بالصدفة الكاتب والروائي الايطالي أمبرتو ايكو، وهو يقول في روايته " جزيرة اليوم السابق ": " لو أردت أن أصنع من هذه القصة رواية، لأثبت مرة أخرى أنه لا كتابة من غير عودة لمخطوط وقع العثور عليه ".

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية