ما التحديات الاقتصادية التي ينبغي على الحكومة الجديدة بعد انتخابات اكتوبر 2021 معالجتها ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 10 / 14

مر الاقتصاد العراقي ببعض الصدمات التي أضرت بالبنية التحتية لمؤسساته ودمرت ممتلكاته اضافة الى انهيار الصناعة والزراعة والسياحة والتعدين ومعظم القطاعات الاقتصادية بسبب الاحتلال الامريكي وسياسات الحكومات المتعاقبة الفاشلة منذ 2003 واحتلال داعش لثلث الأراضي العراقية وانخفاض اسعار النفط في الأسواق العالمية وتفشي الفساد الكبير بكافة اشكاله وغيرها من الأسباب , والتي ادت الى ان يعاني العراق من ازمة اقتصادية كبيرة انعكست سلبا على شؤون البلاد. وعلى الرغم من ان العراق يعد اغنى تاسع بلد في العالم بموارده الطبيعية من نفط وغاز طبيعي حيث بلغ احتياطي النفط العراقي الثابت حوالي ( 150 ) مليار برميل ما يجعله ثاني اكبر خزان نفطي في العالم بعد السعودية . كما انه يمتلك ثروة معدنية مختلفة مع توفر المياه وخصوبة الأرض , الا ان هذه الثروات غير مستغلة بالشكل الأمثل بسبب الفساد المالي والاداري والاقتصادي والتخبط الحكومي والفشل في التخطيط مما اعاقه عن تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعبنا.
يتميز اقتصادنا الوطني بعدة ملامح تحتاج الى معالجة جادة ومسؤولة : فهو اقتصاد ريعي بامتياز وحيد الجانب يعتمد على عائدات النفط الخام المصدر الى دول العالم وبنسبة 95 في المائة ولا يفكر حتى بتصنيع النفط الخام وتحويله الى منتجات نفطية لسد الحاجة المحلية وتصدير الفائض للخارج والتي تكون اسعارها اعلى من سعر برميل النفط الخام . كما انه وعلى الرغم من توافر المياه بكثرة داخل الاراضي العراقية الا انها لم تستغل اقتصاديا نتيجة تدهور احوالها وعدم وضع الحلول لمعالجة اوضاعها . كما ان الاقتصاد العراقي يتميز بأنه اقتصاد استيرادي يستورد كل شيء مع اهمال القطاعات الاقتصادية الاخرى غير النفطية من زراعة وصناعة وسياحة وتعدين ونقل وغيرها , اضافة الى انه اقتصاد استهلاكي وليس انتاجيا .
لقد عصفت عدة عوامل بالبنية التحتية للبلاد كالاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 ودوره في تدمير البنى التحتية تدميرا هائلا من طرق وجسور ومباني حكومية ومعامل ومشروعات ومؤسسات تعليمية ومدارس وسرقة كل شيء يعود للدولة العراقية وتهريبه للخارج . كما شهدت الفترة من 2003 – 2006 مستويات متدنية لمقاييس المؤشرات الاقتصادية الكلية مثل البطالة التي تراوحت نسبتها بين 30 – 35 % والتي ادى استفحالها الى انتفاضة الجماهير الشعبية في بغداد والبصرة ومدن الجنوب ومحافظات العراق الاخرى مطالبة بتوفير فرص العمل وتحسين خدمات الماء والكهرباء وغيرها من الخدمات .الا ان الحكومة ( الديمقراطية ) واجهت المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والهراوات والاعتقالات الكيفية الغير قانونية والاغتيالات. كما استشرى الفقر وتعطلت معامل القطاع الصناعي كافة اضافة الى تدمير القطاع الزراعي , اما معدل التضخم فبلغ اعلى مستوى له في عامي 2006 و2007 ليسجل ما نسبته 53,2 % و 30,8 % على التوالي نتيجة لتدهور الوضع الأمني والاختلال الهيكلي بين القطاعات الاقتصادية. وهذه الأوضاع السلبية تتطلب وقفة جادة وحلولا جذرية من الحكومة الجديدة. كما يواجه العراق العديد من التحديات الكبيرة التي تتطلب مواجهتها وضع الحلول الناجحة لها واهمها :
الركود الاقتصادي وقلة التمويل , آفة الفساد والسرقات , سيطرة الميليشيات والاحزاب المتنفذة على واردات العراق والمنافذ الحدودية , البطالة المتفاقمة وخصوصا بين الشباب اصحاب الشهادات العليا وخريجي الكليات والمعاهد وغيرهم . السكن العشوائي وازمة السكن وارتفاع الايجارات , ازمة الكهرباء والماء الصالح للشرب . خدمات التعليم والصحة وضرورة توسيعها لتشمل الريف والمدينة والمحافظة على مجانيتها. الملف النفطي الذي يعتبر من اكثر الملفات غموضا في الاقتصاد العراقي حيث لم يتم اطلاع الرأي العام على العقود التي تبرمها الوزارة . وبلغت خسائر العراق من تهريب النفط منذ سنة 2003 قرابة 120 مليار دولار , علما ان موضوع تهريب النفط في تزايد مستمر في ظل سلطة الميليشيات وتدخلاتها , كما ان للمنافذ الحدودية والفساد المستشري فيها دورا اساسيا في هذه الازمة حيث اصبحت المنافذ الحدودية في العراق آفة ينخر فيها الفساد وتسيطر عليها مافيات مختصة حيث تقوم بنهبها, ويقوم المتنفذون في هذه المنافذ بابتزاز التجار وتمرير بضائع غير صالحة وغيرها من الاساليب التي جعلت من المنافذ مرتعا كبيرا للفساد المالي والاداري .
ومن ابرز التحديات الاخرى التي تواجه الاقتصاد العراقي هي ارتفاع ديون العراق التي تفاقمت كثيرا ولا زالت تتزايد حيث توزعت بين اقتراض ومتأخرات وديون شركات نفطية كان من المفترض ان يساعد التعاقد معها على تحسين الاقتصاد العراقي لا زيادة تدهوره , علما ان هذه الديون الكبيرة تذهب الى جيوب الفاسدين ولم يستفد الشعب والبلد منها شيئا يذكر , اضافة الى ملف الفساد الكبير والبطالة وملف تهريب النفط, اضافة الى ذلك فإن العراق يخسر سنويا (5) مليارات دولار بسبب نفط كركوك بسبب عدم تصديره عبر الانبوب الناقل عن طريق اراضي اقليم كردستان , والعراق بحاجة الى تطوير او اعادة تطوير حقول النفط لزيادة قدرة الانتاج وتركيب محطات معالجة الغاز لتعزيز انتاج الغاز وتوسيع البنى التحتية للضخ والتخزين في جنوب البلاد لتعزيز القدرة التصديرية , واعادة بناء المصافي المتضررة وخصوصا مصفاة بيجي وتحديث محطات الطاقة للتحول الى الغاز الطبيعي .
لقد حل عام 2018 وقارب على الانتهاء والبلد محمل بأعباء الديون والتي تقدر بمليارات الدولارات , وحجم الدمار الذي خلفته العمليات العسكرية ضد داعش الارهابي , اضافة الى ما يحتاجه العراق من اعادة اعمار المدن المحررة من داعش واعادة المهجرين الى ديارهم واعادة اعمار هذه المدن وبناء المشاريع فيها ولكن كيف ستكون الأوضاع في ظل سيطرة مافيات الفساد والأحزاب المتنفذة التي لا يهما الاعمار بقدر ما تهمها مصالحها الذاتية الضيقة ؟ وسيخسر العراق صفقات ومشاريع الاعمار الفاسدة والتي تعتبر هدرا للمال العام واحد المنابع الرئيسة للسراق في نهب اموال البلاد . ولغاية الان لم تقدم كل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 سياسات اقتصادية ناجحة وفاعلة لتوزيع مصادر ايرادات الموازنة وتطوير البلاد اقتصاديا واجتماعيا ومعالجة البطالة والفساد والازمات الاقتصادية التي تواجه البلاد وتميز نهجها في ادارة شؤون البلاد بالفشل الذريع.
منذ التغيير في 2003 والى اليوم لم تعالج المشاكل الرئيسة في الاقتصاد العراقي وبقيت الخسائر تتراكم حتى عام 2014 واحتلال داعش للموصل وثلث الأراضي العراقية وتوجه الحكومة لمحاربة داعش الذي كلف خزينة الدولة اموالا طائلة , ومنذ منتصف 2014 أدى هبوط اسعار النفط لأكثر من 50% بدأت ملامح أزمة مالية في الاقتصاد العراقي تلوح في الافق بسبب اعتماده المفرط على ايرادات النفط التي انخفضت كثيرا وعدم تنويع مصادر الدخل القومي , وبدأت الحكومة مسيرة العلاج التقشفي منذ منتصف 2015 لتقليل النفقات , وبسبب العجز المالي الكبير في الموازنة بدأت الحكومة بالاقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين وهذه الأموال ستصبح عبئا في تسديدها فيما لم تعالج الحكومة المشاكل الجذرية لاقتصاد البلاد وفي حال عدم تمكن العراق من تسديد ديونه الى المؤسسات الرأسمالية الدولية فإنها ستتدخل بكل صغيرة وكبيرة في الشأن العراقي اضافة الى انها لا تمنح قروضها للبلدان الا بعد الموافقة على تطبيق وصفاتها الجاهزة .
كما ان من التحديات الاخرى التي تواجهها الحكومة العراقية المقبلة هي التهديدات التي تمثلها بعض القبائل للاستثمارات والتي قد تصل لحد اختطاف المستثمرين وابتزازهم وتهديدهم بالسلاح في ظل الموقف الضعيف والمتفرج للحكومة مما يؤدي الى تعطيل الاستثمارات وهروب المستثمرين وبالتالي يؤدي ذلك الى ضعف النمو الاقتصادي , والعراق دولة ذات فرص استثمارية كبيرة ولكن ينبغي وضع حد لتدخلات العشائر وتهديها وابتزازها للمستثمرين والعمل على حصر السلاح بيد الدولة وتوفير الحماية من قبل الحكومة للمستثمرين , كما يجب تشريع قانون صارم ضد المجرمين لوقف استخدام الاسلحة ووضع حد للتهديدات القبلية لفتح ابواب الاستثمار .
فهل تستطيع الحكومة العراقية الجديدة مواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق ووضع البرامج والخطط الاقتصادية من اجل القضاء على الفساد الكبير وتقديم الفاسدين للمحاكمة لينالوا جزاءهم واسترجاع الاموال المنهوبة , ومكافحة البطالة والخلاص من الاقتصاد الريعي الوحيد الجانب والاقتصاد الاستيرادي والاستهلاكي وتحويل البلد الى بلد منتج ومصدر وتحقيق التقدم الاقتصادي الاجتماعي وبناء الدولة المدنية الديمقراطية , دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية . وان نجاح الحكومة المقبلة يعتمد على حل التحديات التي تواجهها وبخلافه ستكون كباقي الحكومات الفاشلة التي سبقتها .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية