قراءات في كتاب - الثروة، الفقر والسياسة- العزلة، الامراض، الموقع- (7)

خسرو حميد عثمان
2021 / 10 / 14

الفصل الرابع -2
العزلة Isolation
العزلة من العوائق الشائعة للمجموعات المتأخرة في جميع أنحاء العالم، سواءً في القرى الجبلية، في الجزر البعيدة عن البر الرئيسي، أو عندما تُعيق الصحاري الوصول إلى بقية العالم. تُساهم ندرة الحيوانات في عزل الأشخاص الذين يعيشون في بيئة مشابهة أيضًا. بالإضافة إلى وجود عوائق أمام الاتصال بالعالم الخارجي، فإن شعوب إفريقيا- جنوب الصحراء واجهت عوائق كبيرة للتواصل فيما بينها. ندرة الممرات المائية الصالحة للملاحة واحدة من تلك العوائق. أدت وجود الوديان المتصدعة والغابات إلى تفتيت وتشتت العديد من الشعوب الأصلية. انتشار ذُبابة "التسي تسي"، الحاضنة لمرض مميت للحيوانات، في معظم مناطق إفريقيا الاستوائية، سببت في ندرة حيوانات الحمل، عائق آخر يُضاف إلى العوائق الاخرى التي تَحُول دون التنقل والتجارة البينية وتبادل الزيارات أو البضائع. إن العادة الإفريقية الملونة للأشخاص الذين يلفون رؤوسهم بِحِزَم ملونة علامة مؤلمة لواقع قاتم حيث يوجد عدد قليل من حيوانات الحمل والجر؛ الخيول، الجمال، البغال والحمير التي باستطاعتها أن تجر عربات أو تحمل حمولات أكثر بكثير وبكفاءة أكبر من البشر.
من العوامل الثقافية الأخرى التي أدت إلى تشتت الشعوب في أفريقيا الاستوائية تعدد اللغات بشكل لا يتناسب مع حجم السكان. على الرغم من أن عدد سكان إفريقيا أكبر بحوالي 50 في المائة من سكان أوروبا، لكن لدى الأفارقة حوالي تسعة أضعاف عدد اللغات الأوروبية. لديهم حوالي 90 في المائة من عدد لغات الآسيويين، الذين يفوقونهم عددًا، بما يقارب من أربعة مرات. التنوع اللغوي الشديد ليست علامة على العزلة الاجتماعية والتجزئة الثقافية، بل يساهم في خلق الحواجز التي تفصل بين الشعوب الأفريقية، وعن العالم الخارجي ايضاً.
لم تكن العزلة مطلقة، سواء في نصف الكرة الغربي أو في أفريقيا- جنوب الصحراء الكبرى، لكن الفضاءات الثقافية لم تكن على الإطلاق قابلة للمقارنة من حيث السعة مع تلك الموجودة في أوروبا، آسيا أو شمال إفريقيا. كان واقع السكان الأصليين لأستراليا قبل وصول الأوروبيين في القرن الثامن عشر هو العزلة الأكثر شدة، في بيئة غير واعدة من الناحية الجغرافية.
كانت حيوانات الحمل في أستراليا غير موجودة تمامًا في أستراليا عندما وصل البريطانيون، ولم تكن موجودة في معظم أرجاء نصف الكرة الغربي عند وصول الأوروبيون في القرن الخامس عشر، باستثناء حيوانات اللاما Ilamas في جبال الأنديز، حيث تم استخدامها كحيوانات للتعبئة. ومع ذلك، لم يكن حجم اللاما كبيراً بما يكفي لركوبها مثل الخيول. تفتقر أستراليا إلى حيوانات المزارع مثل الأبقار، الماعز أو الأغنام أيضاً.
كانت في أستراليا حواجز جغرافية خطيرة أخرى. في العصور التي سبقت وسائل النقل الحديثة، كانت هذه الجزيرة الشاسعة معزولة في نصف الكرة الجنوبي، بعيدًا عن البر الرئيسي لآسيا، وأكثر بعدًا عن القارات المأهولة الأخرى. كان جزءً كبيرًا من تربة أستراليا قليلة الخصوبة، بالإضافة الى المناطق الصحراوية الشاسعة. كانت نسبة هطول الأمطار أقل مما يمكن الاعتماد عليها في المناطق الداخلية من أستراليا عنها في أفريقيا -جنوب الصحراء الكبرى، مع شهورها الطويلة بدون مطر، تليها هطول أمطار غزيرة. في الصحراء الداخلية الشاسعة في أستراليا، كانت هناك سنوات من دون هطول أمطار، تليها أمطار غزيرة في الصيف. هذه بيئة لم تكن مواتية للزراعة أو نمو الغطاء النباتي البري، باستثناء المناطق الساحلية.
بالعودة إلى الأزمنة التي شاعت خلالها التحدث حول الإنجازات التي حققتها شعوب مختلفة، توصلت دراسة علمية جغرافية للعالم إن السود في إفريقيا، "ككل، يحتلون مرتبة اقتصادية وثقافية أعلى من الأجناس السوداء في أستراليا و ميلانيزيا Melanesia*". عندما وصل الأوروبيون إلى أستراليا في القرن الثامن عشر، وجدوا أن السكان الأصليين يفتقرون إلى الحديد رغم وجود عدد من أكبر رواسب خام الحديد في العالم في أستراليا، في الوقت الذي استخدم السكان الأصليون في أفريقيا -جنوب الصحراء الحديد قبل أكثر من ألف عام. لم يكن للجغرافيا دور المورد التلقائى للثروة الطبيعية، الأهم من ذلك كمسهل أو عائق أمام فضاء ثقافي أوسع، يساهم في اكتساب المعارف الضرورية لتحويل "الموارد الطبيعية إلى ثروة".
كان السكان الأصليون الأستراليون يفتقرون إلى المعرفة بتربية الحيوانات وأنواع كثيرة من الزراعة التي كانت معروفة لشعوب إفريقيا - جنوب الصحراء، من بين الشعوب الأخرى في المناطق الجغرافية التي لديها المتطلبات المادية الأساسية لاكتساب هذه المعرفة أو تطويرها. لم يُعزي أحد تأخر السكان الأصليين الأستراليين إلى الجينات.
ووفقًا لمقالة جغرافية نُشرت عام 1911 حول افتقار السكان الأصليين للمعرفة بالأشياء المعروفة للآخرين "يجب أن يُعزى إلى عزلتهم"، كما كان الحال أيضًا بين "سكان جزر الكناري الأصليين" - الذين كانوا قوقازيين. كان يُنظر إلى المشكلة الأساسية للسكان الأصليين الأستراليين على أنها بسبب جغرافية أستراليا. عندما وصل الأوروبيون "قدمت أستراليا مشهدًا فريدًا لقارة بأكملها مع سكانها الذين كانوا محتجزين في ملزمة الطبيعة vise of nature" وهي "الأرضية الكلاسيكية للتخلف". كتب عالم جغرافي آخر في عام 1924"أستراليا، حيث الإنسان البدائي في أدنى مستوياته"، لكنه أضاف أن شعبًا خضع لمثل هذه "البيئات من الصعب توقع تطوره بشكل كبير".
شملت عزلة أستراليا الحيوانات و البشر معاً. لم تكن أي من حيوانات آسيا موجودة في أستراليا - وهي أقرب قارة إليها. عندما وصل البريطانيون في القرن الثامن عشر كانت الحيوانات الشائعة في أجزاء أخرى من العالم، مثل الدببة، القرود، والحيوانات ذات الظلف وأنواع مختلفة من القطط - من القطط المنزلية إلى الأسود والنمور - غير موجودة في أستراليا، وكذلك الماشية؛ الأغنام والماعز.
لم تكن الحيوانات الأسترالية مثل الكنغر والكوالا موجودة أصلاً في أي مكان آخر. معظم الأشجار في أستراليا كانت من عائلة الأوكالبتوس، التي لا تنتمي إلى أي مكان آخر. كانت أنواع كثيرة من النباتات والطيور وأسماك المياه العذبة فريدة أيضًا في أستراليا. كانت لأستراليا عالمها المنفصل بيولوجيًا، إلى حد ملحوظ، لآلاف السنين،.
تعكس عُزلة نباتات وحيوانات القارة فكرة ما عن عُزلة البشر. تشير الأدلة المتعددة إلى أنها أرض معزولة وشعب منعزل. كان هناك دليل مماثل على العزلة المطولة في جزر الكناري، حيث كانت هناك مئات النباتات الفريدة في تلك الجزر، وتخلفًا مشابهًا لتلك الموجودة عند السكان الأصليين الأستراليين، على الرغم من أن المجموعتين مختلفتين عرقياً وتتواجدان على بعد عدة آلاف من الأميال.
في أستراليا، كما هو الحال في نصف الكرة الغربي، أدى وصول الأوروبيين إلى إكثار أصناف الحيوانات الأوروبية عن طريق التلقيح الاصطناعي- والأهم من ذلك، نقل المعرفة الأوروبية إليها، التي تم جمعها من مناطق جغرافية أكبر بكثير، شكل عالم ثقافي أكبر بكثير من ذلك المتاح للسكان الأصليين لأستراليا.
تجنب الأوروبيون إلى حد كبير الصحراء الداخلية الشاسعة لأستراليا واستقروا في المقام الأول حول الحواف الساحلية للقارة، وغالبًا ما تركزوا في المدن التي يمكن إمدادها بالطعام من المنتجات الزراعية التي تم تطويرها في أماكن أخرى من العالم - بصحبتهم الحيوانات الأليفة التي تم إحضارها من أوروبا - مدن لم تكن ملائمة لحياة الصيادين كما كان الحال مع السكان الأصليين. راقب تشارلز داروين خلال رحلته التاريخية حول العالم في أوائل القرن التاسع عشر سكان استراليا الاصليين، وخلص إلى أنهم " بعيدون عن كونهم كائنات متدهورة تمامًا بخلاف ما كان يتم وصفهم عادةً". قال إن لديهم "حصافة رائعة" في تتبع الحيوانات أو البشر، وبعض الملاحظات المنسوبة إليهم "أظهرت حدّة كبيرة تجاههم".
تم تعويض انخفاض خصوبة الكثير من التربة الأسترالية، باستثناء الحواف الساحلية، من خلال وجود موارد طبيعية غنية، بما في ذلك خام الحديد والتيتانيوم أيضاً، مما جعلت من أستراليا المُصَدر العالمي الرئيسى لهما. ولكن التي كانت تمثل موارد طبيعية للأوروبيين لم تكن موارد طبيعية للسكان الأصليين الأستراليين، بسبب إفتقارهم إلى المعرفة العلمية التي نشأت وتطورت على مر القرون في عالم ثقافي يمتد عبر مساحات الأراضي الشاسعة في أوراسيا بما في ذلك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الأمراض DISEASES
لا تشكل الأمراض مظاهر عرضية عابرة في الحياة. تشير التقديرات إلى أن جائحة الإنفلونزا في 1918-1919 حصد أرواحًا أكثر من الحرب العالمية الأولى المعاصرة، وهي الحرب الأكثر تدميراً وفتكاً في التاريخ في ذلك الوقت. أثرت الأمراض بدورها على مجرى التاريخ أيضًا.
عرف الأوروبيون بوجود إفريقيا منذ آلاف السنين، قبل اكتشافهم لنصف الكرة الغربي. رغم ذلك، تم إنشاء الإمبراطوريات الأوروبية في نصف الكرة الغربي قبل مئات السنين من بدء "التدافع من أجل إفريقيا" في أواخر القرن التاسع عشر، أدى إلى قيام إمبراطوريات استعمارية أوروبية امتدت عبر القارة الإفريقية برمتها. كانت للأمراض علاقة كبيرة بالمصائر المختلفة لجميع مناطق العالم. معظم المعنيين من الاوروبيين كانوا لا يعرفون شيئا عن الكائنات الحية الدقيقة Microorganisms أثناء غزواتهم في نصف الكرة الغربي. على النقيض كانت الكائنات الحية الدقيقة الى جانب الشعوب الأصلية في أفريقيا الاستوائية.
إن الكون الثقافي الأكبر للأوروبيين، مقارنةً بالعديد من شعوب نصف الكرة الغربي، كان يعني، أيضًا، كونًا مرضيًا أكبر بكثير. شقت الأمراض المستوطنة في آسيا طريقها مرارًا وتكرارًا إلى أوروبا، عبر طرق التجارة، جنبًا إلى جنب مع البضائع عبر آلاف الأميال من طرق أوراسيا، وعن طريق التجارة المنقولة بحراً كذلك. نقلت هذه التجارة الدولية الأمراض معها من آسيا، وخلقت أوبئة في أوروبا قضت، من وقت لآخر، على أعداد كبيرة من الأوروبيين - من ثلث إلى نصف السكان في أجزاء من أوروبا أثناء تفشي الطاعون الدبلي bubonic plague في القرن الرابع عشر. لكن الناجون من هذه التوغلات الوبائية المدمرة للأمراض الآسيوية طوروا مناعة بيولوجية لتلك الأمراض، إلى جانب مناعتهم ضد الأمراض المنتشرة أصلا في أوروبا.
عندما واجهت الأعراق الأوروبية مع السكان الأصليين بعضها البعض في نصف الكرة الغربي، سواء في الحروب أو في السلم، فإن الكائنات الحية الدقيقة التي لم يعرف أي من الطرفين عنها شيئاُ أهلكت الشعوب الأصلية، في حين لم يكن الأوروبيون عرضة للإصابة بأمراض نصف الكرة الغربي تقريبًا، على الرغم من بدء مرض الزهري بالانتشار في أوروبا بعد عودة البحارة الأوروبيين الأوائل من نصف الكرة الغربي.
بمجرد أن استوطنت الأمراض الأوروبية بين السكان الأصليين في نصف الكرة الغربي، انتشرت هذه الأمراض في مجتمعات أصلية بأكملها، انتقلت حتى إلى الأشخاص الذين لم يكن لديهم اتصال مباشر بالأوروبيين. عندما كان جيش بيزارو Pizarro يسير باتجاه عاصمة الإنكا Inca، كان الناس الذين لم يروا أوروبيًا من قبل يموتون من أمراض أوروبية داخل تلك العاصمة. قِيل عن كاهن إسباني تجول كصديق وديع بين الشعوب الأصلية في نصف الكرة الغربي ، كمبشر ديني، يُحتمل أنه كان مسؤولاً عن عدد كبير من الوفيات منهم أكثر من ضحايا أكثر الغزاة وحشية. كان من المألوف، في أجزاء من نصف الكرة الغربي، القضاء على نصف قبيلة معينة من السكان الأصليين أو أكثر بسبب الأمراض الأوروبية التي لم يكن لديهم مقاومة بيولوجية لها.
كانت الأمراض الاستوائية، في أفريقيا -جنوب الصحراء الكبرى، مميتة للغاية بالنسبة للغرباء لدرجة أنه في وقت من الأوقات، قيل أن متوسط ​​العمر المتوقع للرجل الأبيض في أفريقيا الاستوائية كان أقل من عام واحد. لا يوجد جزء من أوروبا في المناطق المدارية، وكان تعامل الأوروبيين مع الشعوب الأخرى إلى حد كبير في المناطق المعتدلة، لذلك لم يكن لدى معظم الأوروبيين سوى فرصة ضئيلة لتطوير المقاومة البيولوجية للأمراض المدارية. لكن بعد تقدم العلوم الطبية إلى النقطة التي تمكنها من التعامل مع أمراض المناطق المدارية الفتاكة - إما عن طريق علاجها أو منعها من خلال تدابير الصحة العامة - عندها تمكن الأوروبيون إنشاء إمبراطورياتهم في أفريقيا الاستوائية جنوب الصحراء. تشير السرعة التي اكتمل خلالها الأوروبيون احتلالهم لإفريقيا الاستوائية إلى أن المقاومين الافارقة لم يكونوا مرعوبين بقدر الكائنات الحية الدقيقة غير المرئية التي أوقفت الغزاة الأوروبيين لعدة قرون( يُلمح الكاتب بهذه الملاحظة إلى قوة تأثير المبيدات للقضاء على هذه الكائنات الحية الدقيقة). مرة أخرى يتوضح: لا تحدد بيئة معينة نتيجة ثابتة بمرور الزمن، بسبب تفاعلاتها مع المعرفة البشرية المتغيرة - في هذه الحالة، المعرفة الطبية.
ساهمت الأمراض في عزل شعوب أفريقيا الاستوائية بعضها عن البعض، بسبب الآثار المدمرة للأمراض التي تنقلها ذبابة "التسي تسي" على الحيوانات التي لولاها لتحملت هذه الحيوانات أعباء مفيدة، كان من الممكن أن تساعد في ربط الشعوب المختلفة، ولعبت أدوارًا مفيدة في الزراعة والتجارة.
كان الوضع في شمال وجنوب المناطق الاستوائية مختلفًا جدًا عن ما كان في إفريقيا. بدأ الأوروبيون في الاستقرار فيما يُعرف الآن بجمهورية جنوب إفريقيا - التي تقع الغالبية العظمى من أراضيها في المنطقة المعتدلة من نصف الكرة الجنوبي - في منتصف القرن السابع عشر. دمج الرومان في العصور القديمة، الكثير من مناطق شمال إفريقيا، الواقعة في المنطقة المعتدلة من نصف الكرة الشمالي، داخل إمبراطوريتهم. بسبب عدم وجود حاجز حاسم للأمراض بين الأوروبيين والأفارقة شمال حوض البحر الأبيض المتوسط ​، سارت الفتوحات في جميع الاتجاهات خلال فترات مختلفة من التاريخ. غزا مغاربة شمال أفريقيا إسبانيا في أوروبا خلال العصور الوسطى، واحتفظوا بالسيطرة عليها لقرون، تاركين وراءهم البقايا المادية والثقافية للمجتمع الذي أنشأوه خلال فترة حكمهم.
لم ينحصر فتك الأمراض التي كان الأوروبيين حامليها بسكان نصف الكرة الغربي الاصليين فقط، ثبت بأنها كانت مميتة للشعوب التي واجهوها. قال تشارلز داروين، الذي كتب ملاحظاته خلال رحلته حول العالم:
" يبدو أن الموت يلاحق السكان الأصليين أينما توجه الأوروبي. عندما ننظر إلى مدى أوسع من الأمريكتين، بولينيزيا، رأس الرجاء الصالح، و أستراليا، نجد النتيجة نفسها".
نقل داروين عن مراقبين آخرين في أجزاء مختلفة من العالم، الذين أفادوا بالمثل أن وصول الأوروبيين جلب أمراضًا مميتة إلى السكان الأصليين، حتى عندما لم تظهر أية علامة لهذه الأمراض على الأوروبيون أنفسهم. بعبارة أخرى، كان الأوروبيون حاملين للكائنات الحية الدقيقة المسببة للمرض، لكن مقاومتهم البيولوجية كانت تحميهم. ومع ذلك، لم يكن هذا فريدًا بالنسبة للأوروبيين، حيث أشار داروين إلى أن بعض البولينيزيين** كان لهم تأثير مماثل على الناس في جزر الهند الشرقية. قيل أن نفس الظاهرة يمكن أن تُرى بين الحيوانات أيضًا. وفقًا لمراقب آخر، "الأغنام، التي تم استيرادها عن طريق البحر، رغم كونها في حالة صحية، إذا وضعت في نفس الحظيرة مع الحيوانات المحلية، فإنها غالبًا ما تسبب تفشى المرض في القطيع ".
لم تعد الأمراض موزعة بالتساوي أكثر من العوامل الجغرافية الأخرى حول العالم. رغم كون الملاريا مرض استوائي لكنه كان خطرًا كافيًا في البلدان خارج المناطق المدارية لاجبار العديد من الناس في المناطق المعتدلة على بناء منازلهم على سفوح التلال بعيداً عن السهول، حتى عندما كانت أعمالهم في مزارعهم واقعة في الأراضي أدناه، حيث يوجد البعوض التي قد تحمل المرض مختبئا خلال ساعات النهار ونشطاً في المساء.
كانت الملاريا منتشرة في مناطق البحيرات العظمى في كل من كندا وفي أجزاء مختلفة الولايات من المتحدة، أدت الإجراءات الدفاعية والتدابير الوقائية المختلفة إلى تراجع الملاريا، ولكنها استمرت لفترة أطول في الجنوب، مما كانت عليه المرض في معظم أنحاء الولايات المتحدة حيث يستمر نهر المسيسيبي والعديد من أنهار الأطلسي وساحل الخليج " بالجريان ببطء عبر السهول الساحلية المستوية إلى البحر." .
نظرًا لأن البعوض الحامل للملاريا يتكاثر في المياه الراكدة أو بطيئة الجريان، وهي السمات الجغرافية نفسها التي تجعل الأنهار صالحة للملاحة تجعلها أيضًا مصادر للملاريا في الجنوب، أطول مما هي عليه في معظم أنحاء البلاد الأخرى.
الموقع LOCATION
بصرف النظر عن الخصائص المحددة لموقع معين، يُعَدُ الموقع عاملاً جغرافيًا مهمًا. منح موقع سكن الإغريق القدامى بالقرب من المكان الذي تطورت فيه الزراعة في الشرق الأوسط فرصًا تاريخية استخدموها لتقديم مساهمات فكرية تاريخية للحضارة الغربية والعالم:
تُمثل اليونان أساس الإدراك والفكر الغربيين. إنها تعني العلم والرياضيات، الشك والملاحظة بدلاً من عالم تحكمه قوى فوق الوطنية supranational. اليونان هي مهد البحث الفلسفي الذي لا يزال يشكل التفكير الحديث - من عقلانية أفلاطون إلى التجريبية لأرسطوfrom Plato’s rationalism to Aristotle’s empiricism.. أول الأعمال المسجلة للتقاليد الأدبية الغربية هي القصائد الملحمية لهوميروس هسيود the epic poems of Homer & Hesiod. اخترع اسخيلوس Aeschylus الدراما، وقدم لنا سوفوكليس Sophoclesالتراجيديا، وكان أريستوفانيس Aristophanes والد الكوميديا. وضع هيرودوت وتوسيد يدز Herodotus & Thucydidesنموذجًا لدراسة التاريخ. يُرمز بريكليس Pericles إلى فن الخطابة oratory وأثينا في عصره كانت ينبوع الديمقراطية.
إن تحديد موقع جزر اليابان حيث يمكن الوصول إلى الصين بسهولة عبر المياه يعني أن اليابانيين كانت لديهم إمكانية الوصول إلى حضارة كانت في طليعة التقدم البشري لقرون- وبالتالي تمكنوا تكييف الكتابة الصينية لتكوين حضارتهم الخاصة على سبيل المثال؛ لغة يابانية مكتوبة. هذا يعني أن اليابانيين كانت لديهم فرصة ليصبحوا متعلمين، قبل قرون من الشعوب الأخرى في آسيا أو في أي مكان آخر لم يكونوا بالقرب من حضارة أكثر تقدمًا. ولم يكن لدى المجتمعات الصغيرة المنعزلة نفس الحوافز لتطوير الكتابة بأنفسهم مثل المجتمعات الأكبر والأكثر انتشارًا لها العديد من التبادلات التجارية وغيرها التي حدثت عبر مسافات أكبر خارج نطاق الاتصال اللفظي وحده.
إن مزايا شعوب السواحل على الشعوب الداخلية، أو مزايا شعوب السهول على الشعوب التي تعيش في الجبال، هي مزايا تمنحها الموقع، وهي مزايا شائعة في جميع أنحاء العالم. خلال حقبة الهجرة الجماعية من أوروبا إلى الولايات المتحدة، كان المهاجرون البولنديون من روسيا أو النمسا - ومن بولندا نفسها بعد أن تم تقطيع أوصالها واستيعابها في هاتين الإمبراطوريتين - كانوا عمال غير ماهرة، لكن القليلون نسبيًا من البولنديين المهاجرين الذين كانت لديهم مهارات عمل متخصصة مثل النساجين أو الخياطين أو صناع الخزائن في الغالب من بروسيا، حيث اكتسبوا هذه المهارات بسبب تواجدهم ضمن فضاء الثقافة الألمانية.
خلال حقبة الاستعمار الأوروبي، أعطى الموقع بالقرب من المؤسسات الغربية مثل المدارس تلك الشرائح من الشعب المحتل في مثل هذه المواقع مزايا كبيرة على مواطنيها في المناطق النائية. خلقت الاختلافات المحلية الأخرى مكاسب غير متوقعة أخرى أو خسائر غير متوقعة. في سيلان المستعمرة، على سبيل المثال، أنشأ المبشرون البريطانيون مدارس في الأجزاء الأكثر تفضيلًا من شعب الجزيرة، بينما وجهت السلطات البريطانية المبشرين الأمريكيين نحو الطرف الشمالي الأقل تفضيلًا من الجزيرة، حيث تركزت أقلية التاميل Tamil. نظرًا لتركيز المدارس التبشيرية الأمريكية بشكل أكبر على العلوم والرياضيات، أصبحت أقلية التاميل أكثر كفاءة في هذه المجالات وعملوا بشكل أفضل في المهن التي تتطلب مثل هذا التدريب. تبين من دراسة أن أعضاء أقلية التاميل حصلوا على غالبية درجات A في امتحانات الالتحاق بالجامعة.
في نيجيريا، عاش الإيبوس Ibos في الجزء الجنوبي من البلاد فقير المواهب، وكانوا في يوم من الأيام عبيدًا، لكنهم انتهزوا الفرص التي توفرها المدارس التبشيرية الغربية في منطقتهم، بينما رفضت شعوب الشمال المسلم المدارس التي يديرها المبشرون المسيحيون. ارتقى الإيبوس في أعمال ووظائف: مهنية، إدارية والتجارية التي كانت مسموحة للأفارقة تحت الحكم البريطاني، أكثر بكثير من شعوب شمال نيجيريا - وسيطر الإيبوس على مثل هذه المهن، حتى في شمال نيجيريا.
إن موقع الولايات المتحدة، المعزول بمحيطين عن الحروب التي دمرت أوروبا وآسيا، مكّن الشعب الأمريكي من تطوير أسلوب حياته في سلام نسبي، باستخدام الثقافة التي تطورت في أوروبا دون الاضطرار إلى المعاناة من الدمار التى كانت نتائج حتمية لحروب متواصلة كانت على أسلافهم ومعاصريهم الأوروبيين تحملها أحياناً. على النقيض من ذلك، كانت جزر البحر الأبيض المتوسط ​​مثل صقلية ومالطا تقع في طريق الدول والإمبراطوريات المتصارعة التي قاتلت بعضها البعض، لقرون، على أراضي هذه الجزر وعلى أراضيها، تاركة وراءها إرثًا من التدمير والغزو، والسكان الذين تم تغييرهم ثقافيًا ووراثيًا. لقيت الجزر الصغيرة في مواقع مشابهه في مناطق أخرى مختلفة من العالم مصيرًا مشابهًا.
بريطانيا هي جزيرة الأقرب من بقية الجزر في البحر الأبيض المتوسط الى أقرب قارة؛ أوروبا​​، ولكن بالإضافة إلى كونها جزيرة أكبر بكثير، وبالتالي يصعب التغلب عليها، لم تكن بريطانيا ميداناً لصراع الإمبراطوريات المتصارعة. علاوة على ذلك، شكلت مياه القنال الإنجليزي القاسية أكثر من عقبة أمام الغزات من مياه البحر الأبيض المتوسط ​​الهادئة. لا شيء يوفر حماية مطلقة بالطبع. بعد كل شيء، تم غزو بريطانيا من قبل الرومان في العصور القديمة والنورمان بعد ما يقرب من ألف عام. لكن بعد ذلك أصبحت في نهاية المطاف أمة موحدة ومتقدمة في أعقاب الفتح النورماندي عام 1066م، لم يتم غزو بريطانيا تقريبًا خلال ألف سنة منذ ذلك الحين. ومن فوائد القنال الإنجليزي لبريطانيا في ذلك الوقت عدم ضرورة الحفاظ على حجم كبير لجيش دائم، مثل جيوش الدول في قارة أوروبا، مما جنبت البريطانيون النفقات والمخاطر السياسية للجيوش الدائمة الكبيرة على حد سواء.
لقد كان الموقع مهمًا، ليس فقط لبريطانيا ككل، ولمكوناتها الداخلية أيضاً. كون موقعها قريبًا بدرجة كافية من أوروبا القارية للوصول بسهولة إلى التجارة و نقل التكنولوجيا من جيرانها الأوروبيين، سمح للبريطانيين بالحصول على فوائد من تلك الدول القارية التي كانت لقرون أكثر تقدمًا من البريطانيين. كانت هذه المزايا أكثر فائدة لإنجلترا، وهي أقرب جزء من بريطانيا إلى الساحل الأوروبي. انتقلت هذه المزايا، لاحقاً، إلى أجزاء أخرى من الجزر البريطانية - ويلز واسكتلندا وأيرلندا - كما فعلت مزايا إضافية أخرى عندما بدأت إنجلترا في التفوق على جيرانها القاريين وقيادة العالم نحو الثورة الصناعية.
يمكن أن يعتمد مصير الأجناس والأمم والحضارات بأكملها على ما إذا كانت موجودة في المكان المناسب في الوقت المناسب أو في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. علاوة على ذلك، صفة المكان المناسب أو المكان الخطأ قد تتغير بشكل حاسم على مرالقرون.
(انتهى الجزء الأول. سنبدأ إعتباراً من الحلقة القادمة بقراءة فصول الجزء الثاني من الكتاب:- العوامل الثقافية، الثقافة والاقتصاد، الانتشار الثقافي، الثقافة والتقدم).
الهوامش:
*ميلانيزيا
تضم المنطقة أربع دول مستقلة هي فيجي، فانواتو، جزر سليمان، بابوا غينيا الجديدة، بالإضافة إلى المجموعة الفرنسية الخاصة في كاليدونيا الجديدة، وإندونيسيا (غينيا الغربية)، وتقع معظم المنطقة في نصف الكرة الجنوبي، مع وجود عدد قليل من الجزر الشمالية الغربية الصغيرة غرب غينيا الجديدة الواقعة في نصف الكرة الشمالي.
استخدم اسم ميلانيزيا (باللغة الفرنسية Mélanésie ) لأول مرة من قبل جول دومون دو أورفيل في 1832 للدلالة على المجموعة العرقية والجغرافية المختلفة عن جزر بولينيزيا** وميكرونيزيا. الأمر الأهم هو أن هذا التعبير يجمع بين مجموعتين مميزتين جداً، الأوسترونيسيين والبابوانيين.
اسم ميلانيزيا، مشتق من (اليونانية μέλας)، والتي تعني أسود، و(island)، والتي تعني جزيرة، ويعني الاسم اشتقاقيًا "جزر الناس السوداء" ، في إشارة إلى البشرة الداكنة للسكان.( المصدر: ويكيبيديا)
** البولينيزيون، (بالإنجليزية: Polynesians)‏، يشكل البولينيزيون، مجموعة إثنية لغوية من الأشخاص، المرتبطين ارتباطًا وثيقًا، والذين ينتمون إلى بولينيزيا (جزر في المثلث البولينيزي)، وهي منطقة شاسعة من أوقيانوسيا في المحيط الهادئ. يتتبعون أصولهم المبكرة في عصور ما قبل التاريخ إلى جزيرة جنوب شرق آسيا البحري، ويشكلون جزءًا من الشعوب الأسترونيزية مع الموطن الأصلي في تايوان. يتحدثون اللغات البولينيزية، وهي فرع من عائلة أوقيانوسية، من عائلة اللغات الأسترونيزية. في 2012، كان هناك ما يقدر بمليوني بولينيزي في جميع أنحاء العالم، والغالبية العظمى منهم إما يسكنون الدول القومية البولينيزية المستقلة: (ساموا، نييوي جزر كوك، وتونغا وفيجي، وتوفالو)، أو يشكلون أقليات في بلدان مثل: أستراليا، وتشيلي (جزيرة إيستر) ونيوزيلندا، وفرنسا، (بولينزيا الفرنسية، والس وفوتونا)، وأقاليم المملكة المتحدة، فيما وراء البحار (جزر بيتكيرن)، والولايات المتحدة (هاواي، وساموا الأمريكية). اكتسب البولينيزيون سمعة كملاحين عظماء - وصلت زوارقهم إلى أبعد الزوايا في المحيط الهادئ، مما سمح بالاستيطان في جزر بعيدة مثل هاواي، (جزيرة إيستر)، أوتياروا (نيوزيلندا). أنجز سكان بولينيزيا، هذه الرحلة باستخدام مهارات الملاحة القديمة، لقراءة النجوم، والتيارات، والسحب، وحركات الطيور، وهي المهارات التي انتقلت إلى الأجيال المتعاقبة، حتى يومنا هذا…
قام البولينيزيٌّون ببعض أروع الرحلات المحلية في تاريخ الاستكشاف . فمنذ حوالي عام 2000 ق.م، شرعوا في الإبحار من جنوب شرق آسيا عبر المحيط الهادي الذي يُعدّ أكبر محيطات العالم. وكانت آلاف الجُزر تنتشر داخل هذا المحيط حيث اعتمد البولينيزيٌّون على معرفتهم بالطبيعة لاكتشاف معظم هذه الجُزر . وكلما زاد التعداد السكاني في إحدى هذة الجٌزر، كانوا يبدؤون فوراً بالإبحار للعثور على جٌزر أخرى غير آهلة بالسكان . وقد استمرّت هذة العملية الطويلة الخاصة باستكشاف الجُزر، حتَّى وصلت مجموعة يطلق عليها اسم "ماوري" إلى نيوزيلاندا حوالي عام 1000م.
Wikipedia · Text under CC-BY-SA license

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية