أميركا لَم تُهزَم مِن قبلِ طالبان.

ازهر عبدالله طوالبه
2021 / 10 / 14

"أميركا هُزِمَت في أفغانستان" .
هذا ما قالتهُ كُل تلكَ الجماهير المُتعطِّشة للنّصرِ على أميركا، دونما أن تُفكِّر بتحرُّكاتِ طالبان الحقيقيّة، ودونما أن تُعطي أيّ أهتمامٍ لكُلّ تلكَ المُباحثات التي جرَت بينَ الطرفينِ - أميركا وطالبان- على الأراضي القطريّة، ودونما أن تقِف عند كُلّ تلكَ التّعاقُدات والتّحالفات بينَ الدُّول العالميّة، التي أفضَت إلى أن تقوم أميركا باتّخاذِ قرار الانسِحاب مِن الأراضي الأفغانيّة، والذي سيتّبعهُ الإنسحاب، أو تقليصِ الوجودِ العسكريّ على الأراضي العراقيّة بشكلٍ خاص، والشّرقِ الأوسط بشكلٍ عام ؛ وذلكَ لإدراكهِا بأنَّ التّواجُد العسكريّ ما عادَ يُجدي نفعًا لها، وأنَّهُ باتَ عبئًا ثقيلًا على أكتافِ الإدارة الاميركيّة، وبالإمكانِ استبدالهِ بخُططٍ سياسيّة، تكون بتكلُفةٍ أقَل مِن التّكلفة العسكريّة.

حتى وإن كانَ هذا الأمِر تشوبهُ شوائب متنوِّعة، إلّا أنَّني، ربَّما، اتَّفق مَع مَن يقولونَ بأنَّ الصّراع العسكريّ قَد قادَ إلى نتيجةٍ مؤدّاها انسحاب "أميركا " مِن أفغانستان، ولكن، هُناكَ ثمَّة حُروب أُخرى قِد بدأت بالإشتِعال ؛ ومِن أهمّها الحُروب الاقتصاديّة، والحِصار السياسيّ الذي مورِسَ ويُمارَس على أفغانستان، الذي كانَ وسيكون أكثَر إيلامًا على الأفغانيينَ مِن أيّ شيءٍ آخر، وعلى هذا، هُناك العديد مِن الشّواهِد التاريخيّة، التي لا يسَع المجال لذكرها هُنا .

لذا، وبإعتقاديَ الشّخصيّ، فإنَّ أميركا لَم تُهزَم، وأنّ ما تقوم بهِ، هو أمرٌ لا تقومُ بهِ إلّا لإيمانها بأنَّ النظام العالميّ الجديد، يُحتِّم عليها أن تقومَ بمثلِ هذه التحرُّكات، التي يَحسبها البَعض ذكيَّة، والبعِض الآخر يحسبها ضُعفًا وهوانًا على أميركا، وأن تعملَ جاهدةً على إعادة ترتيب بيتها الدَّاخلي، الذي سيمكِّنها مِن إعادة فرض قوّتها التي بدأت بعض الدُّول التي تُصارعها على زعامة العالَم، تعمَل على زعّزعتها ؛ بل وإضّعافها.

وفي سياقِ الحديث عن ما أُسمّيهِ أنا ب"النَّصِر الهَش"، فإنَّ هذا الكلام، قَد كانَ يُردَّد كثيرًا في ستينيّات القرنِ المُنصَرم، وبالتّحديد في وقتِ الإنسحاب الأميركيّ مِن الأراضي الفيتناميّة، وصحيح أنَّ هُناكَ ثمّة اختلاف كبير بينَ طبيعة الحَرب "الفيتناميّة-الأميركيّة"والحَرب "الطالبانيّة-الأميركيّة"، لكن، ما أودُّ قولهُ هُنا، أنّ العقليّة الأميركية لا تنهَزم بالشّعارات والسيطرَة المُقتضَبة، وإن آمنّا بأنّها هُزِمت، لكنّ، علينا أن نؤمِن بأنَّها لا تستَسلِم، وليسَ هُناكَ ما هو أدلُّ على ذلكَ ممّا جرى آنذاك، أي بعد انسحابها مِن الأراضي الفيتناميّة . حيث أنّها وبعدَ عقدٍ مِن الزَّمن، كانَت قَد عادَت بكامِل قوّتها، وباتّزانٍ أكبَر، ممّا مكَّنها مِن إسقاطِ الحُكم "السّنيدي" في نيكاراجو، ثمّ تبعتهُ بإسقاطِ الاتِّحادِ السّوفيتيّ، الدَّاعِم الأوَّل والأخير للفيتناميينَ في حربهم مع الأميركان، بل لَم تكتفِ بهذا، فقامَت بغزوِ غرينادا، وأسقَطَت حكم "نوريغا" في بنَما، وبمُساعدَة الخونَة مِن العرَب وأغنامها في المنطِقة مِن أنظِمة الدُّول العربيّة، أبدَعَت وتفنَّنت بتدميرِ العِراق، ممّا مكّنها مِن نشرِ مُستعمراتها في كافَة جزيرة العرَب .

الخُلاصة: السيطَرة الطالبانيّة وانسحاب القوّات الأميركيّة، وقلبِ الطّاولة على الدُّول المُجاورة لافغانستان، وأهمّها "الصّين، الهِند، إيران، باكستان"، هي أمور لَم تأتِ إلّا عن تخطيطٍ مُسبَق ما بينَ الطرفين، ولا أتَّفق البتّة مَع كُلّ مَن يرى الأمر بأنّهُ نصرٌ طالبانيّ وهزيمة أميركيّة.

‏وإنَّ التحرُّكات السياسيّة، والمؤتَمرات التي تُعقَد في المنطِقة، ليسَت بمُعزَل عن ما حصلَ وسيحصُل في أفغانستان. فهي بمثابَة سكّة جديدة لقطارِ النّظام العالميّ الجديد، الذي صُنِّع داخِل المصانِع الأميركيّة، والذي لَن تكون محطّاته إلّا محطّات أميركيّة بامتياز، يُشرِف عليها ويديرها كُل نظام سياسي في الشرقِ الأتّعَس، كانَ قد نالَ ‏الرضا والقُبول الأميركي، وأعلنَ قُبوله المُطلَق بالمُخططات الأميركية القادِمة للمنطِقة، والتي عمِلت عليها قيادَة البيتِ الأبيَض مِن خلالِ أذّرُعها في المنطقة، وهي الأنظِمة السياسيّة، التي لا تجرؤ على الخُروج مِن عباءة البيض الأبيض، المليئة بالرُّقَع، بفضلِ النزاعات الداخليّة.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية