كسرة خبز

نادية خلوف
2021 / 10 / 14

قراءة في كتاب الصديق حسن ابراهيمي:
نتشارك أحياناً بأفكارنا ، ونحن نشاهد الفقر والقتل على امتداد الوطن العربي بكل مكوناته ، وقد جاء عنوان الكتاب" كسرة خبز" ليختزل كل ذلك، فالإنسان في الوطن العربي يعيش بالخبز وحده عدا القلة الظالمة.
إنها شذرات تعبر عما يختلج في نفس الكاتب من مخزون الألم الذي سجلّه في ذاكرته عندما يقول:
الموت إسفلت التاريخ، وبكل أزقة الهزيمة تعوي أشلاء يستّف الموتى.. وتتراقص دماء الشهداء.. وبعدما تصرخ تدير الحياة وجهها لبزوغ الفجر.
لا ينسى الكاتب معاناة المرأة فيصف حالها المذري :
نساء استيقظن في قاع القمر... كأوراق نقدية وقفن في رائحة الحليب... يغزلن بالزمان قطعة بياض... يغسلن وجه السماء... يطاردن خيط دخان... بأطلال تغزل دموع الذكريات... تحتسي كؤوس الخراب... وتفتح عيون الناي... لإجلاء جرس يرن بدون ألحان.
مالهذا الزمان العربي ؟ لقد ملآ الحياة ندوباً ، وجعل الحياة موحشة . إنها المعاناة الدّائمة!
خدوش الزمان العصيب ببلادي موحشة... تماما كنوم الأفاعي في أحلام الرَثة... أو كاصطفاف العرق حين يختبر جباه المقهورين
لا شيء هنا سوى رزمة من أقراص صمت.. وعنقود سحب لرفات الغيم... غيرت الأماكن لأقفاص الذكريات.
أما ذلك البحر الذي قذف بأشلاء الللاجئين ، فهو قد قذف بأشلاء الوطن الجريح ، ولا بد لنا أن نعبر البحار حتى لو ضمت أشلاءنا.
في أكياس الهجرة يحمل البحر أشلاء وطن جريح... وبتموجات المخفر يحمل تعبه... ويحمل انكسار الكلمة... وامتداد العبور فوق أشلاء يتقاذفها النسيان... لا شيء هنا يتراءى في فلق القفل سوى انسداد البحر.

كلّما حلمنا بربيع تحوّل إلى خريف فينكسر حلمنا، ويبقى ألم الجياع و المنكوبين .
انكسر الحلم في بصيص الأمل.. وانكشفت عورة صليل نصل
الربيع.. ولم يبق للشمس من ترقص لهم في آخر الشعاع... انتهت المعركة ولم يبق فوق حصير الرماح سوى كسرة حزن وماض عج
بالجياع.
ذلك الدّمار و القتل يستهدف الأبرياء ، وليس من حلّ ، فقط عويل الأمهات يملأ المكان .
لا تبحث الرصاصة إلا عن أنفاس الضحية وحين تنأش دماءها تستوفي ميلاد الشهادة .... فتفرق سياج الهول في ساحة العويل.
فهمنا الدّرس ، ووضعنا إشارة استفهام حول مايحتويه .
انتهت علامة الاستفهام... غير أن السؤال لم ينته بعد... فانتصبت البداية وكأن النهاية مصابة بالجنون... دائما تنجب مولودا مشوها تماما كعسر السؤال.
تستدير الكلمات بلساني... كأنها تلتفت إلى رقيب... يخطو خطوات من ورائها في ظلام دامس... فترتعش الحروف خوفا من محنة اصطدام السواد بالبياض فيدحى ميلاد وشم في جبهة التاريخ.
ولم ينس الكاتب تلك المصيبة التي ابتلينا بها ، وهي الدّين الذي نرتكب باسمه كل المعاصي .
أكلما أتعبتك الدروب يا وطني تعود لتمتطي صراخ الفقهاء... باسم الله نهبتم كل شيء... لكن أبدا لن تفلحوا في نهب النوم في عيون الأبرياء... باسم الله نهبتم خيراتنا... وباسمه لم يبق للأرجوحة أي مكان في أحلام أطفالنا... وباسمه تعب هو إياه في عليائه... فحيثما تمطر تقصوا شعبا ظل يتدحرج خلف فرس امتطاه الله.
سكب الفغر الأرض في إبريق الأسطورة... فعانقت الحرارة
البرودة... وابتسمت لهما الحياة
في كل دائرة لعب تتدحرج أوراق الخريف في شوارع الحكايات... تشيخ في عطر لمشنقة كل هلوسة بالسلم... تدب في أقانيم العبث... ترتدي أوسمة الهزيمة في ساحة الغليان... وتستنهض لُعب وطن ثمل في أحضان السفر بالهتاف
يتابع الكاتب حديثه عن الحريّة وولعه بها:
ببهو الولع بالحرية اعتق منفاي... بدروب ينابيعه أكنسه ...أعاقر كل محرر حين يسيل في شقوق الشمس... ليصلى سلاما لعار وطن وزعته خرائط الأطفال بجدران المذكرات.
بسوط من الطود.. وفي سوق النخاسة يسلخ دهماء الأنام جلد الماء... يرتشفون حطبا في كؤوس من الرماد... يشرعون أبواب الريح بأروقة الهذيان... لاحتضان ابن قيل انه أنجبته النار.
في الحقيقة هي شذرات تنبع من نفس أتعبها رؤية الفقر و الانكسار، تتوق إلى الحرية، وتحتج على الهزيمة، تحاكم الظالم ، هي شذرات تتبع لكسرة خبز يطاردها الفقراء كي يستطيعوا الاستمرار. هذه الشذرات أشبه بالشعر، وفي الحقيقة تمتعت بقراءتها . كم مؤلم ذلك الحال ، وكم قلبك كبير أيها الكاتب ، فأنت تحمل هموم اإنسان ، وبنفس الوقت تتطلع للخلاص . . .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية