شبح الذكاء الاصطناعي في ظل تطور العالم المعاصر

ميمد الشعلان
2021 / 10 / 13

كباحث في أنظمة الذكاء الاصطناعي لدى جامعة هارفارد الأمريكية، لايساورني القلق حيال العواقب غير المقصودة في أنواع الذكاء الاصطناعي التي وصلت إلينا، فمع استخدام التطور العصبي، أصبح من السهل انشاء بيئاتٍ افتراضيةً وتطوير الكائنات الرقمية وتسخير نشاطها العقلي لحل مهامٍ متزايدة التعقيد، ثم يُقيَّم أداء الكائنات واختيار تلك التي تؤدي أفضل إنتاجٍ لتُستخدم على مدى أجيالٍ عديدةٍ. الآن نتخذ خطواتٍ أوليةً لتطوير الآلات التي يمكن أن تقوم بمهام الملاحة البسيطة واتخاذ قراراتٍ بسيطةٍ، لكن سرعان ما ستتطور الآلات لتصبح أكثر ذكاءً وقدرةً على تنفيذ مهامَ أكثر تعقيدًا. نأمل في نهاية المطاف تعزيز مستوى الذكاء البشري. سنجد على طول الطريق الحلول للقضاء على الأخطاء والمشاكل من خلال عملية التطوير. سنحصل مع كلّ جيلٍ على آلاتٍ قادرةٍ على التعامل مع المشاكل بشكلٍ أفضل من الآلات السابقة، ما يزيد فرص وجود نتائجَ غير مقصودةٍ في أساليب المحاكاة، يمكن التغلّب عليها قبل دخول هذه الآلات أروقة العالم الحقيقي. وهناك احتمالٌ آخر هو استخدام التطوّر للتأثير في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكننا إعداد بيئاتٍ افتراضيةٍ لإعطاء مزايا تطويريةٍ للآلات التي تُظهر الجانب الإنساني كاللطف والصدق والتعاطف. ربما هذه وسيلةٌ لضمان تطوّر الخوادم الرقمية كرفقاء جديرين بالثقة وإنقاص عدد الروبوتات القاتلة. في حين أن التطور العصبي قد يقلّل احتمال النتائج غير المقصودة إلا أنه لا يمنع سوء الاستخدام، إلا أن ذلك يُعتبر قضيةً أخلاقيةً وليست علميةً. كباحث يجب أن ألتزم بالحقيقة والإبلاغ عما أجده في تجاربي، سواءً أُعْجِبتُ بالنتائج أم لا! تركيزي ليس على تحديد الأشياء التي تعجبني بل يهمني فقط مقدرتنا على التنقيب عن تلك الأشياء.

بصفتنا باحثين فإننا لم نتوصل بعد إلى فكرةٍ واضحةٍ عما نريد للذكاء الاصطناعي أن يصل إليه! بالطبع، ذلك لأننا لا نعرف حتى الآن ما هو قادرٌ عليه، لكننا نحتاج إلى أن نقرر ماهي النتيجة المرجوة من تقدمه. يولي الناس اهتمامًا كبيرًا للعمل، تستطيع الروبوتات القيام بالعمل البدني والشاق، ولربما يؤدون في يومٍ من الأيام بالمهام المعرفية التي نظنها قاصرةً على العنصر البشري، فبدلًا من الحصول على المساعدة الطبية في غرفة الطوارئ، يمكن أن يفحص المرضى ويشخص أمراضهم نظامٌ خبير مع إمكانية الوصول الفوري إلى جميع المعلومات الطبية التي جُمِعت، كما يمكن أن تأتي المشورة القانونية من قاعدة بياناتٍ لدائرة المعرفة القانونية، وتأتي المشورة الاستثمارية من نظام التنبؤ بالسوق. ربما في يومٍ من الأيام ستقوم الآلات بجميع الوظائف البشرية، حتى أن وظيفتي الخاصة يمكن أن تُجرى أسرع بواسطة مجموعةٍ من الآلات التي تبحث بلا كللٍ في كيفية توظيفها لتصبح أكثر ذكاءً. في مجتمعنا الحالي يتسبب التشغيل الآلي في تسريح عددٍ من الناس من الوظائف، تلك ليست مشكلةً علميةً إلا أنها مشكلةٌ سياسيةٌ اجتماعيةٌ ينبغي علينا كمجتمعٍ حلّها.

إذا استمر الذكاء الاصطناعي في التحسن حتى يتجاوز الذكاء البشري فهل سيجد نظام الذكاء الفائق، أو أكثر من واحد منهم، أنه لم يعد بحاجةٍ للجنس البشري؟ كيف نبرر وجودنا في مواجهة الذكاء الخارق الذي يستطيع القيام بأشياء لا يمكن للبشر القيام بها؟ هل يمكن أن نتجنب محو وجه الأرض بواسطة آلاتٍ ساعدنا في إنشائها؟ والسؤال الرئيسي في هذا السيناريو هو لماذا يجب أن نبقي الذكاء الخارق حولنا؟ أود أن أقول إنني شخصٌ جيدٌ قد ساعدت في إحضار الذكاء الخارق وأود أن أناشدكم الرحمة والتعاطف بأن الذكاء الخارق أبقاني كشخصٍ رحيمٍ متعاطفٍ وعلى قيد الحياة. وأود أيضًا أن أناقش بأن التنوع له قيمةً في حدّ ذاته وأن الكون أكبر من كل تلك السخافات لدرجة أن وجود البشرية فيه ربما لا يهم على الإطلاق. إلا أنني لا أتكلم عن البشرية جمعاء ومن الصعب أيضًا أن أجد مبررًا مقنعًا لنا جميعًا. أستشف خطأً كبيرًا عندما ألقي نظرة حادةً علينا جميعًا، نحن نكره بعضنا، ونشن الحروب على بعضنا، ولا نوزع الغذاء والمعرفة أو المعونة الطبية بمساواةٍ، إننا فقط نلوث هذا الكوكب! هناك العديد من الأشياء الجيّدة في هذا العالم لكن وجود كلّ خطأ يُضعف حجتنا. ولحسن الحظ لا نحتاج إلى تبرير وجودنا حتى الآن، لدينا بعض الوقت ما بين 50 و200 عامًا، وهذا يتوقف على مدى تطور الذكاء الاصطناعي كأنواعٍ يمكن أن تجتمع معًا، والتوصل إلى إجابةٍ جيدةٍ عن السبب في أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يشملنا فقط. إلا أن ذلك سيكون صعبًا، إن القول بأننا نعتنق التنوّع وممارستنا ذلك فعليًا أمران مختلفان، كقولنا إننا نريد إنقاذ الكوكب ونجاحنا في ذلك. نحتاج جميعنا، أفرادٌ ومجتمعٌ، إلى الاستعداد لكافة الاحتمالات الممكنة، وذلك لاستخدام الوقت لشرح ماهية نوع تلك الإبداعات التي يجب أن تسمح لنا بالاستمرار في الوجود أو يمكننا أن نقرر الاعتقاد بأنه لن يحدث أبدًا فينبغي التوقف عن القلق تمامًا، لكن بغض النظر عن التهديدات المادية التي قد تواجه الذكاء الفائق فإنها تشكل أيضًا خطرًا سياسيًا واقتصاديًا، وإذا لم نجد طريقةً لتوزيع ثرواتنا بشكلٍ أفضل فإننا سنعمل على تغذية الرأسمالية بعمال الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي لا يخدم إلا القليل جدًّا ممن يملكون جميع وسائل الإنتاج.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية