معركة القدس - 13/4 الى 21/5/2021

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
2021 / 10 / 13

■ مقدمة
1- في دروس «معركة القدس» وتداعياتها..
2- بين النهوض الجماهيري .. وألغام الإنقسامات
والرهانات الخاسرة
3- في الوضع الراهن واتجاهات العمل
□ ملاحق

مطلع 10/2021


مقدمة
■ في القول إن لـ«معركة القدس» ما قبلها وما بعدها، معانٍ عدة، لعل أهمها، في الحسابات الوطنية الفلسطينية، التأكيد، أن هذه المعركة لم تكن مجرد حدث عابر، فجرته واقعة طارئة، بل كان في واقع الحال، إختماراً لأحداث سبقته، أسهمت، من مواقع مختلفة، في توفير الشروط اللازمة لهبّة جماهيرية، أشعلت نيران الغضب الثوري، ليس في القدس وحدها، رداً على تغولات مشاريع التهويد وطمس المعالم الوطنية لعاصمة فلسطين، وليس في الضفة الغربية وحدها، رداً على تصاعد الأعمال الإجرامية لقوات الاحتلال، وتصاعد أعمال العربدة والسطو على أيدي عصابات المستوطنين، وليس في الـ 48 وحدها، رداً على سياسات التهميش والإقصاء ومصادرة الأراضي والتمييز العنصري، وليس في الشتات وحده، رداً على سياسات رفض الاعتراف بالحقوق المشروعة للاجئين، إن في العودة أو في الحق في حياة كريمة،... بل جاءت معركة القدس، بفصولها المتلاحقة، من مقاومة شعبية إلى مقاومة مسلحة، نتيجة لهذا كله، وتقدمت المعركة، والحال هكذا، بالفعل الوطني الفلسطيني، خطوات كبرى إلى الأمام، رصدتها تحليلات المراقبين وملاحظاتهم ودراساتهم المختلفة، وارتقت في أدواتها النضالية درجات، مستفيدة من الخبرات العميقة التي راكمتها الحركة الكفاحية الفلسطينية على طول مسيرتها النضالية.
وبالتالي يمكن القول، بل يتوجب القول، إن معركة القدس، شكلت حداً فاصلاً بين مساقين، فثمة ما قبلها، وثمة ما بعدها.

■وإذا كان ما قدمناه هو «ما قبلها»، فما هو «ما بعدها»؟! لا شك أن «معركة القدس» أحدثت موازين جديدة في إدارة العلاقات الوطنية، خاصة بين طرفي السلطة، ما عزز الفرقة والتباعد بينهما، بدلاً من إحداث التقارب والتفاهم والتوافق على تثمير إنتصارات المعركة، واستيعاب دروسها الغنية. لكن، وهنا مربط الفرس، أنها جددت طرح مشاريع «السلام الاقتصادي» بديلاً من التقدم نحو الحل السياسي المستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني في العودة والحرية والإستقلال الوطني الناجز. وفي هذا السياق تندرج خطط «بناء الثقة»، و«تقليص الصراع» و«الأمن والهدوء مقابل الإقتصاد»، وغير ذلك من المشاريع الرامية إلى إدامة الاحتلال، باعتماد أساليب وآليات قديمة - جديدة، هي في جوهرها، محاولة لإحلال الحلول الجزئية، الإقتصادية، بديلاً للحل الحقيقي الذي يكفل للشعب الفلسطيني كامل حقوقه الوطنية المشروعة.
■أما المشهد الواجب تسليط الضوء عليه، واعتباره هو الجوهر في ما يمكن اعتباره «ما بعد معركة القدس»، فهو مشهد الحركة الجماهيرية، حاضنة المقاومة بأساليبها وأشكالها المختلفة.
ففي الوقت الذي توقف فيه هدير المدافع، واصلت الحركة الجماهيرية معركتها ضد الإحتلال، لم تقيدها لا مشاريع هنا أو هناك، ولا تقوم حساباتها على أساس معادلات إقليمية أو دولية، بل هي منطلقة من واقع يقول إن المعركة ضد الاحتلال، ليست مجرد فصل دون غيره، بل هي فصول متتالية، فصلاً وراء آخر، في تراكم كمي من أجل الفعل النوعي.
وبالتالي، فإن ما تشهده الضفة الغربية، وفي القلب منها القدس، من مجابهات يومية ضد الاحتلال، وفي أيقونات المقاومة الشعبية في بيتا وبيت دجن، وجنين، والخليل، والبيرة ورام الله، وفي نابلس، وأنحاء أخرى كسلوان والشيخ جراح وغيرها، وما تشهده خطوط التماس مع مناطق الاحتلال في قطاع غزة، كلها مؤشرات على أننا أمام معركة مديدة، بأشكال مختلفة، تضعنا جميعاً أمام مشهد فلسطيني يؤكد، بدون أدنى شك، أن هذا الغليان في المناطق المحتلة، وكذلك في الـ48، وأن هذا التحفز في الشتات، ليس إلا مقدمة لحدث قادم، ليس بالضرورة أن يكرر سيناريو «معركة القدس»، لكنه في كل الأحوال، وبكل تأكيد فصل جديد، من فصول الحرب الوطنية الفلسطينية من أجل الاستقلال.
وهذا ما يملي على القوى الفلسطينية أن تقرأ جيداً ما يعتمل في قلب الحالة الشعبية من غليان. كما يملي على القوى الوطنية أن تستعد لاستقبال إستحقاقات المعركة القادمة، والتي تعتبر «معركة القدس» واحدة من مقدماتها. ولعل أبرز ما يجب فعله لاستقبال هذا الاستحقاق، هو إنهاء الانقسام، وتوفير المبادرات والأفكار البناءة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، بعيداً عن التشتت السياسي والإنقسام المؤسساتي، الذي بات هو العقبة الرئيسية في طريق النهوض الكبير■

■■■
هذه القضايا وغيرها، تتناولها المساهمات الواردة في هذا الملف، إغناءً للنقاش الذي يدور في أكثر من مكان، وعلى غير مستوى، حول «معركة القدس» وما ترتب عليها، كإحدى المحطات الحاكمة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي■
المحرر


في دروس «معركة القدس» وتداعياتها..

(1)
«سيف القدس»، الفصل النوعي الحاسم في «معركة القدس»
■ لم تكن معركة «سيف القدس» إنطلاقاً من قطاع غزة محطة منفصلة عما سبقها من تطورات، بل شكلت «الفصل النوعي الحاسم» في مواجهة إشتعلت نيرانها في الضفة الغربية، بأشكال نضالية مختلفة، كانت شرارتها، بل عنصرها التفجيري الإفتتاحي هبّة «باب العامود» في 13/4/2021.
ففي مواجهة سياسة التهويد، ومحاولات سلطات الاحتلال، طمس معالم القدس، إندلعت في المدينة مواجهات شعبية إمتدت من باب العامود إلى الشيخ جراح، إلى سلوان، إلى العيساوية والعيزرية، إلى الأقصى الذي بقي على مدار الأيام عُرضة للانتهاك على يد عصابات المستوطنين، وشهدت أنحاء الضفة تحركات مماثلة، على أبواب مستوطنة «بيت إيل»، وفي بلدات مختلفة، في بيتا، وكفر قدوم، وبيت دجن، ونعلين، وبلعين، ومحافظات الخليل وجنين وطوباس وسلفيت وسواها.
■ كذلك شهدت الضفة سلسلة عمليات فردية، حملت في طياتها إشارات ذات مغزى، تُنبيء بحالة الغليان التي تعتمل في نفوس المواطنين وتؤشر إلى استعداد الحالة الجماهيرية إلى الاستجابة للإنخراط في كل أشكال النضال، وتقديم التضحيات مهما غلت. ولا شك أن عملية زعترة -2/5/2021 على سبيل المثال، تشكل نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه الحالة الشعبية، لو توفرت لها التعبئة السياسية وآليات التأطير في قيادة وطنية موحدة، تستنهض كل عناصر القوة في ميدان النضال الوطني الفلسطيني، وبالتالي جاءت معركة «سيف القدس» فصلاً نوعياً حاسماً في معركة شاملة، ولم تكن هي بداية المعركة، ولا النار التي أشعلتها، بل إن النار التي أشعلت معركة «سيف القدس» هي نيران الانتفاضة الشعبية التي امتدت على مساحة الضفة الغربية، وفي القلب منها مدينة القدس. فلا غرابة إذن أن تُطلق تسمية «معركة القدس» على المواجهة الكبرى التي امتدت من 13/4 إلى 21/5/2021، وأن نبرز في هذا السياق حقيقة أن المواجهة العسكرية غير المسبوقة في إطار «سيف القدس» كانت فصلاً حاسماً من فصول هذه المعركة.
■ وبالتالي، كخلاصة أولى، المواجهة العسكرية النوعية على امتداد أحد عشر يوماً، إنما تجد سياقها الطبيعي في مجرى المواجهة الأشمل، وكرافعة فائقة الأهمية لاستنهاض الحركة الشعبية المناهضة للاحتلال، أي المقاومة الشعبية الشاملة بكافة أشكالها، وبما يغطي ساحة الحضور الفلسطيني على أرض الوطن- 48 + 67، وبلدان الشتات، كل موقع بحسب إمكانياته وأشكال النضال المتاحة■

(2)
«معركة القدس»: الانتصارات والدروس والاستخلاصات الأهم
■ خضعت «معركة القدس» للدراسة والمراجعة على يد العديد من مراكز القرار في العديد من عواصم العالم، كما لقيت إهتماماً من العديد من أصحاب ومراكز البحث والإختصاص. وقد أجمعت في معظمها على التالي:
1- نجحت المقاومة الفلسطينية في إسقاط نظرية الردع الإسرائيلية، باعتراف كبار جنرالات العدو، الذين دعوا إلى ضرورة إعادة النظر بأوضاع الجيش الإسرائيلي مستفيدين من دروس «معركة القدس». فلم تنجح سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها قوات الاحتلال في ردع المقاومة الفلسطينية، ولا أسلوب «القوة الشبكية» التي تدعي قدرة على تدمير إمكانيات العدو بأقل تكلفة، وفي أقصر وقت ممكن.
وقد أكدت المقاومة قدرتها على نقل المعركة إلى قلب مدن العدو، وتوسع مفهوم «غلاف غزة» ليشمل مساحة الـ48 بأسرها، ما دفع جنرالات العدو إلى «التروي» كثيراً في طبيعة الرد، بما في ذلك تجنب الكأس المرة المتمثلة بخوض المعركة البرية داخل القطاع، بكل ما تنطوي عليه من خسائر ومخاطر. لقد ظل خطر وقوع القتلى في قواته، ووقوع جنوده أسرى بيد المقاتلين الفلسطينيين الهاجس الأكبر لدى الجيش الإسرائيلي، الذي أرَّق القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية، فوجدت أيديها مُقيدة، وبات وقف إطلاق النار هو المخرج. لقد فاجأت المقاومة أجهزة استخبارات العدو بما أفرجت عنه من طاقات قتالية، نقلت قواعد الاشتباك بين المقاومة الفلسطينية وقوات العدو إلى مستوى جديد، بات فيها الردع الفلسطيني جزءاً مؤثراً – وعلى نحوٍ غير مسبوق - من المشهد.
2- نشأ في سياق «معركة القدس» واقع نضالي فلسطيني استراتيجي جديد، حين تضافرت الجهود الكفاحية بكل أشكالها الممكنة، بالمقاومة الشعبية في الضفة الفلسطينية، بالقتال العسكري في قطاع غزة، في ثورة الغضب في مناطق الـ48 (وهي الأحداث التي فاجأت الدوائر الإسرائيلية وما زالت تعيش تداعياتها الكبرى بقلق)، وفي النهوض الجماهيري في مناطق اللجوء والشتات، والتي استنهضت معها قوى سياسية وتيارات شعبية، ومنظمات حقوقية وفعاليات مجتمعية، كما نجحت في استقطاب تأييد قوى كانت إما محايدة، أو حتى قريبة سياسياً من الجانب الإسرائيلي.
وهي المرة الأولى التي تنشأ فيها مثل هذه الحالة منذ الانتفاضة الثانية – 2000 التي شهدت عند اندلاعها سقوط 13 شهيداً من أبناء شعبنا في الـ48. ولا شك أن هذا التضافر في الجهود النضالية، وانخراط تجمعات شعبنا في المعركة، كل من مكانه، وكل بأساليبه الخاصة بالإمكانيات المتاحة، ولَّدَ شعوراً بالانتصار على الاحتلال، على قاعدة أن الجميع كانت له إسهاماته في المعركة، حيث نجح في اختراق الحواجز والحدود، وأعاد تقديم نفسه شعباً واحداً موحداً، يمتلك طاقات نضالية، إذا ما توفرت لها الاستراتيجية الكفاحية الموحدة، أصبحت قوة شديدة التأثير.
3- لقد أنهت «معركة القدس» الزمن الذي يقتصر فيه خوض المعركة على جزء من شعبنا، بينما ينحصر دور الأجزاء الأخرى في التضامن بأشكاله. لقد أطل علينا زمن جديد يُنبيء أن الشعب الفلسطيني جسم واحد لا يتجزأ، يخوض معركة واحدة ملتحماً على جبهات متعددة، وبات الواقع يؤكد ضرورة صون ما تحقق من تطور في الحركة الشعبية، ما يتطلب جهوداً قيادية، لبناء أطر وآليات وتوجهات عمل تصون هذه الوحدة. وهذا واجب ملقى على عاتق القوى كافة.
بناءً على ما سبق لا بد من تخطئة ذلك الموقف الذي ينسب الإنجاز إلى جهة بعينها، أو أن فصلها الأخير هو وحده الوازن، يقابله موقف آخر يُبهت المواجهة العسكرية، باعتبارها قطعت الطريق على مقاومة شعبية كانت في طريقها للتحول إلى ظاهرة شاملة.
4- أكدت «معركة القدس» من جديد وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة حقوقه الوطنية، ووحدة قضيته، وبالتالي وحدة المشروع الوطني مهما تمايزت أهدافه في المدى المباشر: دولة مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على حدود 4 حزيران (يونيو) 67 + حق العودة إلى الديار والممتلكات للاجئين الذين هجروا منها منذ عام 48 + المساواة في المواطنة وما يترتب على ذلك من رفع للإجحاف والتمييز.. + المساواة القومية على قاعدة إبراز الهوية الوطنية وصونها وضمان حقوقها في مناطق الـ48.
إن تمايز هذه الأهداف لا يلغي تكاملها، بل يؤسس بعمق لهذا التكامل باعتبار أن التقدم على محور أي من هذه الأهداف، إنما ينعكس إيجاباً على المحورين الآخرين، ويخدم تقدمهما بشكل مباشر، كما يؤسس – في الوقت نفسه – لوحدة هذه الأهداف تحت عنوان الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، باعتبار حق الشعب الفلسطيني المطلق بتقرير مصيره بنفسه وبكامل حريته على كامل ترابه الوطني، بإطار دولة فلسطينية، حرة، ديمقراطية، تسودها المساواة الكاملة بين جميع مواطنيها■
(3)
«معركة القدس»: الانتصار الذي يُفرِّق ولا يُقَرِّب (!)
■ لقد وَحَّدَت «معركة القدس» الشعب الفلسطيني، بانخراط كافة تجمعاته في المعركة الوطنية، كل حسب طاقاته وإمكانياته وظروفه، الأمر الذي فتح أفقاً جديداً لمرحلة جديدة في النضال الوطني التحرري، قدمت نموذجاً باهراً، فاجأ العديد من القوى والمراقبين.
غير أن المفارقة الكبيرة، التي صدمت الجميع، أن الطرفين، فتح وحماس، وبدلاً من أن يجعلا من هذه المحطة نقطة إنطلاق للتقارب واستعادة الحوار، من أجل التمهيد لتقليص مساحة الانقسام، وتحقيق خطوات تراكمية بوجهة إستعادة وحدة الحالة الفلسطينية إستئنافاً لما عبرت عنه محطات الحوار الوطني الثلاث: بيروت/ رام الله – 3/9/2020، القاهرة الأولى والثانية في 8-9/2 و16-17/3/2021، جعلا من «معركة القدس»، رغم ما كلفت شعبنا من تضحيات وآلام وجهد نضالي، نقطة انطلاق نحو تعميق الانقسام.
فمن جهة، رأى البعض في الانتصار فرصة لتعزيز الموقع الخاص في المعادلة الفلسطينية، فدعا إلى تشكيل قيادة مؤقتة، تحل – عملياً – مكان اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، بينما رأى البعض الآخر في نتائج المعركة ما بات يهدد موقعه القيادي الإحتكاري للسلطة في الحكم الذاتي ومنظمة التحرير في آن، فلجأ للترويج لصيغة تبهيت الانتصار، وبالمقابل تظهير الخسائر والتضحيات، متجاهلاً المغزى السياسي الكبير الذي تحقق لصالح قضيتنا الوطنية، وقافزاً عن تداعياته الإستراتيجية فيما لو تمَّ استخلاص ما يطرح نفسه من مهام، وما يُبنى عليها، عند اعتماد إستراتيجية المواجهة الشاملة.
كذلك مارس هذا البعض سياسة الانطواء على الذات، في دفاع عن «الشرعية المهددة»، وفي مواجهة «السياسات الانقلابية» لحساب «أجندات خارجية»(!)، وعمل على حملة تعبئة داخلية عصبوية، جعلت من صون التفرد بالحكم والسلطة جوهر المعركة السياسية.
وهكذا، وبدلاً من أن تسفر المعركة عن تقدم في تحسين بيئة العلاقات الوطنية، يمهد لمرحلة جديدة، تستند إلى ما تحقق من انتصارات، باتت فيها الأجواء السياسية مشحونة بالتوترات والاحتراب الإعلامي وصولاً – في بعض الأحيان - إلى المهاترات السياسية■
(4)
وحدة الشعب أقوى من الانقسام الفئوي
■ الخلاف المستحكم بين حركتي فتح وحماس، الذي ينحى – موضوعياً - إلى تبديد الانتصارات، ليس نهاية المطاف في المسار الوطني، وليس، في الوقت نفسه، قدراً محتوماً لا انفكاك منه ولا خلاص. فالتداعيات الكبرى التي أطلقتها «معركة القدس» أكثر رسوخاً من أن تُبدد، إذ ما حققته هذه المعركة فَتَحَ المجال وأسس لإمكانيات، ومتطلبات استراتيجية، باتت ملقاة على عاتق القوى الوطنية، تطرح نفسها بإلحاح، ومن الصعب تجاهلها، أو التحلل منها. وفي مقدمة هذه القضايا:
1- إن اشتراك الشعب الفلسطيني بكل فئاته ومناطقه في العملية النضالية، وفي المعارك الكفاحية، ليس حدثاً عابراً، بل يؤشر لحالة نضوج واستعداد كفاحي، يتوجب العمل الدؤوب لتعميق هذا الواقع، عبر خطوات وآليات تراكمية، لا تفوّت الفرصة لإدامة هذه الصيغة وتعزيز مقومات تطويرها، فقد أثبت شعبنا في الـ48 – مرة أخرى - قدرته على الفعل السياسي، والانخراط في العملية الوطنية الكفاحية، والتأثير القوي والفاعل على النظام الإسرائيلي، بدليل حيرة الأخير في تفسير الالتحام الذي شهده شعبنا في كافة مناطق تواجده في «معركة القدس»، وثورة الغضب التي اجتاحت المدن المختلطة، والبلدات العربية والفلسطينية، وما زالت تداعياتها السياسية متواصلة حتى يومنا، وإن كانت قد أخذت طابع الملاحقات الأمنية لنشطاء من أبناء شعبنا الذين انخرطوا في المعركة.
2- أثبت الشتات، في مخيمات اللجوء، وفي المهاجر، أنه ليس مجرد طرف تقف مساهمته في النضال عند حدود التضامن مع شعبنا في الضفة والقطاع، بل هو جسم فاعل ومؤثر ورئيسي في معادلة الصراع. ونظرة إلى تداعيات المعركة في أوروبا والولايات المتحدة – على سبيل المثال – تؤكد حجم الانزياح في الرأي العام الغربي، ليس على الصعيد الشعبي فحسب، بل وبحدود معيّنة على الصعيد الرسمي، كالأصوات المتصاعدة في الكونغرس الأميركي، التي تطالب الإدارة الأميركية بمساءلة النظام الإسرائيلي، على انتهاكاته، وفرض قيود عليه.
3- أما في المناطق المحتلة في الضفة (وفي القلب منها القدس) والقطاع، فقد كان التناغم النضالي بارزاً، فالمقاومة المسلحة شكلت درعاً للمقاومة الشعبية، وهذه بدورها شكلت حاضناً وغطاءً سياسياً ووطنياً للمقاومة المسلحة؛ وهو أمر زرع القلق العميق في صفوف القيادتين العسكرية والسياسية في إسرائيل. وهو أمر أقلق في الوقت نفسه القيادة الرسمية الفلسطينية، لأنه وضعها في مواجهة استحقاقات سياسية كبرى، إما التقدم لتحمل مسؤولياتها الوطنية، في تعبئة الحركة الشعبية، وتوفير الغطاء السياسي لها، وبناء الأطر الكفيلة بإدامة المعركة، وإما الانفصال عن مجرى الأحداث، والوقوع في عزلة سياسية كالتي عاشتها إبان معركة «سيف القدس»، واستشعرت خلالها الخطر على شرعيتها التي واصلت تآكلها في ضوء هروبها من الاستجابة لاستحقاق صندوق الإقتراع، كما حصل في 29/4/2021 على يد إعلانها تأجيل عقد الإنتخابات، بدعاوى متهافتة، فُهم منه – رغم كل محاولات التغطية والتمويه - أنه تأجيل على ورقة إلغاء.
4- وبناء على ما سبق، فإن الضرورة الوطنية تملي عدم التخلي عن بذل الجهد الحثيث لاستعادة الوحدة المفقودة، مع الإدراك المسبق بأن القضية شديدة التعقيد، والطريق إلى معالجتها مليء بالعراقيل والصعوبات، وحتى بالألغام، نظراً لصعوبة استجابة الطرفين إلاّ تحت الضغط الجماهيري، ومآل الأحداث، وربما الإكراهات اللاحقة.
بالمقابل، فإن هذا يملي على باقي أطراف الحالة الوطنية الابتعاد عن السياسات الاستفزازية، والتي من شأنها أن تسهم – بغض النظر عن النوايا – في تعقيد الأوضاع وزيادتها صعوبة. فالدعوة للحوار هي الخيار الأسلم نحو إحداث التقارب على طريق إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الداخلية، والتمسك بالخيارات الوطنية ورفض الخروج عنها، من أي طرف كان، هو أرض الخيار الأسلم لاحتلال موقع مؤثر في معادلة العلاقات الوطنية. أما الشعارات الاستفزازية، فليس من شأنها سوى تعزيز حالة الإنكفاء، وتعزيز حالة التمحور حول الذات على حساب الانفتاح على مجمل الحالة الوطنية.
5- وأخيراً، وليس آخراً، إلى جانب الحوار الداخلي، والضغط الجماهيري وغيرها من صيغ العمل العازلة، إن لم يكن المستئصلة لنزعة الإنقسام والتقوقع وإدارة الظهر لكل ما ينتسب بصلة إلى تراث البرنامج المشترك، وقاسمه الوطني الأكبر، إلى جانب كل هذا، فقد أكدت «معركة القدس» أن المقاومة بكافة أشكالها هي إحدى الصيغ الرئيسية، لا بل في سياقنا المحدد، قد تكون هي الصيغة الأهم لفرض سبيل إستعادة الوحدة الداخلية، فالميدان، كالكيّ، طالما بقي ساخناً، فهو يصهر المواقف المتباعدة، يلحمها، ويساهم بتوحيدها. ومن هنا أهمية إستلهام، ومن ثم العمل بموجب شعار: «المقاومة بإدامتها، هي الطريق إلى الوحدة»■
(5)
خطوات لبناء الثقة ... بين أطراف الحالة الفلسطينية
■ «إجراءات بناء الثقة» هو عنوان للتفاهمات بين قيادة السلطة الفلسطينية، والجانب الإسرائيلي، في الوقت الذي يُدرك فيه القاصي قبل الداني أن معظم هذه الإجراءات المزعومة، التي تم الإتفاق عليها بالرعاية الأميركية في 14/7/2021، لن تُكتب لها الحياة، في ظل تسليم عام باستبعاد العملية السياسية، وملء الفراغ ببدائل، لا تقود سوى إلى تكريس آليات إتفاق أوسلو، وإحكام قيوده على الوضع الفلسطيني.
وإذا كانت «إجراءات بناء الثقة»، أمراً يستحق بذل الجهد من الجانب الرسمي الفلسطيني، كما يتبدى للعيان، فإن الضرورة الوطنية تفرض من باب أولى، أن تولى الخطوات الآيلة إلى إنهاء التوتر، وحالة الاحتقان في العلاقات الداخلية الفلسطينية، كل ما تستحقه من إهتمام، سواء من جانب حركة حماس أو الجانب الرسمي الفلسطيني، بما فيه البحث عن وسائل تُصلح ذات البين، سياسياً وميدانياً.
■ على جدول أعمال الحالة الوطنية الكثير مما يتوجب التوافق على تحمل مسؤولياته، فدولة الاحتلال لا تخفي رفضها إطلاق عملية سياسية تضع قرارات الشرعية الدولية موضع التنفيذ، ولا تخفي رفضها لإقامة الدولة الفلسطينية، ومن باب أولى رفضها لحق العودة؛ كذلك الأمر، فهي تجاهر بإصرارها على مواصلة الاستيطان والضم الفعلي، ولا تتوقف عن سياسة البطش اليومي في الضفة، والتهديد بالتهجير (القدس وبلداتها) ودق طبول الحرب على قطاع غزة المثخن بجراح العدوان والحصار، وهي كلها أمور تؤكد أن المعركة مع دولة الإستعمار الإستيطاني، ما زالت على أشدها، ولم تنجح كل الادعاءات عن الانفراجات الاقتصادية وغيرها، في التمويه عليها، أو طمس معالمها.
■ بالتالي، هناك الشيء الكثير مما يتوجب الالتقاء عنده، والتوافق عليه، لمواصلة استنهاض الحالة الشعبية وتعبئة صفوفها. ومما لا شك فيه أن الحوار الوطني، والتوافق على إعادة بناء المؤسسات الوطنية، بالانتخابات الشاملة هو الطريق الأقصر، والأكثر سلامة، لإرساء العلاقات الوطنية على أسس ائتلافية ديمقراطية وجامعة للكل، خاصة إذا ما توفر قانون للانتخابات يفسح المجال أمام مشاركة الجميع بعيداً عن سياسة الإقصاء والاستئثار.
■ غير أن الوقائع تشير إلى أن الطريق إلى الانتخابات دونها عقبات باتت معروفة، لأنها تطرح بنتائجها – وبكل بساطة – مسألة السلطة (أو لمن سوف تؤول السلطة) على بساط البحث، والسلطة عزيزة على قلوب من يمسك بأعنّتها، ما أدى – كما هو معروف - إلى تأجيل الانتخابات حتى إشعار آخر، ما يعني – في الواقع العملي - إلغاءها، الأمر الذي يتطلب التفكير في البديل، الذي يساعد على إدامة آلية التفاعل ما بين القوى السياسية الفاعلة الذي لا يلغي محطات الانتخابات الشاملة، بل يساعد على ملاقاة إستحقاقاتها.
■ وفي هذا الإطار يجدر التفكير باستعادة الحركة الوطنية ذلك التقليد الذي كانت تلجأ إليه وبنجاح فيما مضى، من خلال تفعيل آلية التوافق الوطني عندما يتعذر إجراء الانتخاب، حيث يمكن الاعتماد على ما هو متوفر من مؤسسات والانطلاق منها نحو العملية الأوسع في إعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة، كأن يعاد تشكيل المجلس المركزي في م.ت.ف، بحيث يجمع شمل القوى الفلسطينية كافة، دون استثناء، خاصة وأنه يملك تفويضاً بصلاحيات المجلس الوطني، ما يُمكنه من انتخاب لجنة تنفيذية جامعة للكل الفلسطيني، تُلقي على عاتقهما – أي على عاتقي المجلس المركزي والتنفيذية في آن - تحضير الأجواء وتوفير الشروط المناسبة للوفاء بالاستحقاق الديمقراطي، متمثلاً بالانتخابات الشاملة، بما يعيد بناء المؤسسات الوطنية، ومن ضمنها مؤسسات م.ت.ف ومجلسها الوطني، الذي بدوره ينتخب لجنة تنفيذية جديدة ذات طابع تمثيلي شامل، تكون لها دوائرها الفاعلة ذات الصلة المباشرة، بالحالة الجماهيرية والسياسية■
8/9/2021

بين النهوض الجماهيري ...
وألغام الإنقسامات والرهانات الخاسرة

[■ شكلت معركة «سيف القدس»، من 10–21/5/2021، محطة سياسية كبرى، لما حملته من تداعيات، كان لها الانعكاس الواسع على مجمل العملية الوطنية، سياسياً، وجماهيرياً، وعسكرياً، وحملت في طياتها الكثير من الدروس والاستخلاصات.
ولعل من أهم ما في هذه المعركة، أنها أبرزت الوحدة الداخلية للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، في كامل فلسطين، وفي مناطق اللجوء والشتات، ووحدة القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، كما أبرزت النهوض الجماهيري الواسع والالتفاف الكبير حول القضية رغم مظاهر الانقسام، ورغم التشتت السياسي على المستويات القيادية، الرسمية والفصائلية.
■ في هذا الإطار قدمت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة نفسها، باعتبارها الدرع الواقي للحركة الجماهيرية، تساندها وتدعمها، ما يوفر لهذه المقاومة، في الوقت نفسه، الغطاء الجماهيري، في ظل إلتحام مكين بين كل أشكال النضال، دفاعاً عن القدس، والأرض، والحقوق السياسية للشعب، في كافة تجمعاته.
■ كما نجحت معركة «سيف القدس»، في استقطاب تأييد المزيد من القوى السياسية والمجتمعية، على الصعيدين العربي والدولي، لصالح القضية والحقوق الوطنية، وأبرزت حالة العزلة السياسية لدولة الاحتلال، باعتبارها دولة عدوان وتطهير عرقي، وتمييز عنصري واستعمار استيطاني، أدانتها العديد من المؤسسات الحقوقية العالمية ومجلس حقوق الإنسان، لارتكابها جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية بحق شعب فلسطين.
■ بالمقابل، دفع الشعب الفلسطيني غالياً ثمن هذه الانتصارات من حياة أبنائه، فقدم حوالي 300 شهيد، عدد كبير منهم من الأطفال والنساء والشيوخ، كما شهد القطاع دماراً واسعاً، أثار غضب العالم، بعد أن طال المساكن الآمنة والمستشفيات والمدارس والمؤسسات الاقتصادية والبنية التحتية عموماً.
■ مع وقف إطلاق النار، في 21/5/2021 سجل العالم لشعب فلسطين الانتصار الباهر على الاحتلال والعدوان، في الوقت الذي وقفت فيه الحركة الوطنية أمام الاستحقاق الكبير: تثمير هذا النصر العظيم، بما يخدم مسيرة النضال ومدها بالمزيد من الزخم، وفاء لدماء الشهداء، وتضحيات الناس، وحرصاً على المصالح الوطنية، بكل ما يتطلبه ذلك من إرادة سياسية جدية وتوفير آليات جديدة تعزز المسار الوطني، وتصون الانتصارات حتى لا تضيع هباء.
■ مع انقشاع غبار المعركة، وصمت المدافع، تَبَدَّى المشهد الرسمي الفلسطيني، خلافاً للواقع الجماهيري، مشتتاً، منقسماً على نفسه، يفتقر إلى الاستراتيجية الموحدة التي تُثَمِّر الانتصارات الباهرة التي حققتها الحركة الجماهيرية والمقاومة العسكرية. ويمكن استعراض جوانب رئيسية من الحالة القائمة هذه على النحو التالي:]
(1)
السلطة الفلسطينية
■ داهمت المعركة قيادة السلطة الفلسطينية، والنظام السياسي يعاني حالة انسداد وضعفاً شديداً وتراجعاً مكشوفاً، بعد أن فشل في تحمل مسؤولياته في المجالات التالية:
• فقد عجز هذا النظام عن تجديد نفسه وإعادة بناء مؤسساته، حين فشل منذ أن وقع الانقسام في 14/6/2007، في تنظيم إنتخابات عامة، بعد أن تمّت الدعوة لها لخمس مرات متتالية، فأتى التراجع عنها ليعمّق تدهور أوضاع النظام السياسي، بانزياحاته المستمرة، من نظام رئاسي برلماني إلى نظام رئاسي سلطوي، يدير الشأن العام بالمراسيم والقرارات بقانون، مستفرداً بالقرار الوطني، وقد أدار ظهره لمباديء الائتلاف الوطني، وقيم حركات التحرر الوطني، والقانون الأساسي للسلطة، وإعلان الاستقلال، وميثاق م.ت.ف، وقرارات الإجماع والتوافق الوطني، الأمر الذي فاقم من أزمته السياسية، وأضعف دور المؤسسات، ونال من قدرته على تحمل مسؤولياته في مختلف الميادين.
• أثبت هذا النظام عن عجزه عن توفير متطلبات الأمن الغذائي للشعب، الذي استمر معلقاً على القرار الإسرائيلي، حين فشل أكثر من مرة في خوض معارك تطوير الأداء الاقتصادي خارج قيود بروتوكول باريس الاقتصادي. ولعل معركة استيراد العجول – من 5/9/2019 إلى 6/12/2019، والتي انتهت بتراجع السلطة أمام سلطات الاحتلال وإدارته المدنية، تشكل نموذجاً فاقعاً في هذا المجال.
• عجز عن حماية المال العام حين فشل في إدارة معركة أموال المقاصة، رداً على اقتطاع سلطات الاحتلال لما تعتبره رواتب الأسرى وعوائل الشهداء. وبعد معاناة لسبعة أشهر كاملة – من 2/2019 إلى 9/2019، شهدت فيها المناطق الفلسطينية إضطرابات إقتصادية عميقة بفعل توقف السلطة عن تسديد الرواتب كاملة لموظفيها. وبالنتيجة، فقد رضخت قيادة السلطة لواقع الاحتلال وقراراته، وامتثلت للإجراء الإسرائيلي، ما كرَّس واقعاً جديداً، فرضته دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني، في مصادرة أمواله، بذرائع مختلفة، منها اقتطاع رواتب الأسرى وعوائل الشهداء و«عقوبات» تفرضها المحاكم الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني إعتباطاً، وبدعاوى مختلفة.
• فشل في توفير الأمن الوطني للشعب الفلسطيني وحقه السيادي في أرضه، حين وقف عاجزاً عن مواجهة مصادرة الاحتلال للأرض، ومصادر المياه، وممتلكات المزارعين من جرارات ومركبات زراعية، وهدم المنازل، والإضرار بالمزروعات وبساتين الزيتون، وفرض الحصار الاقتصادي على مدينة القدس، ومواصلة عمليات تهويدها وطمس معالمها، وتهجير سكانها عبر إجراءات وذرائع مختلفة.
• فشل في توفير الحماية الأمنية لمواطنيه، بما في ذلك لسكان المناطق المصنفة أ، التي تَحُول إتفاقات أوسلو دون اجتياحها من قبل سلطات الاحتلال كلما عنَّ لها ذلك، وبدت عمليات الإقتحام الليلي لمدن الضفة وبلداتها وقراها ظاهرة يومية، والاعتقالات الجماعية للمواطنين هي الأخرى ظاهرة يومية، دون أي رد فاعل من قبل أجهزة السلطة، التي يُفترض أنها لحماية المواطنين من اعتداءات قوات الاحتلال.
• عمَّق من أزمة السلطة، باعتبارها التعبير المؤسساتي للنظام السياسي الفلسطيني، واقع إفتراقها عن المزاج السياسي للحالة الجماهيرية، المهيّئة للانتفاض على الاحتلال، والانتقادات الواسعة من خلال وسائط الاتصال الجماهيري والاعتصامات وغيرها من أشكال التعبير عن الإحتجاج، في ظل غياب أي رد فعل عملي للسلطة الفلسطينية وقيادتها، أسهم في دفع الأمور إلى حافة الإنفجار، وتمثل بأكثر من هَبَّة جماهيرية، شملت أنحاء الضفة ضد الاحتلال والاستيطان، كانت السلطة تقابلها بردود فعل متحفظة، ينتابها قلق من اتساع حالة الانفجار الجماهيري، ما يربك سياستها القائمة على تجنب المواجهات الواسعة.
■ في ظل هذه الحالة العامة للسلطة وقيادتها، وارتباكها في إدارة الشأن العام، وتخبطها السياسي هنا وهناك، وفي ظل تصاعد أعمال العنف على يد الاحتلال التي أسهمت أكثر فأكثر في إرباك السلطة، وإحراجها أمام الشعب وقواه السياسية، فوجئت قيادة السلطة بمعركة القدس التي إفتتحتها مواجهات «باب العامود» في 13/4/2021، والتي كانت حملة «سيف القدس» محطتها الأبرز، غابت عنها السلطة عملياً، فانحسرت مكانتها، وتراجع مكانها على مسرح الأحداث، بعد أن احتلته الحركة الجماهيرية الناهضة، حتى أن قيادة السلطة نفسها إعترفت، علناً وفي تصريح لأحد أقطابها البارزين، أنها عاشت في عزلة سياسية، لم تتلقَ خلالها إتصالاً واحداً من أي من الأطراف العربية، أو الدولية، بما يؤكد أن النظام السياسي الفلسطيني القائم، الذي تجسده السلطة الفلسطينية، لم يعد بمستوى أن يقدم للمسار النضالي، ما تقتضيه متطلباته الملحة.
■ عَبَّرَ عن الفشل في مسار النظام السياسي الفلسطيني، واقع تخلفه عن تعبئة واستنهاض القوى وتوحيد الحالة الوطنية، واستنهاض عناصر القوة الفلسطينية لخوض معركة القدس بثبات، وهو الأمر الذي أضعف السلطة، كونها ابتعدت، في منحاها السياسي، عن المنحى الوطني العام كما عبَّرت عنه الحالة الشعبية والمقاومة بأشكالها.
لذلك، وبدلاً من أن تنظر قيادة السلطة إلى ما حققته «معركة القدس» – من 13/4 إلى 21/5/2021، من نتائج مهمة، وتتقدم بالمبادرات الوطنية لتثمير هذه النتائج، واجهت الموقف – أي الإستحقاق الواجب - بسياسة، أسهمت في توتير العلاقات في الصف الوطني، حين جعلت من مسألة «الدفاع عن شرعيتها» عنواناً لمعركتها السياسية، بعدما تصاعدت لغة الانتقادات لأدائها ودورها في المعركة. وباتت مسألة الدفاع عن «شرعية السلطة، وقيادتها» هي الهم الرئيسي للنظام السياسي القائم■
(2)
«مبادرة الرئيس» للحل
[■ في ظل هذه الأجواء المتوترة، خطا النظام السياسي الفلسطيني خطوتين كبيرتين، خارج التوافق الوطني، تمثلت أولاهما بمبادرة الرئيس للحل، والثانية بتشديد القبضة الأمنية، راهن النظام من خلالهما على استعادة موقعه في قلب المعادلة السياسية، بعد أن انزلق، بفعل الأحداث الأخيرة، إلى حافتها. وفي هذا السياق تشكلت «مبادرة الرئيس» من 3 نقاط كبرى، كل منها بحاجة إلى معالجة خاصة:]
1- ■ النقطة الأولى في «مبادرة الرئيس» هي الدعوة لاستئناف المفاوضات الثنائية، للاتفاق على قضايا الحل الدائم، برعاية الرباعية الدولية، في استعادة لمسار أوسلو، وعملاً بمفاعيل الانقلاب السياسي لقيادة السلطة- 17/11/2020، في تجديد إلتحاقها باتفاق أوسلو بشقيه الأمني والاقتصادي، وتراجعها عن القرار القيادي- 19/5/2020، الذي نصَّ على «أن م. ت. ف ودولة فلسطين قد أصبحت في حِلٍّ من جميع الإتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الإلتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والإتفاقات، بما فيها الأمنية».
■ الدعوة لمفاوضات جديدة برعاية الرباعية الدولية، التي اتسمت بفشلها، وفرت الفرصة للاستفراد الأميركي بإدارة المفاوضات، بحكم موقع واشنطن المقرر في الرباعية، ما ينسف إدعاءات قيادة السلطة، رفض العودة إلى الرعاية الأميركية المنفردة. وإلى هذا نضيف أن الرباعية لا تخفي في بياناتها التي تصدر بين فترة أخرى، إنحيازها للجانب الإسرائيلي، حين تجرد الشعب الفلسطيني من حقه في الدفاع عن أرضه بدعوى الأعمال الإرهابية، كما تحجب عنه حق شرح قضيته الوطنية بخلفيتها التاريخية، وكشف جرائم الاحتلال، باعتبار ذلك تحريضاً ضد إسرائيل وتصرفاً معادياً للسامية.
■ كما تنطلق تلك الدعوة في الوقت الذي تدرك فيه قيادة السلطة، إنشغال الإدارة الأميركية (باعتبارها محرك استعادة المفاوضات) بالعديد من الملفات والقضايا الدولية والداخلية، ليس من بينها القضية الفلسطينية؛ فضلاً عن كونها تندرج في سياق الانقلاب على قرارات الإجماع الوطني في دورة المجلس الوطني- 2018، التي دعت إلى حل القضية الوطنية في مؤتمر دولي، تدعو له الأمم المتحدة، وترعاه وتشرف عليه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بجدول أعمال واضح، لا تدور فيه المفاوضات حول إعادة تعريف المعرَّف، أي الحقوق الوطنية، بل لتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. مؤتمر بسقف زمني محدد، وبقرارات ملزمة.
2- النقطة الثانية في «مبادرة الرئيس» تقوم على الدعوة لتشكيل ما سمي بحكومة وفاق وطني (بديلاً لحكومة وحدة وطنية) «مقبولة دولياً». وهي نقطة مرتبطة بما سبقها (المفاوضات تحت إشراف الرباعية الدولية). فالفارق بين «الوفاق الوطني» وبين «الوحدة الوطنية» واضح وصريح، فهو لا يخاطب الأطراف الفلسطينية كلها، بل تلك التي تلتقي مع النقطة الأولى، إنطلاقاً من أن الحكومة الفلسطينية الموصوفة أعلاه، هي المعنية بقضايا المفاوضات، أضف إلى أن الإشارة إلى شرط «المقبولية الدولية»، تنطوي على مبدأ القبول باشتراطات «الرباعية الدولية»: الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود + المصادقة على الاتفاقات الموقع عليها + نبذ الإرهاب. وهي الاشتراطات الثلاثة التي واجهت بها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والرباعية الدولية تحت طائلة المقاطعة، حكومتي حماس الأولى والثانية عامي 2006 و2007. وهذا ما يفسر الحديث عن حكومة مقبولة دولياً، باعتباره موقفاً مسبقاً من قيادة السلطة، يستعيد فيها معايير سياسية متعاكسة مع متطلبات الوفاق الوطني، ناهيك عن الوحدة الوطنية.
3- أما النقطة الثالثة في «مبادرة الرئيس»، فهي الدعوة لحل «متفق عليه» لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى واحدة من ساحات الخلاف الداخلي المستحكم حول إحدى القضايا الوطنية الكبرى، أي قضية اللاجئين وحق العودة. وفي هذه النقطة بالذات، ودون شرح مطول، تُسلم قيادة السلطة – عملياً، بالتخلي عن حق العودة، والقبول بما توافق عليه دولة الاحتلال، التي ترفض أساساً الاعتراف بمسؤوليتها عن قضية اللاجئين، وترفض الاعتراف بوكالة الغوث وبحق العودة وبالقرار 194، وتدعو بالمقابل إلى حل يقوم على توطين اللاجئين في الدول العربية ودول اللجوء الأخرى، ما يعيدنا، كما هو واضح، إلى «صفقة القرن» كما صاغت حل تصفوي لقضية اللاجئين.
كذلك لا داعي للتأكيد أن هذا التنازل المسبق والمجاني عن حق العودة، ما هو إلا محاولة من السلطة الفلسطينية وقيادتها، لتأكيد «حسن النيّة» أمام الراعي الأميركي والرباعية معاً، من إستعدادها لإزالة العراقيل أمام الوصول إلى حل لقضايا الوضع الدائم■
(3)
تشديد القبضة الأمنية
■ أما الخطوة الثانية التي رأت قيادة السلطة من جانبها أنها ملحة للدفاع عما يسمى «شرعيتها»، فقد قامت على تشديد القبضة الأمنية، إنطلاقاً من تخوف أن تشكل الانتفاضة عنصراً يؤدي إلى خلخلة أوضاع النظام السياسي الحالي، بكل ما يوفره هذا النظام للطبقة الحاكمة، تحت سقف أوسلو، من مصالح وامتيازات، ومن أن ينمو نفوذ حماس في الضفة، لتفرض وجودها عاملاً جديداً في المعادلة السياسية الفلسطينية.
لم تتردد قيادة السلطة في التلويح بعصا الأجهزة الأمنية والقبضة الحديد. فعادت بنشاطية ملحوظة، إلى ممارسة الاعتقال على خلفية الرأي السياسي، كما عمدت أجهزة السلطة إلى قمع فعاليات المجتمع المدني والتضييق على حرية الرأي، ولا شك أن حادثة مقتل الناشط نزار بنات، على يد الأجهزة الأمنية، شكلت نموذجاً مفجعاً لما يمكن أن تقدم عليه السلطة في سياق الدفاع عن مصالحها.
■لم تقف الأمور عند هذه الحدود، بل خاضت بعض أوساط فتح المعركة إلى جانب الأجهزة الأمنية، ولَوَّحَت بسلاح الاستعداد لإشعال نار الخلافات الداخلية، لردع المعارضة ودعواتها لمكافحة التسلط والفساد وصون الحريات العامة، إلى جانب الخروج عن سياسات أوسلو، واعتماد إستراتيجية جديدة وبديلة، أثبتت تجربة معركة القدس جدواها.
ورغم الدعوات الصادقة للتهدئة ونزع فتائل التفجير الأهلي، إلا أن هذه الأوساط أصرت على مواصلة التحريض والتعبئة ضد المعارضة الفلسطينية بمختلف إتجاهاتها، وبخاصة حركة حماس، وكثيراً ما رَوَّجَتْ قياداتها، للربط ما بين «الشرعية»، وبين مستقبل القضية، بادعاء مفاده أن الخطر الحقيقي الذي يتهدد الحالة الوطنية، يتمثل في محاولة إضعاف فتح والإطاحة بقيادتها للمؤسسة الرسمية، أكانت في السلطة، أم في المنظمة.
■ وفي خطوة لا تقل إستفزازاً عن إجراءات القمع التي لجأت لها السلطة، عمدت الحكومة، إلى إصدار قرار إداري (الرقم 22) تُحَرِّم فيه على الموظفين العموم الإدلاء بآرائهم السياسية، وهي سابقة خطيرة في تقاليد العمل السياسي الفلسطيني، من شأنها أن تطرح العديد من التساؤلات عن مغزى هذا التحريم. هل هو لمنع هؤلاء الموظفين من ممارسة العمل السياسي، والنقابي، وضمان كمّ أفواههم، أم هي خطوة، تستجيب للدعوة الأميركية، بوقف التحريض ضد دولة الاحتلال.
■ إن واقع السلطة الفلسطينية يؤكد أنها، منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، وتحولها إلى سلطة بمؤسسات وهيكلية تراتبية، ونظام سياسي يقوم مبدئياً على الفصل بين السلطات والإحتكام إلى الشعب لانتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي والمجالس المحلية، الخ... هذه السلطة، باتت تُشهر إستنادها إلى الشرعية الدستورية، أي إلى صندوق الاقتراع، وهي كثيراً، ما رَوَّجَت، في خصوماتها السياسية مع قوى المعارضة، لفكرة الانتقال إلى الشرعية الدستورية، باعتبارها الأوفر تعبيراً عن حال النظام السياسي بعد قيام السلطة الفلسطينية.
غير أن ما شهده النظام السياسي الفلسطيني من تطورات، أكدت فشله في صون «الشرعية الدستورية»، وعجزه عن التقدم نحو حل المسألة الوطنية، وفي ظل إنقسام سياسي، أخذ أبعاداً خطيرة بعد انقلاب حماس- 2007، حين لجأت السلطة إلى تمديد شرعيتها، عبر فتاوى قانونية على غرار بقاء القديم على قدمه، ما لم يُنتخب الجديد، تجنباً لنشوء فراغ دستوري في مؤسسات السلطة. هذا إلى جانب إدامة مفعول هذه الشرعية من خلال توفير الغطاء العربي الرسمي لها.
■ كما حظيت السلطة بتجديد شرعيتها من الراعي الأميركي باعتبارها اللاعب الثاني في اتفاق أوسلو، وكذلك من الجانب الإسرائيلي، باعتبارها شريكاً فاعلاً في منظومة أمنية، باتت تنتمي إليها في إطار «التنسيق الأمني»، وباعتبارها إدارة ذاتية لجغرافيا مُستعمَرة، ملحقة بالنظام الاقتصادي الإسرائيلي، ما يعني أنها باتت حاجة إسرائيلية، تُعفي الاحتلال من الكثير من أعباء السيطرة على المناطق الفلسطينية المحتلة.
وهكذا بات أحد معايير إستمرار شرعية السلطة ونظامها السياسي، التمسك بالمفاوضات في ظل إتفاق أوسلو خياراً لا مفر منه، والالتزام باستحقاقاته، أمنياً، واقتصادياً في ظل عدم القدرة على اتباع خطة تؤدي إلى التحلل من بروتوكول باريس الاقتصادي، ومن التنسيق الأمني، أي بتعبير آخر، بات استمرار شرعية السلطة، ونظامها السياسي رهن بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها السياسية والأمنية واستتباعاً الاقتصادية، نحو الأطراف التي توفر لها الغطاء السياسي.
■ هذه النقلة الكبرى، من سلطة وطنية فلسطينية، قدمت نفسها مشروعاً لإقامة الدولة المستقلة، تستند إلى الشرعية الدستورية في إطار مؤسسي، إلى سلطة، تقتات من الاعتراف بها طرفاً في المعادلة الإقليمية، وفي تعارض ما انفك مع كامل متطلبات إنتصار المشروع الوطني، وفي ظل إنزياح نحو نظام سياسي فشل في تقديم نفسه بطريقة مقنعة إلى الرأي العام، بسبب من أدائه الداخلي، إلى جانب فشله في توفير شروط التقدم نحو إنجاز الحل الوطني للمسألة الفلسطينية، نمت التناقضات بينه وبين المعارضة الوطنية، بتعبيراتها المختلفة، من فصائل وأحزاب وفعاليات مجتمع مدني، بحيث لم يعد هذا النظام يملك من وسائل «إقناع» سوى اللجوء إلى الأساليب القمعية، من تكميم الأفواه، والتضييق على حرية الرأي، والاعتقالات الفردية والجماعية، واستخدام الإكراهات الجسدية، وصولاً إلى ما جرى مع الناشط نزار بنات.
■ بالمقابل إندفعت الأجهزة الأمنية بعيداً في أداء دورها في إطار التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، وتطوير آليات التنسيق الأمني مع المخابرات الأميركية، ما جعل من هذه الإندفاعة أُحجية شديدة التعقيد، لم تستطع السلطة ونظامها السياسي – حتى الآن - أن تقدم لها تفسيراً: كيف لحركة تحرر وطني، أن تقيم تنسيقاً أمنياً مع الدولة المحتلة (ناهيك عن مرجعيتها الأعلى) في آن معاً ؟!
■ لقد شهدت الحالة الفلسطينية تطورات مفصلية، باتت تملي ضرورة إعادة قراءة مشهد وطني، قطع مسافة زمنية طويلة (وبالمضمون سياسية – إجتماعية) بين نقطة الانطلاق نحو مشروع أوسلو، وبين النقطة، التي وصل إليها أصحاب هذا المشروع، سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً. لقد نشأت شرائح إجتماعية، في هذا المسار، باتت ترى في تطوير المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، بكل ما يتطلبه ذلك من إعادة بناء أسس العلاقات الوطنية، تعارضاً مع مصالحها■


(4)
حركة حماس
■ مع وقف إطلاق النار، سلكت حركة حماس سلوك المنتصر الأول في المعركة. وتصرفت، في بعض المواقف، باعتبارها منتصرة، ليس على دولة الاحتلال فحسب - وهذا أمر مشروع - بل وكذلك على السلطة الفلسطينية - ما يندرج في مسعى التوظيف السياسي - وبدت وكأنها تحاول أن تفرض معادلة سياسية جديدة في العلاقات الوطنية.
بدا ذلك واضحاً في مواقف الناطق بإسم القسام، والمؤتمرات الصحفية وتصريحات قياداتها، وفي استعجالها إعادة بناء م.ت.ف على أسس جديدة تراعي ما أفرزته الانتصارات الأخيرة، وما أحدثته من موازين قوى جديدة في الساحة الفلسطينية، حسب رأي حماس.
■ لقد رأت حماس في نتائج معركة «سيف القدس» فرصة لتعزيز موقعها في المعادلة الوطنية في مواجهة قيادة السلطة وحركة فتح، في دعوة مكشوفة لفرض واقع جديد، يضعها في موقع الشريك في المرجعية السياسية والموقع التمثيلي للشعب الفلسطيني والقضية الوطنية، ما أضفى على الأجواء السياسية الفلسطينية حالة من التوتر، دفعت بحركة فتح وقيادة السلطة، للحديث عن مخاطر تهدد «الشرعية»، وعن محاولات لـ «سرقة» قيادة مؤسسات السلطة والمنظمة منها. ولا شك أن خطوة حماس بالخروج – وإن المقنن - إلى العلن في الضفة الغربية، أثار هواجس السلطة، كما ومخاوف دولة الاحتلال، ما تسبب في شنّ حملات إعتقال، طالت عدداً من أبناء الحركة.
■ وبدلاً من أن تتحول إنتصارات الشعب الفلسطيني ومقاومته إلى مكاسب، تصب في خدمة القضية والحقوق الوطنية، تحوَّلت، بفعل حالة الانقسام، وتشتت الرؤية السياسية، وغياب الاستراتيجية الموحدة لحركة التحرر الفلسطينية، إلى عامل جديد من عوامل تعميق الانقسام، وخلق حالة من التباعد، وفتحت الباب لحملات جديدة من الاعتقال ومن الإحتراب الإعلامي، بما ترتّب على كل هذا من نتائج سلبية.
■ وقد تَبَدَّى ذلك واضحاً في الاجتماع الثنائي- 12/6/2021 في القاهرة بين حركتي فتح وحماس، لصياغة الموقف الفلسطيني بعد الحرب، وإرسائه على قاعدة محددة: حركة فتح طرحت الشروع بتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو وفاق وطني ملتزمة بالشرعية الدولية، تلبي بشكل رئيسي أمرين: التحضير لاستعادة المفاوضات بإشراف الرباعية + إعادة الإعمار في قطاع غزة. أما موضوع الانتخابات العامة التي تعطلت بالقرار المعروف، فقد قفزت عنها فتح بدعوى ضمان إجرائها في القدس، ما يجعلها معلقة على قرار الحكومة الإسرائيلية (!). وفي كل الأحوال فإن فتح ترفض أن تُفتتح عملية إعادة تشكيل هيئات النظام السياسي، بمؤسسات م.ت.ف، فتناول أوضاع المنظمة خارج نطاق البحث في المدى المنظور.
■ بالمقابل، طرحت حركة حماس تشكيل لجنة وطنية للإعمار بمشاركة السلطة + الشروع بإعادة صياغة أوضاع النظام السياسي الفلسطيني من بوابة منظمة التحرير، من خلال تشكيل مجلس وطني إنتقالي بالتوافق لمدة سنتين، على أن يضطلع هذا المجلس، بما ينبثق عنه من هيئات، بمسئولية الاتفاق على شكل النظام السياسي + إعتماد استراتيجية العمل الوطني + البرنامج السياسي للمرحلة القادمة.
■ أمام هذه الهوة الواسعة بين الموقفين، التي لم تبلغ هذا القدر من التباعد، حتى في أحلك فترات الإنقسام، يصبح من المفهوم أن يتعذر إلتئام الحوار الوطني الشامل، الذي ما زال يفترض الحد الأدنى من التفاهم بين الحركتين، كشرط مسبق ولازم، لكي يصل إلى نتائج معتمدة من الكل الفلسطيني. ومن الواضح أن هذا التشدد من قبل حماس، إنما ينطلق من اعتبار أن الحقائق التي أفرزتها معركة «سيف القدس» التي لمع فيها دور الحركة، يجب أن تجد إمتداداتها المباشرة في هيكلية المؤسسات الوطنية. إن هذا – من جديد – يؤكد إرتكاب حماس لخطأ التعاطي مع الوضع الفلسطيني بمنطق حسابي بحت، وليس سياسي، يستوعب كل ما يحيط بالمعادلة الوطنية من تعقيدات، ليس أقلها حساسية ودقة مسألة الإمساك بالسلطة، ولا نزيد..
■ وبنتيجة هذا الإنسداد السياسي، عاد كل طرف إلى موقعه المحكوم بأولوياته واهتماماته المباشرة، بعيداً عن أي تفكير وطني جامع؛ ففي الوقت الذي إنشغلت فيه قيادة السلطة، وإلى جانبها حركة فتح، في الدفاع عن «الشرعية»، والتلويح بالعصا والقبضة الحديد، وتغليب الصراع الفئوي على الصراع مع دولة الاحتلال، إنشغلت حركة حماس من جانبها، بمعالجة نتائج المعركة على الأوضاع العامة في غزة، من بينها إعادة إعمار ما دمره العدوان، ووضع آلية جديدة للمنحة القطرية، وتوفير الشروط الأفضل لعبور البضائع إلى قطاع غزة، وتخفيف قبضة الحصار.
■ وبذلك تكون الأمور قد عادت إلى المربع الأول، في ظل غياب الاستراتيجية الموحدة، وفي ظل الانقسام، وتمسك كلا الطرفين، فتح وحماس، بمواقفه، وتغليب مصالحه، فحماس – من جهتها - غارقة في إدارة شؤون القطاع، وتحسين موقعها في المعادلة الفلسطينية، كما وفي المعادلة الإقليمية. والسلطة الفلسطينية غارقة في تعقيدات الحالة في الضفة، في ظل ضغوط إقتصادية، وفراغ سياسي، ورهانات على حلول مستقبلية، ما زالت تدور في حلقة العناوين الغامضة■
(5)
الإدارة الأمريكية ورهانات السلطة الفلسطينية
■ فاجأت الأحداث الفلسطينية الإدارة الأميركية التي تراجع موقع قضايا الشرق الأوسط من أولوياتها، لصالح الإنشغال بقضايا وملفات أخرى، واكتفت بالإشارة إلى القضية الفلسطينية بالحديث عن «حل الدولتين»، والمفاوضات الثنائية التي بدت مؤجلة إلى فترة لاحقة، تراوحت، بين العام الواحد وأكثر، حتى أن البعض، رأى، إنطلاقاً من تعقيدات القضايا المدرجة على جدول أولويات إدارة بايدن، أن الملف الفلسطيني لن يكون جاهزاً، على طاولة الرئيس الأميركي ومساعديه، قبل ثلاث سنوات، إذ احتلت أولويات الإدارة الديمقراطية واهتماماتها ملفات دولية كبرى، كمواجهة تداعيات ما يسمى بـ «الصعود الصيني»، أي تعاظم النفوذ الصيني في جنوب وغرب جنوب ووسط آسيا، وعلى مستوى كوني بشكل عام.
أما من جهة روسيا الاتحادية، فيأتي التحدي الذي ترفعه في وجه واشنطن من زاوية تعاظم دورها في عدد من القضايا المحورية في الجوار الإقليمي (أوكرانيا، جمهوريات البلطيق، حوض القطب الشمالي، إمداد أوروبا بالغاز، الخ...)، إلى جانب تنامي دور روسيا العسكري، إن على مستوى القوات الضاربة، أو الصناعات الحربية المتطورة، الخ ...
وإلى جانب التحديات التي تطرحها أوضاع كلاً من الصين وروسيا، يأتي الوضع المتوتر في شبه الجزيرة الكورية، والممرات البحرية من المحيط الهندي شرقاً وصولاً إلى المحيط الهاديء، والوضع المستجد في أفغانستان، والتجاذب حول الملف النووي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، الخ...
■ لذلك، وفي الوقت الذي انشغل فيه كبار الإدارة الأميركية بهذه الملفات شديدة التعقيد، أوكل إلى نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية، هادي عمرو، الملف الفلسطيني– الإسرائيلي، الذي اقتصرت خطته على احتواء الوضع في المنطقة، خاصة مع وصول حكومة بينيت – لابيد إلى الحكم في إسرائيل، والضغط على الطرفين - بنسب متفاوتة - لضمان الهدوء، في إطار خطة، هدفها، على حد تعبير الوسيط الأميركي، «بناء خطوات الثقة» بين الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، بعد أن استشعرت الإدارة الأميركية حالة العزلة السياسية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، وحالة العجز المستحكم الذي يضعف أداءها، ويؤدي إلى تراجع مكانتها.
■ وفي إطار ما يسمى طي صفحة «صفقة القرن»، خطت الإدارة الأميركية خطوات «إنفراجية»، نحو قيادة السلطة، بدت في مجموعها أقرب إلى مفهوم العلاقات العامة، كونها لم تنتظم في سياسة متكاملة، بل اقتصرت على توجيه رسائل طمأنة وتهدئة خواطر، وعلى الإسهام في إزالة مخاوف قيادة السلطة على المستقبل، الذي تحمله إلى القضية الفلسطينية إدارتان جديدتان، تشكلان العامل الرئيس في رسم مصير الحل: إدارة بايدن في واشنطن، وإدارة بينيت –لابيد في القدس المحتلة.
■ وعليه، وعدت الإدارة الأميركية بإعادة فتح ممثلية م.ت.ف في واشنطن، والتي كانت إدارة ترامب قد أغلقتها. لكنها رهنت ذلك بموافقة الكونغرس؛ كما وعدت بإعادة فتح القنصلية الأميركية العامة في القدس الشرقية، لكنها رهنت ذلك بالوصول إلى توافق مع الحكومة الإسرائيلية.
كما استأنفت الإدارة الأميركية مساعداتها للسلطة، وللمؤسسات الأهلية الفلسطينية في الضفة الغربية، ولوكالة الغوث (الأونروا)، لكن بموجب بروتوكول تعاون تضمن إشتراطات أميركية، من شأنها أن تُقَيِّد حركة الأونروا، بما في ذلك فرض المزيد من القيود السياسية على الموظفين الفلسطينيين، والتمييز بين من يستحقون مساعدات الوكالة وحرمان من تنطبق عليهم مواصفات «الإرهابي»، بتعريف الولايات المتحدة؛ أي بتعبير آخر، جميع اللاجئين الناشطين في الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة أو الناشطين سياسياً، والمتهمين بما يسمى التحريض على إسرائيل، وكذلك فرض الرقابة الأميركية الصارمة على برامجها التعليمية، وتنقيتها من كل ما يمت إلى السردية الفلسطينية بأبعادها المتعددة.
كما استأنفت المخابرات المركزية مساعداتها لجهاز المخابرات في السلطة الفلسطينية دعماً لموازنات تستجيب لضرورات العمل واحتياجاته بين الجهازين بالأولويات التي تحددها واشنطن.
■ فاجأت الأحداث الفلسطينية الإدارة الأميركية، لكنها لم تنجح في خلط أوراق بايدن – بلينكن، وإعادة النظر في أولويات الاهتمام بالقضايا الدولية، بل يمكن القول إن إدارة بايدن طوقت أحداث الشرق الأوسط، عبر جولة وزير الخارجية توني بلينكن في المنطقة، التي اعتبرت فرصة لرسم أبعاد جديدة في المنطقة لسياسة «الاحتواء»، بديلاً لاستئناف المفاوضات. أما مقولة السلطة الفلسطينية بأنها نجحت في إقحام القضية الوطنية على جدول أعمال الإدارة الأميركية، ففيها من المبالغة الشيء الكثير.
أسفرت جولة بلينكن عن تفويض العاصمة المصرية برعاية «التهدئة» في قطاع غزة، وإدارة ملف إعادة الإعمار، وضبط العلاقة بين حركة حماس وحكومة بينيت. كما أسفرت عن مطالبة الأخيرة بإدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وتطوير خطة ما يسمى «بناء خطوات الثقة» لتعزيز موقع السلطة في مواجهة حركة حماس والمعارضة الوطنية عموماً.
■ ذهبت قيادة السلطة بعيداً في التفاؤل بالدور الأميركي، واستعادت ذات السياسات والرهانات التي بنتها على إدارة بوش الإبن، صاحب «رؤية حل الدولتين»- 2002، التي مازالت مقيمة في غرفة الإنتظار، والذي إنتهت ولايته بحملة «الرصاص المصبوب» على قطاع غزة، المسماة أيضاً بحرب الكانونين 2008–2009، العائدة إلى حكومة أولمرت، والسياسات والرهانات نفسها التي بنتها على إدارة أوباما، في ولايتيه الأولى والثانية.. 2009-2017، والتي انتهت بتسليم وزير الخارجية جون كيري بفشله في الضغط على حكومة نتنياهو لوقف (ولو جزئي) للاستيطان، كأحد متطلبات استئناف المفاوضات.
وهي نفسها السياسات والرهانات التي بنتها قيادة السلطة على إدارة ترامب، التي لَوَّحَتْ بحلها المنتظر، قبل أن تعلن عنه رسمياً فيما سمي بـ «صفقة القرن»- 28/1/2020، التي شكلت «صفعة» مدوية أحبطت قيادة السلطة، ودفعت بها لتتبنى خط عمل جديداً إفتتحته قرارات الدورة 23 للمجلس الوطني– 2018، واستكمل على يد القرار القيادي في 19/5/2020، القاضي بالتحلل من الاتفاقيات والتفاهمات مع دولة الاحتلال والولايات المتحدة، وما ترتب عليها من إلتزامات، بما فيه التنسيق الأمني؛ ومخرجات إجتماع الأمناء العامين- 3/9/2020، الذي نصَّ على «تقديم ورقة إستراتيجية لتحقيق إنهاء الإنقسام والمصالحة والشراكة في إطار م.ت.ف» + استحداث «لجنة وطنية موحدة لقيادة المقاومة الشعبية الشاملة»، والتي بقيت كلها معلقة على مشجب الإنتظار والرهانات الهابطة، حتى انقلاب 17/11/2020، حين أعلنت قيادة السلطة العودة إلى اتفاق أوسلو، بشقيه الأمني والاقتصادي، في رهان مبكر على تطورات سياسية مؤاتية جرّاء انتقال السلطة في واشنطن من إدارة (ترامب) إلى أخرى (بايدن).
■ الرهانات الجديدة – القديمة، أعادت قيادة السلطة إلى المربع الأول في استراتيجيتها، القائمة على الرهان على استئناف المفاوضات خياراً وحيداً للحل مع الجانب الإسرائيلي. وهو الأمر الذي وضعها أمام متطلبات سياسية جديدة، والتزامات جديدة نحو الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، تصب كلها في تعزيز ما يسمى ضمان أمن إسرائيل، وتقييد السلطة بالكثير من الاشتراطات التي تسرب أكثرها – دون نفيٍ من السلطة - إلى العلن ■
(6)
الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية
1- الحكومة الإسرائيلية
■ أفضت الانتخابات الإسرائيلية إلى رحيل حكومة نتنياهو، بعد أن تربع على كرسي السلطة فترة أطول من اللازم ( 1996-1999 + 2009-2020، لا بل 2021 باحتساب فترة حكومة تصريف الأعمال)، أحدثت في المنطقة حرائق كبرى، ووضعتها، بشكل شبه دائم، على حافة إنفجار ما. وحَلَّت محل حكومة نتنياهو، حكومة تحالف قوى، يمتد من اليمين المتطرف إلى اليسار الصهيوني، لا يملك أغلبية تبقيه في موقع السلطة إلا بتأييد نواب الحركة الإسلامية الجنوبية، برئاسة منصور عباس؛ حكومة يترأسها زعيم اليمين الاستيطاني - الديني نفتالي بينيت. ورغم الترحيب (المفتعل) بمجيء تحالف بينيت – لابيد على خلفية الإرتياح لرحيل نتنياهو، إلا أن الحكومة الجديدة، لم تكن أقل تطرفاً من سابقتها:
• فعلى الصعيد الإقليمي، بقيت مسألة الملف النووي في إيران، على رأس جدول إهتمامات الحكومة الجديدة، وكذلك متابعة مسار التطبيع مع الدول العربية، وإن كان هذا المسار شهد تباطؤاً، مقارنة بتسارعه في فترة الحكومة الأخيرة لنتنياهو، أثناء ولاية ترامب بالتحديد.
• أما على الصعيد الفلسطيني، فقد واصلت حكومة بينيت، ذات المسار الذي اتبعته حكومة نتنياهو. فالقدس في برنامج الحكومة الجديدة تشكل مشروعاً استراتيجياً، لتحويلها، بدعوى العصرنة والتحديث، إلى مدينة تمسح ملامح «القدس الفلسطينية»، ولها هويتها اليهودية المدعاة، خاصة وأن إدارة بايدن لم تتراجع عن قرار إدارة ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل.
• كما أن إدارة بايدن ما زالت تتلكأ في إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، في ضوء الإعتراض الإسرائيلي الشديد، بدعوى النيل من مكانة القدس الموحدة عاصمة للكيان الغاصب. وبالتالي، فإن القدس ستبقى، مع حكومة بينيت، ساحة صراع كبرى، تتصاعد حرارته يوماً بعد يوم، خاصة في إطار تنفيذ خطة تهجير جماعي بالتدريج للمقدسيين (بمثال الشيخ جراح، سلوان،...) والقمع المستمر والدائم للبلدات العربية كالعيساوية والعيزرية وغيرها، وفي إطار خطة تفرض واقعاً جديداً على المسجد الأقصى، قد يؤدي به إلى مصير شبيه، أو حتى أكثر خطورة من مصير الحرم الإبراهيمي في الخليل.
• على الصعيد الأمني، لم تتوقف حكومة بينيت عن دق طبول الحرب ضد قطاع غزة، في إطار خطة تهدف إلى تقويض القدرة القتالية المتعاظمة للمقاومة وتدمير بنيتها التحتية، خاصة وأن الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية، لا تخفي أن «الخطر الحقيقي» على ما يسمى أمن إسرائيل هو المقاومة في القطاع، وليس في مكان آخر؛ حتى أن بعضها أفتى بضرورة إشعال جبهة القطاع، في سياق الرد على أي تحرش يجري على جبهة الشمال، أي على الجبهة اللبنانية - السورية.
في السياق نفسه تواصل حكومة بينيت عرقلة وتعطيل ورشة إعادة إعمار ما دمره العدوان، بالربط بينها وبين الإفراج عن الجنود الأسرى لدى حركة حماس. أما في الضفة الغربية فمازالت حملات الاجتياح للمدن الفلسطينية والاعتقالات الجماعية في نشاطية ملحوظة، في سياق الاستخلاصات الأمنية لمعارك أيار(مايو) – 2021، وضرورة تقويض مرتكزات الحركة الشعبية الفلسطينية، من خلال اعتقال مفاصلها وقيادتها الميدانية.
• على الصعيد السياسي، إتخذت حكومة بينيت موقفاً سلبياً من الدعوة لاستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وردت على هذه الدعوات بعنجهية واستعلاء، وبإطلاق توصيفات على السلطة الفلسطينية (على غرار ضعيفة، مترددة) تغمز من قناة دورها الأمني وضرورة زيادة فعاليته في قمع الحركة الشعبية. ولا شك أن قمة هذه العنجهية تمثلت بتلك التصريحات التي وردت على لسان بيني غانتس، وزير الأمن الإسرائيلي، حين تحدث عن إجراءات إسرائيلية لدعم وإسناد السلطة الفلسطينية ومدها بعناصر القوة. كما وردت على لسان رئيس الحكومة بينيت حين برّر عدم لقائه بالرئيس عباس بسبب من الشكوى الفلسطينية المرفوعة أمام الجنائية الدولية.
■ مع التأكيد على أن الاستيطان ما زال على رأس جدول أعمال الحكومة الجديدة، في مصادرة الأراضي، في سياق خطط منهجية، كالخطة التي ترمز إليها مستوطنة أڤيتار على جبل صبيح على كتف بلدة بيتا، أيقونة المقاومة الشعبية في الضفة الغربية، وكذلك بفرض إحكام السيطرة على المناطق ج، وبأهداف بعيدة، تطال القطاع الزراعي، وتقويض بنيته التحتية، من مصادرة المياه، والسطو على الآلات والجرارات والمركبات الزراعية للمزارعين الفلسطينيين، والإغارة على قطعان ماشيتهم، وإغلاق المراعي أمامها، ومواصلة هدم المنازل بشهية تزداد جشعاً يوماً بعد يوم، وتصريحات رئيس الحكومة بينيت في زيارته إلى واشنطن-25/8/2021، تحمل تأكيدات واضحة على المضي في الاستيطان، وإن كان حاول أن يُميِّز نفسه عن نتنياهو بالإدعاء عن تراجعه عن مشاريع الضم، متجاهلاً الواقع القائل بأن كل مصادرة أرض، وكل استيطان – وإن كان زاحفاً -، هو الضم الواقعي بعينه■
2- السلطة الفلسطينية
■ السلطة الفلسطينية، من جانبها، وتعبيراً عن طبيعة الأزمة السياسية المستعصية التي يعانيها النظام السياسي، وضعت على رأس أولوياتها إطلاق ما سمي بمبادرة الرئيس محمود عباس، لملء ما يسمى الفراغ السياسي، الذي امتد طويلاً مع إدارة ترامب وحكومة نتنياهو. وقد تمثلت هذه المبادرة، كما أسلفنا، بثلاث نقاط: حكومة وفاق وطني «مقبولة دولياً»، مفاوضات برعاية الرباعية الدولية، وأخيراً وليس آخراً، «حل متفق عليه» لقضية اللاجئين.
بقيت هذه المبادرة معلقة في الهواء، لانشغال الإدارة الأميركية بأولوياتها، ولامتناع حكومة بينيت عن التفاعل معها، خاصة وأنها ترى أن المفاوضات ستشكل قيداً على حرية تحركاتها – الأمنية، الاستيطانية، التهويدية - في الضفة الغربية بما فيه القدس.
سياسة الاحتواء الأميركية للوضع الفلسطيني، إلى حين توفر الشروط اللازمة لاستئناف المفاوضات، إنتهت إلى ما يسمى بـ «بناء خطوات الثقة» بين الطرفين، بموجب ورقة تفاهمات وقعتها الأطراف الثلاثة (إسرائيل، السلطة، الخارجية الأميركية) في 14/7/2021، حملت في طياتها العديد من الإلتزامات والقيود الإضافية على السلطة، جزء كبير منها يستعيد ما جاء في «صفقة القرن» من قيود أمنية وإعلامية وغيرها.
■ وفي إدراك ضمني من السلطة الفلسطينية لواقع الحال، ولحدود الموقف الأميركي، والاستعداد الإسرائيلي، بنت خطتها، على الشروع في «مباحثات» مع إسرائيل حول تطبيقات إتفاق أوسلو، كمدخل محتمل للانتقال إلى مفاوضات الحل الدائم. وللتمهيد لمثل هذه الخطوة، جرى التبليغ بتسمية وزير الشؤون المدنية (ضابط الارتباط الأول مع الاحتلال) مديراً لدائرة المفاوضات، عضواً مراقباً في اللجنة التنفيذية.
خطورة هذه الخطوة، أنها تزيل الفوارق وخطوط الفصل بين قضايا المرحلة الانتقالية (أي تطبيقات أوسلو، بالحدود التي ارتضتها إسرائيل)، وبين مفاوضات «الحل الدائم»، الأمر الذي من شأنه أن يخفض سقف «الحل الدائم» بقضاياه المعروفة، ليقترب في مواضيعه من قضايا تطبيق إتفاق أوسلو، وبما يجعل الكثير من الوضع الراهن جزءاً من الحل الدائم، أي بتعبير آخر، إغلاق مفاوضات الحل الدائم لصالح ملء الفراغ بمباحثات تطبيق ما تَيَسَّر من أوسلو، وصولاً إلى ترسيم الحالة بما سوف ترسو عليه، سقفاً سياسياً للحل■
(7)
الحركة الجماهيرية
■ تمر الحركة الجماهيرية الفلسطينية، في مرحلة نهوض مميز، عَبَّرت عنها في العديد من مظاهر النضال اليومي:
• ففي مقاومة الاستيطان، تنتشر في أرجاء القدس وعموم أنحاء الضفة الفلسطينية، بؤر الاشتباك الجماهيري مع مشاريع الاستيطان، كما هو حال بيتا، وغيرها من المناطق المعرضة لخطر المصادرات وخطر توسيع الاستيطان، في خطط إسرائيلية واستراتيجية، بدا جلياً أنها تستهدف تقويض الأساس الجغرافي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، المتواصلة إقليمياً، وكاملة السيادة على حدود 4 حزيران (يونيو) 67. ولقد فرضت هذه النماذج النضالية حالها على الأوضاع الوطنية، بحيث باتت بعض ميادينها مَحَجَّة للقوى السياسية الفلسطينية.
• وفي مقاومة الاحتلال، تتواصل الأعمال الفردية، في استهداف لحواجز جيش الاحتلال ودورياته. وبغض النظر عن نتائج هذه العمليات، إلا أنها باتت ترمز إلى قناعة لدى الحالة الجماهيرية، بضرورة وضع حد لاحتلال بلا كلفة، ولا بد أن يدفع كلفة جرائمه غالياً.
• وعلى الصعيد الوطني، ترسخت لدى الصف العريض من أبناء الحركة الجماهيرية، ضرورة إحداث تغيير عميق في طبيعة النظام السياسي الحالي، جرى التعبير عن ذلك في الإقبال الواسع على التسجيل في قوائم المقترعين للإنتخابات، والإقبال الواسع على الترشح لقوائم قدمت نفسها باعتبارها مستقلة. ولا شك أن السبب الأهم الذي دفع قيادة السلطة إلى إلغاء الانتخابات (بدعوى التأجيل)، هو إحساسها بما يعتمل في المجتمع الفلسطيني من تطورات وتغييرات، من أجل وضع حد للنظام السياسي الحالي، بما يعتوره من مظاهر سلبية تحوَّلت قيداً على القضية والحقوق الوطنية، والحركة الجماهيرية، بدلاً من أن يكون رافعة رئيسية من روافعها.
■ ومن العلامات البارزة لنهوض الحركة الجماهيرية، واتساع صفوفها، أن قطاعات واسعة وشرائح جديدة، ممن لا تنتمي لفصيل بعينه، أو لإطار ما منظم، إنخرطت في الأعمال النضالية الجماهيرية بأشكالها المختلفة، إن في مواجهة الاحتلال والاستيطان، أو في مواجهة تغول السلطة وأجهزتها، وتفاقم الأزمة الاجتماعية في عموم أنحاء الضفة الغربية.
■ إلى ما سبق عَبَّرَت الحركة الجماهيرية عن عمق وعيها لحقوقها الديمقراطية، في تحركها بمواجهة السلطة وأجهزتها البوليسية، وقد احتلت جريمة إعدام الشهيد نزار بنات موقعاً مهماً، ساهم في تفجير التحركات الشعبية ضد القمع والبطش، ودفاعاً عن الحريات الديمقراطية، بما فيها حرية الرأي، وكل أشكال التعبير عنه، وصون حقوق الإنسان الفلسطيني، ولا شك في أن تظاهرة رام الله - 26/8/2021، شكلت علامة فارقة في تطور مناحي نضالات الحركة الجماهيرية، التي بدأت تناضل على محورين إثنين: الأول ضد الاحتلال بكل أشكال المقاومة؛ والثاني دفاعاً عن القانون والنظام الأساسي، وبما يكفل حقوق الإنسان الفلسطيني ويعزز قدرته على الصمود في وجه الاحتلال.
■ غير أن المحطة التي شكلت ذروة في النهوض الجماهيري، هي تلك الهَبَّة، التي اندلعت من باب العامود في القدس– 13/4/2021، والتي كانت في ظاهرها ثورة غضب، إمتدت من الضفة إلى القطاع، فمناطق الـ 48، وصولاً إلى عموم مناطق الشتات والمهاجر، أبرزت حقيقة ما تختزنه الحركة الجماهيرية الفلسطينية من قوة وبأس وإرادة صمود، أعادت صياغة المعادلات السياسية، وأعادت خلط الأوراق، بما في ذلك إنحيازات لقطاعات معيّنة على الصعيد الدولي، لصالح القضية والحقوق الوطنية، وصولاً إلى وسم دولة الاحتلال بالأوصاف التي تستحق، بما هي دولة تمييز عنصري، وتطهير عرقي، متورطة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني.
■ لقد نجحت الحركة الشعبية، بأساليبها النضالية المختلفة، في إسقاط خرافة المقاومة الشعبية «السلمية»، وأكدت، في السياق، أن أصحاب هذه الدعوة إما يدافعون عن استراتيجيتهم وخياراتهم القائمة على التقيد بشروط أوسلو، واعتماد المفاوضات خياراً وسبيلاً وحيداً للحل، ووسم كل أشكال النضال «الخشن» و«العنيف»، بأنه إرهاب؛ وإما أنهم مفصولون عن الحالة الفلسطينية، زماناً ومكاناً، وعن تجارب الشعوب التي سبقت الشعب الفلسطيني إلى التحرر من الاحتلال والاستعمار.
■ لقد أثبتت تجربة الشعب الفلسطيني، كما كل تجارب الشعوب، أن استجداء الحقوق الوطنية من جيوش الاحتلال، لن يؤدي سوى إلى المزيد من الإذلال، والدوس على الكرامة الوطنية. فما كان للحركة الوطنية في جنوب إفريقيا أن «تقنع» الطغمة الحاكمة من الأقلية البيضاء، بضرورة النزول عند مطالب الغالبية السوداء وحلفائها من البيض، لولا أن هذه الغالبية، نجحت، عبر كل أشكال النضال، ومن ضمنها، وفي سياقها، الكفاح المسلح- 1961، في أن تتحول إلى قوة تغيير في الميدان، قبل أن تكون قوة تفاوضية إلى الطاولة، قوة تفرض شروطها، بحيث لم يعد أمام الطغمة العنصرية البيضاء إلا «الاقتناع» بضرورة إنهاء النظام القائم، لصالح نظام دولة ديمقراطية، دولة المواطنة، دون أي تمييز عنصري- 1994.
■ والأمر نفسه في ڤيتنام، حيث كانت المفاوضات الحقيقية، بين جبهة تحرير ڤيتنام ومعها جيش شمال ڤيتنام والجانب الأميركي، تجري في الميدان، وتنقل نتائجها إلى طاولة المفاوضات.. 1970-1973، فأنتجت إتفاق باريس- 27/1/1973 الذي قاد إلى خروج الجيش الأميركي من ڤيتنام- 1975، بعد أن كان قد وصل حجمه إلى534 الفاً في الشهور الأولى لبداية ولاية نيكسون- 1969.
ولم تقتنع فرنسا الاستعمارية بأن الجزائر دولة مستقلة، لولا ثماني سنوات- 1954 إلى 1962 من القتال المرير والنضال الجماهيري الصعب، الذي جعل من قضية الجزائر قضية عالمية، أدت إلى إستدراك تفاقم الانقسامات الداخلية في فرنسا، التي شارفت عتبة النزاع الأهلي، فاتخذت الحكومة الفرنسية القرار الذي أفضى إلى استقلال الجزائر.
كما أنه ينطبق على اليمن الجنوبي- 1967، وعلى الثورة في كوبا- 1958، وغيرها من الشعوب التي لم تساورها، للحظة، فكرة أن المفاوضات وحدها، في ظل موازين مختلّة بشكل فاقع لدولة الاحتلال، هي السبيل إلى الحرية والاستقلال.
غير أن الخاصرة الرخوة للحركة الجماهيرية الفلسطينية، تكمن في أنها تفتقر إلى القيادة الموحدة، التي بإمكانها أن ترسم الاستراتيجية النضالية الكفيلة بتحويل النضالات والتضحيات اليومية إلى قوة متعاظمة باضطراد، تصب في مصلحة القضية الوطنية، وتقود إلى استنزاف الاحتلال وإضعافه، وصولاً إلى دحره.
■ ولا شك من أن أولى أسباب غياب القيادة الموحدة، هو استمرار الانقسام (مع إعتذارنا للقاريء من اللجوء لاستخدام أسلوب تفسير الماء بالماء)؛ كما أن من الأسباب الكبرى لغياب القيادة الموحدة، هو غياب الاستراتيجية الوطنية الموحدة. فضلاً عن أن المعارضة الفلسطينية، لتشتتها، وفشلها في التوافق على إطار نضالي تنسيقي، تَخَلَّفَت هي الأخرى عن تقديم النموذج الذي يُحتذى به، دون أن يعني هذا أن قواعدها لا تنخرط في إشعال نيران الصدام مع الاحتلال والاستيطان.
أما في الـ48، فإن القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية والتقدمية، نجحت في تشكيل أطر جامعة للنضال الجماهيري بقيادة اللجنة العليا لمتابعة الجماهير العربية، وبجانبه النضال السياسي البرلماني الذي تخوضه القائمة المشتركة في الكنيست.
■ في السياق نفسه، لا بد من التنبيه إلى أن غياب الإطار التنسيقي لميادين النضال الفلسطيني، أعاد الوضع، بعد معركة القدس، إلى ما كان عليه. ففي القطاع إنشغال بالهموم اليومية المعيشية والحياتية، وفي الضفة إنشغالات في مواجهة الاحتلال والاستيطان، في بؤر مشتتة، وفي الشتات إنشغالات مختلفة باختلاف الظرف المكاني والسياسي. أما في الـ48 فقد وجد الفلسطينيون العرب أنفسهم في مواجهة سلطات قمعية بوليسية، تعمل على الثأر منهم بالقمع، في رد فعل على الدور الذي لعبته الجماهير العربية في معركة القدس■
(8)
الحركة الأسيرة للعبور إلى الحرية،
نحو إنتفاضة السجون
■ أحدثت عملية «نفق الحرية»- 6/9/2021 في سجن جلبوع للأسرى الفلسطينيين، زلزالاً، إجتاح المؤسسة الأمنية بكل فروعها، حين نجح ستة من الأسرى، أصحاب المحكوميات العالية، من اختراق المنظومة الأمنية للسجن، واستعادة حريتهم، عبر نفق حفروه بإرادتهم الصلبة.
ليست هذه المرة الأولى التي تُبدع فيها الحركة الأسيرة في إنجازاتها النضالية، منذ الأيام الأولى للاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع، فقد كرّس عمر القاسم، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، مع مجايليه، تقاليد متقدمة في تنظيم حياة الأسر، ما حَوَّلَ السجون والزنازين إلى جامعات للعمل الوطني، ما زالت تساهم في صقل وتطوير الاستعداد النضالي للأسرى، وتحويل ساحة الأسر إلى ميدان رئيسي للنضال، تخوض الحركة الأسيرة غماره تراكمياً، بوجهة الصدام مع الإحتلال، إذ إن أي إجراء قد تلجأ له سلطات الاحتلال سوف تكون له تداعياته الشعبية الغاضبة، التي ستفضي إلى جولة جديدة من الصراع الشامل. إن نضال الحركة الأسيرة يرفع سوية المواجهة في كل مكان، وصولاً – بالتداعي – إلى إشعال السجون في حركة نضالية صاعدة، رافداً رئيسياً في المجرى الكبير للمقاومة الشعبية الشاملة للإحتلال.
■ وضعت عملية «نفق الحرية» السلطة الفلسطينية أمام استحقاق أمني، حيث تلقي دولة الاحتلال في أحضانها «كرة النار»، مطالبة إياها «بتحمل مسؤولياتها» بحكم التنسيق الأمني، من خلال المشاركة في عملية إقتفاء آثار المحررين بسواعدهم. وبالمقابل، فقد وضعت عملية «نفق الحرية» الحركة الجماهيرية وقواها السياسية أمام استحقاقات، باعتبارها أعلنت مسؤولياتها عن حماية أبطال العملية، وحذّرت سلطات الاحتلال من أي خطر قد يتعرضون له.
■ في هذا السياق أيضاً، أعادت عملية «نفق الحرية» طرح مسألة الأسرى على بساط البحث، وضرورة إعادة إعلاءها، باعتبارها قضية كبرى من قضايا النضال الوطني، وتحريرها من آليات الإهتمامات المتقطعة، لصالح إدراجها بنداً دائماً على جدول أعمال الحركة الوطنية، ما يفترض تطوير مؤسسات ولجان وآليات الإهتمام بقضايا الأسرى، وإسنادهم في معاركهم اليومية، ببطولات مبهرة، لا تملك من أدوات المجابهة والصمود إلا الإرادة الصلبة والثبات، والاستعداد العالي للتضحية. ولا شك في أن معارك الإضراب عن الطعام (نضالات الأمعاء الخاوية) كانت أبرز معارك الصمود في وجه مصلحة السجون وسلطات الاحتلال. وسيظل التاريخ يسجل للأسرى مبادرتهم لإطلاق «وثيقة الأسرى للوفاق الوطني» – 26/6/2006، التي ما زالت تحتفظ – باتجاهها العام – براهنيتها.
■ إن تطور نضال الحركة الأسيرة، وإمعان دولة الإستعمار الاستيطاني في استخدام أساليب القمع والتنكيل الجماعي، بات يملي على السلطة الفلسطينية العمل من أجل استعادة وزارة شؤون الأسرى في تشكيل الحكومة لوضع ملف الأسرى تحت مجهر المتابعة اليومية، وهي الوزارة التي سبق إلغاؤها نزولاً عن الضغط الأميركي والإسرائيلي.
■ لقد وضعت عملية «نفق الحرية» الجميع أمام استحقاقات كبرى: فدولة الاحتلال فقدت ماء وجهها كدولة أمنية، تتباهى بامتلاكها منظومة أمنية لا تُضاهى في المنطقة، كما تتباهى بامتلاكها، في الوقت نفسه، معدات أمنية وجدت لها رواجاً في السوق العالمية. لقد شكل فشل المنظومة الأمنية لسجن جلبوع في إحباط عملية «نفق الحرية»، ضربة قاسية للمعايير الأمنية، ولمنتجات المعدات الأمنية لدولة الاحتلال. كما أنها وضعت دولة الاحتلال أمام استحقاقات صعبة، في مقدمها إستعادة أبطال الحرية الستة مرة أخرى إلى الأسر، الأمر الذي حتى لو قُيّض لهم النجاح فيه، لن يلغي مفاعيل الهزيمة التي لحقت بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية■
(9)
خلاصات
1- أثمرت معركة القدس تطورات إيجابية ونتائج مهمة، أهدرها – جزئياً - تصادم طرفي السلطة، فتح وحماس، حين فشلا في الإتفاق على جدول أعمال لحوار وطني، كان من شأنه، أن يصوغ استراتيجيات، وسياسات، ومعادلات، تجعل من إنجازات معركة القدس، أساساً لمرحلة جديدة، تُخرج القضية الفلسطينية، من قيود الحالة التي فُرِضَت عليها نتيجة الإنقسام. وفي هذا السياق، نلاحظ عدم قدرة حركة حماس – حتى الآن - في تخطي وقائع الحالة الفلسطينية والقفز من فوقها، من على منصة إنتصارات معركة القدس، بدينامية تقودها إلى احتلال موقعها الطبيعي في النظام السياسي الفلسطيني، أي ذلك الموقع الذي يعود لها بحكم دورها ونفوذها وتضحياتها.
2- أُصيب النظام السياسي الفلسطيني، كما تعبر عنه السلطة وقيادتها، بِرِدَّة سياسية، تراجع فيها عن التوافقات الوطنية كما أقرتها المؤسسات الرسمية واللقاءات الوطنية، وعاد إلى دهاليز أوسلو، كما عكستها محاولات ترميم الهيبة المفقودة والشرعية التمثيلية المثلومة، بعد أن عجز عن تجديد نفسه، واستعادة ثقة الشارع، بحيث بات هذا النظام يرى في الانقسام، والمعارضة الوطنية ونهوض الحركة الجماهيرية، خطراً ماثلاً على مصالحه، ما جعله يحيل إلى الأجهزة الأمنية حل الخلافات، وضبط الأوضاع، وفق خطوطه السياسية، كما رسمتها مبادرة السلطة متتالية العناوين: حكومة وفاق وطني مقبولة دولياً، مفاوضات تحت رعاية الرباعية الدولية، حل متفق عليه لقضية اللاجئين.
3- في السياق نفسه، إستعاد النظام السياسي رهاناته على الإدارة الأميركية، وعلى مشروعها الغامض للحل، رغم إدراكه الأكيد عدم إنعقاد الشرط الأميركي – الإسرائيلي لاستئناف المفاوضات. وتناغم مع الرؤية الأميركية – الإسرائيلية المستجدة بعنوان «تقليص الصراع» و«بناء إجراءات الثقة» التي تقود إلى إلغاء الحدود بين استعادة ترتيبات أوسلو، وبين مفاوضات الحل الدائم، وبما يقود – بالنتيجة - إلى تكريس واقع سياسي مسقوف بالحكم الذاتي.
4- عادت حركة حماس إلى مواقعها السابقة في الانشغال بقضايا قطاع غزة وهمومه، وعجزت، بسبب خطأ في التقدير، عن تثمير نتائج معركة القدس، رغم محاولاتها إعادة تقديم نفسها شريكاً في المرجعية الفلسطينية. وباتت الأبواب أكثر إنغلاقاً أمام محاولات إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية. وكما السلطة في رام الله، كذلك تعيش حماس في قطاع غزة حالة إنتظارية، ممسكة بإحكام بقطاع غزة، باعتباره أيضاً قاعدة، منصة نحو الشراكة السياسية التي تعزز وضعها في المعادلة الفلسطينية.
5- نجحت الإدارة الأميركية في صون «سياسة الاحتواء» لملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، حين أحال وزير الخارجية توني بلينكن ملف قطاع غزة إلى الإدارة المصرية، وملف السلطة الفلسطينية إلى الجانب الإسرائيلي، برعاية مباشرة من نائب مساعد وزير الخارجية هادي عمرو، الذي ترجم هذه الرعاية بوثيقة «إجراءات بناء الثقة» بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في 14/7/2021 .
6- حافظت الحكومة الإسرائيلية الجديدة على «ثوابت» المشروع الصهيوني، بعناوينه المعروفة «لا دولة فلسطينية، لا مفاوضات، لا وقف للاستيطان، لا لعودة اللاجئين، القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل»، في ظل علاقة مركبة مع السلطة الفلسطينية، تقدم لها «التسهيلات» ضمن حدود لا تخرجها من أزمتها، ولا توفر لها قوة إضافية، بل تبقيها في حالة الضعف، التي تتوفر فيها الشروط لإدامة التزامها باتفاق أوسلو أمنياً (التنسيق الأمني، وقمع الحركة الجماهيرية) واقتصادياً (تعميق إندماج الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وفقاً لفلسفة بروتوكول باريس الاقتصادي- 1994) في ظل إحتلال إستعماري إحلالي، لا يتردد في اتباع أبشع سياسات الاستعلاء والعنجهية في إدارة علاقاته مع السلطة الفلسطينية.
7- مع ذلك، فإن الحالة الجماهيرية لم تفقد زخمها في مقاومة الاحتلال والاستيطان، من جهة، والتصدي لسياسة التغول القمعي للسلطة الفلسطينية، من جهة أخرى. غير أن كعب أخيل هذه الحركة وخاصرتها الرخوة في آن، أنها تفتقر إلى القيادة الوطنية الموحدة. فالنظام السياسي القائم بات أعجز من أن يؤدي دوره في تعبئة الحالة الجماهيرية، وتأطيرها وطنياً، وتسليحها بأدوات النضال، وأهمها الاستراتيجية الكفاحية. كما تعاني المعارضة الفلسطينية من جانب آخر، حالة من التشتت، تحول دون تقديمها للبديل الوطني، بطريقة عملية تشق طريقها في الميدان.
8- أثبتت الوقائع أن الأطر المؤسساتية للحركة الجماهيرية في الـ48، تتمتع بالخبرة والرؤية سياسياً وتكتيكياً، في ظل قيادة اللجنة العليا لمتابعة الجماهير العربية والقائمة المشتركة في الكنيست، ما يسمح لها بمواصلة تعبئة القوى للإستحقاقات المقبلة عليها وطنياً وديمقراطياً.
9- وضعت التطورات الحالة الوطنية في المجرى الرئيسي للدبلوماسية الشعبية الفاعلة في تشكيل الرأي العام خارج فلسطين، المؤثر بدوره على مستوى صناعة القرار السياسي. إن كل هذا يضع الحركة الفلسطينية في الشتات، أمام واجبات مستجدة، من أجل تطوير أساليب العمل الوطني متعدد الأشكال، الذي تصب روافده في المسار الوطني العام، بات من الضروري تأطيرها في برنامج كفاحي، يأخذ بعين الاعتبار، حالة النهوض، التي انعكست أيضاً على فعالية حركة اللاجئين، كما وتطور المزاج العالمي لصالح القضية الفلسطينية، بما في ذلك في الأوساط الأوروبية والأميركية نفسها■

13/9/2021


في الوضع الراهن واتجاهات العمل( )
مقدمة
■ «معركة القدس»، عنوان يغطي وقائع المواجهات الشاملة التي دارت في الوطن بجناحيه 48-67، من 13/4 – تاريخ إنفجار هبّة القدس من «باب العامود» إبتداءً – وحتى 21/5/2021، تاريخ وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة وجيش الإحتلال، إثر إندلاع معركة « سيف القدس»- 10/5.
هذا التحديد للإطار الزمني بحدي البداية والنهاية، إذ يعكس بأمانة وقائع السياسة والميدان، يكتسي أهميته من زاوية دحض القراءة الذاتية للأحداث بغرض التوظيف السياسي من طرفي السلطة، كما تَبَدَّت في مسلكهما، ما أن وضعت المعركة أوزارها: حركة حماس التي تسلط الضوء على الفصل الأخير، العسكري من المواجهات، إعلاءً لدورها، كونها تصدرت الميدان؛ وحركة فتح – بالمقابل– التي تُبهّت دور الفصل العسكري بالذات في المواجهات، لأنها غابت عنه في الميدان، كما في السياسة، لابل تمضي بعض أوساطها لاعتبار أن «سيف القدس» قد قطع الطريق على انتفاضة شاملة كانت في طور التشكل.
■ فرادة «معركة القدس»، أي ما يميّزها نوعياً عن مساق الهبّات التي تكاد محطاتها لم تنقطع منذ إندلاع «إنتفاضة الشباب»- 10/2015، هو مشاركة كل تجمعات الشعب الفلسطيني في صناعة وقائعها بصيغ العمل المتاحة، وبأشكال النضال المتوافقة مع ظرف كل تجمع على حدة: المقاومة الشعبية في الضفة بما فيه القدس، وما تخللها من عمليات فدائية + والحرب الأوسع – بتشكيلاتها وأدواتها – إنطلاقاً من القطاع + التظاهرات في مخيمات الشتات، وأخرى في ساحات عدة توزعت على أربع جهات الأرض، شجبت الإرتكابات الإسرائيلية ورفعت راية الحقوق الوطنية + أخيراً، وليس آخراً هبّة الغضب الشعبي– 48، التي غطت المدن المختلطة، وغيرها، إلى جانب الدعم المباشر لصمود أبناء القدس بالمشاركة متعددة الأوجه في الدفاع عن الهوية الفلسطينية للمدينة، ومقدساتها، بمواجهة مخططات التهويد والتطهير العرقي.
■ أما ما يميّز حراكات الـ 48 عن سابقاتها في العقود الماضية من حراكات مساندة لهبّات وانتفاضات الضفة والقطاع، بما فيه تلك التي أدّت إلى سقوط 13 شهيداً في بداية الإنتفاضة الثانية– 28/9/2000، ما يميّز تحركات الـ 48 هذه المرة، أنها استعادت وأضافت إلى ما سبق، بجمعها لأمرين:
أ) التأكيد على وحدة الحال والمصير بين جناحي الوطن، من خلال التضامن السياسي والعملي مع هبّة الضفة + المشاركة الفاعلة شديدة التأثير في مواجهات القدس+ إضراب 18/5 الذي شمل الضفة والـ 48 معاً – إلى جانب بعض بلدان الشتات - في أوج إحتدام نار «سيف القدس».
ب) رفع سقف الحركة الجماهيرية في الـ 48 في نضالها من أجل تحقيق مطالبها الخاصة بشروط حياتها، سياسياً ومعيشياً، تحت شعارات مناهضة لسياسة القمع والتمييز، وتأكيد طابعها ذا المنحى الصدامي باعتماد أشكال عدة في المواجهة، والصدام، بما فيه اللجوء لاستخدام السلاح الناري في المدن المختلطة، في سياق الدفاع عن النفس. لقد أظهر تحرك جماهير الـ 48 إخفاق مشاريع «الأسرلة» وبيَّن أن انتماء هذه الجماهير للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية يعلو في المنعطفات المصيرية، على مشاريع الإندماج وتحسين مستوى الخدمات التي صارت تتبناها بعض القوى مثل حزب راعم – منصور عباس.
■ تسببت هذه التطورات بإطلاق موجة غير مسبوقة من القلق لدى أوسع الأوساط الصهيونية حيال الوضع الفلسطيني داخل إسرائيل، الذي يتعاظم دوره السياسي وفعله النضالي، الأمر الذي سوف تترتب عليه تبعات، وسوف يلقي بمسؤوليات إضافية على الحركة الفلسطينية في الـ 48، ما بات – بدوره - يستوجب المزيد من التنبه واليقظة والمتابعة من القيادات المعنية على جانبي الخط الأخضر.
■ إن وحدة الساحات وتلاحمها، وتعدد أشكال النضال وتكاملها، كما ظهرت للعيان في «معركة القدس»، هي بمثابة إختبار عام، بروڤة لما سوف تأتي به الشهور والسنوات القادمة، مؤذناً بتواصل العد التنازلي للإحتلال بجيشه وأمنه، ومستوطنيه، فكما كان لـ «معركة القدس» مقدمات مهّدت لوقوعها، ستكون هي، بدورها، مقدمة لمواجهات لاحقة، ترتفع موجتها حدة أو تنخفض، تبعاً لتضافر شروط بعينها، لسنا بوارد تعيينها في هذا المكان، وإن كنا نجزم بوقوعها.
■ ما سبق يملي على الحركة الفلسطينية المسارعة لتجاوز النواقص والثغرات الماثلة، كما ظهرت في المواجهات الأخيرة، والتي تعود بالأساس إلى الإفتقاد لمركز قيادي موّحد، يُفعّل النضالات الجارية ضمن محددات استراتيجية تعكس الإجماع الوطني وإرادته الموحدة، الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن لاصطدامه بعقبات لن يكون بالإمكان تذليلها بيُسرْ، ما لم تتقدم الحركة الفلسطينية على طريق تجاوز الإنقسام، وهو الذي يتعاظم رسوخاً ومأسسة، وبمنحى يزداد خطورة، كلما مضى عليه الزمن، وبات يضع الحالة الفلسطينية على مشارف الإنفصال■
(1)
المفاوضات من منظور السياستين
الأميركية والإسرائيلية
1- بعكس ما حاولت بعض الأوساط الفلسطينية وغيرها، الترويج له، تُبيّن الوقائع أن سياسة إدارة بايدن بشأن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لا تختلف في بنود رئيسية فيها، عن سياسة الإدارة السابقة، إدارة ترامب، بل هي – في واقع الحال – قريبة منها، لا بل مطابقة لها، بأقله في موضوعين رئيسين: القدس، لجهة التمسك بقرار الإعتراف بالمدينة، عاصمة لدولة إسرائيل + التطبيع، بصيغته المستخدمة بمسمى «إتفاقات أبراهام»، لجهة تثبيتها، تطويرها إن أمكن، وتشجيع إنضمام دول أخرى إليها، «فهذه الإدارة»- على قول بلينكن، «ستواصل البناء على جهود الإدارة السابقة لمواصلة مسيرة التطبيع قدماً».
2- أما فيما يتعلق بنقاط الإختلاف مع سياسة الإدارة السابقة، فبعضها يكاد يقتصر على سطح الأمور، ولا يدخل في عمقها؛ والبعض الآخر لا يأتيه الإختلاف، حتى على مستوى السطح:
أ) ففي موضوع مفصلي كالاستيطان، وإن ابتعدت إدارة بايدن عن تبريره بدعوى عدم خروجه عن أحكام القانون الدولي – كما فعل بومبيو، وزير الخارجية السابق- فإنها لا تعترض عليه بشكل فعلي، باستثناء إسداء النصح بتفادي نقاطه المتفجرة، وفي السياق المطالبة بعدم ترحيل المقدسيين من بيوتهم في عدد من أحياء المدينة، تجنباً للمضاعفات التي ستثيرها هذه العملية.
وبالمقابل، وفي تبنٍ واضح للرواية الإسرائيلية الطامحة لوضع اليد على المسجد الأقصى، فإن الخارجية الأميركية، تواصل إطلاق مُصطلح «الحرم/الهيكل» على المسجد الأقصى، إمتداداً لما سبق أن أقرته إدارة ترامب- 2018. هذا إلى جانب تأكيد بايدن ووزير خارجيته بلينكن على الفصل بين الموقف من الاستيطان وبين استمرار المساعدات المقدمة إلى إسرائيل ورفض فرض عقوبات عليها.
ب) بعد سيطرة آلية التنسيق الأمني – بالمفهوم الأميركي/ الإسرائيلي – على أداء السلطة، جاء الدور على المال لجهة تشديد الرقابة على موازنات السلطة، والتدخل في معاملات البنوك؛ والإعلام بدعوى قيامه بأعمال التحريض؛ والتعليم من أجل مراجعة المناهج التربوية لملاقاة الرواية الصهيونية؛ والأسرى والمحررين قطعاً لرواتبهم، وبالتالي إلغاءً للقانون الذي يكفل حقوقهم، ما يشكل إهانة لمقاتلي الحرية، وإساءة للنضال الوطني التحرري، وإهانة للشعب الفلسطيني بأسره.
جـ) وفي موضوع وكالة الغوث، أعلنت واشنطن– 4/2021 قرارها بإعادة المساهمة في تمويل موازناتها، إنما ضمن محددات بروتوكول– 15/7/2021 الذي وقَّعته مع الوكالة، يحّولها إلى أداة سياسية أمنية بيد واشنطن، بروتوكول يرمي إلى إحداث تغيير جوهري في مهام ووظيفة الوكالة، بنصه على استثناء الناشطين في بعض مجالات العمل الوطني- الموصومة بالإرهاب على زعمهم – من خدماتها ووظائفها (ما يسمى بالحيادية!)، كما وتغيير المناهج التربوية لجهة التخلي عن الرواية الفلسطينية، أساس الهوية والحقوق الوطنية.
3- بالمقابل، فإن ما يمكن إحتسابه ضمن خانة الإختلاف بين إدارتي ترامب وبايدن، والذي يتمثل بوعدين قطعا من إدارة الأخيرة أمام السلطة الفلسطينية، إنما بالشرط المعلق، الذي – في نهاية الأمر - سيُعيق تنفيذهما، أو يقود إلى تأجيلهما إلى أمد غير منظور:
الأول، يقضي بإعادة إفتتاح مكتب م.ت.ف بواشنطن، ما يستوجب نقض قرار سابق للكونغرس يصنف المنظمة في خانة الإرهاب؛
والثاني، يقوم على إعادة القنصلية الأميركية إلى القدس الشرقية، ما يقتضي تجاوز إعتراضات الحكومة الإسرائيلية، التي تعتبر هذه الخطوة إنتهاكاً لولايتها السيادية على المدينة، علماً أن المكسب الوطني المتوخى من هذه الخطوة، لا يتحقق إلا باستعادة المكانة الدبلوماسية والإدارية المستقلة للقنصلية عن السفارة الأميركية في القدس، وليس باستتباعها بدعوى الحفاظ على وحدة التمثيل الدبلوماسي في المدينة - العاصمة الواحدة(!).
4- أما ما اعتبر بمثابة «الموقف» الذي يقلب صفحة «صفقة القرن»، إنطلاقاً من إعلان إدارة بايدن سعيها للتوصل إلى تسوية، تقوم على «حل الدولتين المتفاوض عليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين»، فهو لا يعني الدخول مباشرة في المسار التفاوضي، بل ترحيله إلى أمد غير منظور، فـ «الإدارة الحالية كانت واضحة بأن نقطة البداية لن تكون مفاوضات مباشرة بين الطرفين تؤدي إلى أي نوع من الإختراق في المدى القريب»، كما يؤكد الناطق بلسان الخارجية الأميركية نيد برايس- 16/9/2021، الذي يضيف: «لا ندعو صراحة لإجراء مفاوضات وجهاً لوجه في الوقت الحاضر...، ما نحاول القيام به هو تمهيد الطريق إلى المفاوضات وإرساء الأساس، بحيث يحصل الشعب الفلسطيني على درجة من الإغاثة الإنسانية، وحتى نتمكن من بناء مسار، نحو وقت يكون فيه الإسرائيليون والفلسطينيون قادرين على التمتع بهذه المفاهيم الأساسية: الرخاء والأمن والكرامة على قدم المساواة، ونحن لا نتوهم أن هذا سنكون شيئاً قادرين على فعله بين عشية وضحاها، أو حتى في إطار زمني أطول قليلاً». وهذا ما أكده بايدن نفسه في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة- 21/9/2021: «أمامنا طريق طويل لتحقيق هذا الهدف»، قاصداً «حل الدولتين».
5- الدعوة إلى «حل الدولتين المتفاوض عليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين»، إذن، إستحقاق مؤجل إلى أن تنعقد شروطه، التي بدورها تحتاج إلى إطار زمني أطول، سوف تشغله قضايا تندرج تحت عنوان «السلام الاقتصادي» - أو ما يتقاطع معه بجوانب رئيسية من مشاريع أخرى، على غرار «إجراءات بناء الثقة»، أو «تقليص الصراع»،...– التي تمهد الطريق إلى «السلام السياسي»(!).
هذه الدعوة إلى «حل الدولتين»، والعملية السياسية في مساقها، ليست مطروحة كأولوية على جدول أعمال إدارة بايدن حالياً، فليس هناك ما يستعجلها فلسطينياً أو عربياً... إلا في حال تجدد إلتهاب الأرض تحت أقدام الاحتلال، لكن هذا يُحيلنا إلى مستوى آخر من البحث، له إطاره المحدد.
6- العملية السياسية، المفاوضات،.. ليست مطروحة البتة على جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية، ومن باب أولى مسألة الدولة الفلسطينية، ما عكسه أكثر من تصريح صدر عن رئيس الحكومة اليميني- بينيت، وحتى نائبه – الوسطي! – لابيد، الذي اعتبر «أن حل الدولتين غير قابل للتطبيق راهناً... ولا يجب أن يُطلب منا أن نبني بأيدينا تهديداً آخر لحياتنا»- 12/7/2021.
إن خطاب بينيت أمام الجمعية العامة- 28/9، الذي لم يأتِ فيه على ذكر الموضوع الفلسطيني، لا يقتصر على موقف تكتيكي يرمي بأسلوب التجاهل، الإيحاء بأن هذا الموضوع لا يستحق الذكر أمام محفل دولي بأهمية الأمم المتحدة، بل يعبر عن موقف أيديولوجي يقوم على إنكار مبدئي لوجود مسألة صراعية أصلاً تستوجب المقاربة السياسية – بأقله – إن لم يكن الحل.
أما تصور الحكومة الإسرائيلية للتسوية، فهو لا يتخطى البعدين الأمني والمعيشي – بحسب غانتس، وزير الأمن، وهو ينطلق – إلى جانب رفع سوية التعاون الأمني، من مفهوم تحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين، من الزاوية الاقتصادية، كما من زاوية تسهيل المعاملات المدنية مع سلطات الاحتلال، وتطوير البنية التحتية التي تقلل الإحتكاك مع حواجزه، إلخ... في إطار ما بات يُسمى بـ «تقليص الصراع»، الذي يلقى ترحيباً من واشنطن تعويضاً عن غياب العملية السياسية■
(2)
بين «إجراءات بناء الثقة» و«الإقتصاد مقابل الهدوء»
1- تعَذُّر إطلاق مسار تفاوضي لاعتبارات الموقفين الأميركي والإسرائيلي، لم يكن خافياً على القيادة الفلسطينية الرسمية، فما الذي جعلها ترفع عالياً راية الدعوة لانعقاد مؤتمر دولي تحت مظلة الرباعية لإجراء مفاوضات، مع معرفتها بأن هذه الدعوة لن تُستجاب، لأن المفاوضات- كما عَلَّمت تجربة ثلاثة عقود.. 1991-2021، لا تنعقد إلا بقرار من واشنطن، وليس بناءً على طلب عربي رسمي، مهما كان عنوان العاصمة الذي ينطلق منه؛ والمطروح أميركياً وإسرائيلياً لا يتعدى حدود ما يدور في فلك «السلام الاقتصادي» بتنويعاته.
والجواب هو: القيادة الرسمية تستخدم الدعوة للمفاوضات تأكيداً على تمسكها بالعملية السياسية لاعتبارات مبدئية، آنية ومستقبلية، لكن أيضاً، وخاصة من أجل التمويه على حقيقة المشروع الذي ترى نفسها مُضطرة للتعاطي معه، لأنه – بتقديرها– الوحيد المتاح أمامها، وهو ما يسمى بـ «إجراءات بناء الثقة» مع الحكومة الإسرائيلية، الذي يعني عملياً العودة بالحكم الإداري الذاتي الحالي إلى ما كان عليه قبل الإنتفاضة الثانية، أي بسقف المرحلة الإنتقالية لاتفاق أوسلو.
2- يظهر الإرباك والتخبط في المسلك السياسي للقيادة الرسمية، من خلال طرحها – في نفس الوقت – لآليتين متناقضين للعملية السياسية؛ من جهة، الدعوة لمؤتمر دولي، كما أسلفنا، إلى جانب المضي بإجراءات بناء الثقة؛ ومن جهة أخرى، الترويج بأن هذه الإجراءات هي المرحلة الأولى التي تمهد لمرحلة ثانية (تعقبها مرحلة ثالثة!) تقوم على «إيجاد إطار لطبيعة حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، والذي يركز، بشكل أساسي، على الشرعية الدولية والقرارات القانونية التي تشير إلى دولتين لشعبين يعيشان في سلام وأمن» (كما ورد في مقابلة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ مع جيروساليم بوست- 23/7/2021)، ما يُعيدنا إلى ما قبل الإنتفاضة الثانية، أي إلى مذكرة شرم الشيخ- 4/9/1999 إبّان حكومة باراك، التي نَصَّت على مفاوضات تقود إلى إتفاقية إطار، تُعتمد لمفاوضات لاحقة، تقود إلى الحل التفاوضي المنشود(!).
3- ويبقى أن يُقال إن الخط السياسي الرسمي المعتمد هو الذي عبّر عنه الرئيس الفلسطيني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة- 24/9/2021، الذي تشكل محوره تلك الفقرة التي وردت في سياق الإشارة إلى «حوارنا البناء الذي يجري حالياً مع الإدارة الأمريكية لاستعادة العلاقات الفلسطينية – الأمريكية، ووضع خطوات تضمن إلتزام سلطة الإحتلال بالاتفاقيات الموقعة. نحن من جانبنا سنسعى لإنجاح ذلك بهدف خلق أجواء تسمح بالإنتقال بأسرع وقت ممكن إلى الحل السياسي الدائم الذي يُنهي الإحتلال الإسرائيلي لبلادنا». ويتضح من هذه الفقرة أن «الإتفاقيات الموقعة» ليست سوى إتفاقيات أوسلو. أما «الحل السياسي الدائم»، فيتم بلوغه - كما يرد في فقرة لاحقة من الخطاب – من خلال «مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الرباعية الدولية».
4- من أجل تطويع قطاع غزة المقاوم، وخاصة بعد فك الإرتباط- 2005 وانقلاب- 2007، إعتمدت إسرائيل سياسة، جمعت بين أسلوب الإكراه بالعدوان(9/2008-2012-2014) والحصار، وبين استخدام وسطاء، كانت مصر أهمهم لاعتبارات الموقع والدور والآصِرَّة القومية. غير أن هذه السياسة لم تُثمر، بل أنتجت عكس ما رمت إليه، إذ تعاظم دور المقاومة في غزة، ونفوذها، وتوثقت علاقتها بالشعب الذي التف حولها، ودفع ضريبة الصمود من دمه ورزقه ومستوى معيشته، في سبيل القضية الوطنية.
5- مؤخراً، وفي ضوء ما نتج عن «سيف القدس»، وبعد رواج العرض في سوق «السلام الإقتصادي»، بصيغه المتقاطعة فيما بينها، إنضم إليها يئير لابيد وزير الخارجية الإسرائيلية بخطة «الإقتصاد مقابل التهدئة/الأمن»- 12/9/2021، خطة تقوم على مرحلتين: الأولى، «الإقتصاد مقابل التهدئة طويلة الأمد»، التي تفترض إلتزام حركة حماس بها، وتنتقل عبر احتواء القدرة العسكرية المتعاظمة للمقاومة، إلى تلبية الإحتياجات الإنسانية الملحة والمباشرة للمجتمع: إعادة تأهيل شبكة الكهرباء وربطها بالغاز + بناء مرافق تحلية مياه + تحسين الخدمات الصحية + إعادة تأهيل البنية التحتية السكنية والمواصلات...؛ والمرحلة الثانية، «الإقتصاد مقابل الأمن»، وفي أثنائها تعود السلطة الفلسطينية إلى غزة لتتسلم إدارتها، كناية عن خطة منظمة للنهوض الإقتصادي، التي ستبرز ما سوف ترسو عليه أوضاع القطاع، في حال قبول حركة حماس بشروط الرباعية، ومن بين عناصر الخطة: إنشاء ميناء غزة + ربط القطاع بالضفة + إستثمارات دولية في غزة + مناطق صناعية بجوار معبر بيت حانون...
6- على خلفية التقدير برفض فصائل العمل الوطني بغزة لهذه الخطة، حيث أقصى ما يمكن أن تمرره حركة حماس – في الوقت الحاضر – هو «التهدئة المؤقتة» مقابل تخفيف شدة الحصار والإفراج عن الإعمار، الخ.. وليس «التهدئة» بالمدى المفتوح؛ على خلفية هذا التقدير، يجري العمل من أجل أن يتم إعتماد خطة لابيد من واشنطن وموسكو، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية والعربية، نخص من بينها مصر لمحورية دورها، الذي عَلَّقت استئنافه على الربط بين المسارين الإقتصادي والسياسي من خلال إطلاق المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية في إطار عملية سياسية شاملة، الأمر الذي ليس من المتوقع أن تقبل به الحكومة الإسرائيلية، ما يرسم تالياً حدود الدور المصري■
(3)
3 إستخلاصات رئيسية
[■ بغض النظر عن موقفنا من دعوة القيادة الرسمية لإطلاق مفاوضات بصيغة لا تنسجم وقرار الدورة 23 للمجلس الوطني – 2018، لا بل تتعاكس معه – بواقع الحال - بعدد من النقاط الرئيسية؛ وبمعزل عن موقفنا من مشروع «حل الدولتين» الذي سبق أن دعا له الرئيس بوش الأبن– 24/6/2002، وزاده تحديداً بيانه المؤيد لـ «خطة فك الإرتباط»- 14/4/2004، وهو الحل الذي يطيح بحدود الـ 67، والقدس العاصمة، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم، ... والذي سبق أن أوضحنا مراراً على يد قرارات الـ م.س وغيره من الهيئات، أنه ينحرف عن أهداف البرنامج المرحلي، الأساس الذي لا محيد عنه لأي تسوية سياسية، متوازنة تلتزم تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف لشعب فلسطين؛ بغض النظر عن كل هذا، نثبت فيما يلي 3 إستخلاصات رئيسية، سترسم ملامح المواجهة المستدامة في المرحلة القادمة، بين شعبنا وحركته الوطنية، وبين دولة الإحتلال والإستعمار الاستيطاني والتمييز العنصري:]
1– لا مكان للمفاوضات في إطار عملية سياسية، ولا إدراج لها على جدول أعمال الإدارة الأميركية
– أولاً- بدعوى التمهيد لها إستيفاءً لشروط الرخاء والسلام والأمن والكرامة، الخ.. ما يستوجب إنقضاء مدة طويلة، قد تمتد إلى سنوات؛ ولا على جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية – ثانياً- لاعتبار مبدئي وبنيوي في آن، إعتبار يُنكر وجود موضوع يقتضي التفاوض حوله بمعنى الحل السياسي، وحيث يطرح هذا الموضوع نفسه، يُعالج بالعصا الأمنية و/أو الجزرة الإقتصادية.
2- مشاريع خطط «السلام الإقتصادي»، حتى لو تسربلت بكل الأشكال التي يمكن تصورها، لن يُقيّض لها النجاح، ولن تحل مكان «الحل السياسي» الذي يستجيب للحقوق الوطنية لشعبنا، فصراعنا مع دولة الإستعمار الاستيطاني – في المقام الأول - ليس مطلبياً، بل هو – بالأساس- صراع بمضمون التحرر الوطني يشمل الحرية للشعب، ويطاول الأرض، ولمن تعود السيادة عليها، إنه صراع مفتوح على زمن لن يطول حتى يدرك خطوة خطوة أهدافه.
3- أجهزت «معركة القدس» سياسياً على بقايا مشروع أوسلو للحكم الذاتي الذي يُنذر أصلاً، بمزيد من التحلل في أوضاعه؛ كما كشفت تهافت مشروع «الدولة الواحدة» الذي لا يمكن أن يكون في الظرف الحالي – وحتى إشعار آخر- سوى دولة «إسرائيل الكبرى». وبالمقابل أكدت «معركة القدس» على راهنية البرنامج الوطني المرحلي القائم على ثلاثية الدولة بالقدس العاصمة (67) والعودة إلى الديار (شتات + 48 + 67) والمساواة القومية (48)، وهو البرنامج الذي انخرطت تحت رايته كل تجمعات شعبنا في النضال بما تملك، حيث وجد كل تجمع في صمود التجمعات الأخرى مدداً لصموده، وفي نضالات كل تجمع من تجمعاته رافعة لنضالاته، ما يقطع بوحدة الشعب وقضيته الوطنية، ووحدة النضال الكل الفلسطيني بجميع مكوناته، على طريق انتزاع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بحرية على كامل ترابه الوطني■
■■■
■ على خلفية «معركة القدس» ونتائجها، الحركة الجماهيرية وتصاعدها، إنغلاق الأفق – في المدى المرئي أمام عملية سياسية ذات مغزى، وازدهار سوق «السلام الإقتصادي» بمختلف صيغه ومشتقاته، تتصدر قضيتان رئيسيتان الأجندة الوطنية: الأولى، تتعلق بكيفية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أو إصلاحه، أو تطويره، ما يطرح في السياق مسألة تجاوز الإنقسام واستعادة الوحدة الداخلية؛ والثانية، تتناول أشكال مقاومة الإحتلال والإستعمار الاستيطاني على امتداد الحضور الفلسطيني في الوطن–
67 + 48، والشتات■
(4)
فشل مسار بناء الوحدة
1– مع صدور المراسيم الرئاسية للإنتخابات العامة – 15/1/2021: تشريعي- 22/5، رئاسي- 31/7، مجلس وطني- 31/8، تم إرساء أساس عملية سياسية شاملة لإعادة بناء المؤسسات الوطنية، الأعمدة الحاملة للنظام السياسي في السلطة والمنظمة معاً. وجاء الحوار الوطني بالقاهرة في جولتيه-
2 و3/2021، ليستكمل البحث بشروط هذه العملية من إنتخابات التشريعي إبتداءً، على أن تُبحث الإستحقاقات البواقي، بما فيه استراتيجية العمل الوطني والبرنامج السياسي الناتج عنها، بعد الفروغ من التشريعي، أي – عملياً – في ضوء ما سترسو عليه نتائجه.
وبهذا تُوِّج بالنجاح جهد موصول، بُذل على امتداد 10 شهور (5/2020-3/2021)، ما كان له أن يُحقق ما حقق لولا إمساكه بالصلة العميقة بين إنهاء الإنقسام وبين إصلاح النظام السياسي؛ أو إعادة بناء مؤسسات النظام ديمقراطياً وتطويرها نوعياً، بما يفضي إلى إنهاء الإنقسام.
أطاحت الرئاسة الفلسطينية بهذا الإنجاز الثمين، ففي 29/4، ومواجهات القدس في أوجها، أعلنت تأجيل الإنتخابات حتى إشعار آخر، ما عنى في الواقع العملي، عدم إجرائها لصعوبة تكرار إنعقاد شرطها فلسطينياً وخارجياً. وبهذا تكون مسيرة تجاوز الإنقسام واستعادة الوحدة الداخلية قد انقطعت، ومعها توقفت الجهود الآيلة لإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة ديمقراطية، تعددية، وحدوية جامعة.
2- وفّرت «معركة القدس» على وهج نتائجها، جواً مؤاتياً لإحياء حوار وطني يجدد مساعي تجاوز الإنقسام، إما استعادة لما سبق الإتفاق عليه مع التعديلات اللازمة، أو إعتماداً لآليات أخرى تعكس التوافق الوطني.
غير أن شيئاً من هذا لم يحصل، لأن الرؤية التي سادت لدى الطرفين، فتح وحماس، إنحكمت للقاعدة الصفرية إياها، التي يرى فيها كل طرف أن الإنجاز السياسي لا يُجيَّر للصالح الوطني العام، ما لم يمر من بوابته الخاصة، ما يعني أن أي زيادة في رصيد أحدهما، ستترجم تناقصاً في رصيد الآخر؛ ما جعلنا نقف أمام مفارقة محزنة: الإنجاز الوطني الناجم عن «معركة القدس» بدلاً من أن يُقرِّب موحِّداً بين السلطتين، باعد مُفرقاً بينهما.
3- من أجل قطع الطريق أمام المزيد من التدهور في العلاقات بين حركتي فتح وحماس، واستئناف الجهود لرأب الصدع على طريق استعادة الوحدة، سارعت القاهرة إلى الدعوة لحوار وطني شامل في 12/6، أي بعد ثلاثة أسابيع من إعلان وقف إطلاق النار، لكنها سرعان ما تراجعت عن هذه الدعوة، بعد أن تبدَّى في الإجتماعات التمهيدية بين الحركتين أن نقاط الخلاف بينهما إزدادت حدة، كونها تشمل قضايا غير قابلة للتوفيق فيما بينها:
أ) فتح تسعى لإدامة سيطرتها على النسق المؤسساتي الذي يتيح لها مواصلة الإمساك بأوضاع السلطة والمنظمة معاً، لذلك فهي تغلق الباب أمام دخول حماس إلى مؤسسات المنظمة، ما لم تقبل بتوحيد مؤسسات السلطة بغزة مع مثيلاتها في الضفة. وبالمقابل، فإن فتح تعطي أولوية لتشكيل حكومة تلتزم بقرارات الشرعية الدولية (وهي التسمية الكودية للقبول بالشروط الثلاثة المعروفة للرباعية الدولية) في سياق الإعداد لمفاوضات مقبلة، معتمدة على التحسن الذي طرأ على وضعها بفعل إنفتاح إدارة بايدن عليها، بالتوازي مع تطور علاقاتها العربية مع بعض الأطراف النافذة.
ب) حماس، من جهتها، تطرح رؤية في إعادة ترتيب النسق المؤسساتي، تبدأ بتشكيل مجلس وطني إنتقالي لمدة سنتين، تنبثق عنه هيئات تتولى مجتمعة مهمة الإتفاق على شكل النظام السياسي الجديد، وأدواته، واستراتيجية العمل والبرنامج السياسي للمرحلة المقبلة. وفي هذا تستند حماس إلى ارتفاع مكانتها وتعاظم قوتها بعد «سيف القدس»■
(5)
إقتراحات للخروج من المأزق
■ رغم تعذُّر إجراء الإنتخابات العامة، وانسداد الأفق أمام إمكانية حصولها في الفترة القادمة، فإن التمسك بها، والإصرار عليها، يجب أن يبقى أحد الأركان الرئيسية في عملنا السياسي والتعبوي والدعاوي، بكل ما يترتب على ذلك من تجهيز لأوضاعنا الداخلية لاستقبال هذا الإستحقاق واجتيازه بنجاح، عندما ينعقد شرطه.
إن هذا الموقف الثابت لا يتعارض مع البحث عن صيغ مؤقتة، تمهيدية، إنتقالية، تَنْظُم العلاقات بين القوى وتضبطها في إطار عمل مشترك ضمن نسق مؤسسي، إذا أمكن، ما يفترض بدوره – إلى جانب السعي الحثيث للإرتقاء بمستوى العمل الموحد في الميدان – إعلاء شأن الدعوة لاستئناف الحوار الوطني بكل أشكاله وعلى مختلف مستوياته، بغض النظر عن محاولة بعض الأطراف إستخدامه لأغراض فئوية قصيرة النظر. وفي هذا الإطار، بالإمكان استعادة الأفكار والمقترحات التالية:
أولاً- إحياء قراري إجتماع الأمناء العامين- 3/9/2020، التي نستعيدها بالنص، لراهنيتها وأهميتها:
1- «تشكيل لجنة من شخصيات وطنية وازنة، تقدم رؤية استراتيجية لتحقيق إنهاء الإنقسام والمصالحة والشراكة في إطار م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، خلال مدة لا تتجاوز خمسة أسابيع، لتقديم توصياتها للجلسة المرتقبة للمجلس المركزي الفلسطيني وبمشاركة الأمناء العامين فيها كي تضمن مشاركة الجميع تحت مظلة الوحدة الوطنية الفلسطينية»؛
2- «تشكيل لجنة وطنية موحدة لقيادة المقاومة الشعبية الشاملة، على أن توفر اللجنة التنفيذية لها جميع الإحتياجات اللازمة لها لاستمرارها».
ثانياً- مسلحين بقرار الدورة 23 للمجلس الوطني – 2018 الذي قرر أن تكون دورته هي الأخيرة، والذي نقل صلاحياته إلى المجلس المركزي لاستخدامها كلما استدعى الأمر ذلك، واعتماداً على آلية التوافق الوطني:
1– يُعاد تشكيل، أو توسيع المجلس المركزي، بما يضمن تمثيل الكل الفلسطيني: فصائل م.ت.ف + حركتي حماس والجهاد + ممثلين عن المجتمع المدني.
2- تنبثق عن المجلس المركزي، بصيغته الجديدة، لجنة تنفيذية جامعة أيضاً للكل الفلسطيني، يكون في عدادها: رئيس مجلس إدارة الصندوق القومي المنتخب من المجلس المركزي + رؤساء الدوائر التي تغطي مجالات العمل الوطني، بما فيه الدائرة السياسية + دائرة العلاقات مع الـ 48،..
3- بعد اكتساب صيغتهما التمثيلية الشاملة، تُكلف اللجنة التنفيذية ومعها المجلس المركزي، بإدارة الحوارات، وتحضير الإقتراحات والوثائق وصيغ العمل، بالآليات التي تخدم الوفاء بالإستحقاق الديمقراطي المتمثل بإجراء الإنتخابات العامة، إلى جانب متابعة قضايا أخرى، تطرح نفسها في سياق العمل الوطني■

(6)
في ضوء تعاظم الحركة الجماهيرية
المناهضة للإحتلال .. خلاصات واتجاهات عمل
[■ بعد وقف إطلاق النار- 21/5، واصلت الحركة الجماهيرية نهوضها في الضفة بما فيه القدس، إن بمواجهة الإحتلال واستيطانه، أو بالتصدي لممارسات السلطة القمعية المتجاوزة على الحريات العامة، أو سطوة الأجهزة الأمنية وتغولها، التي لم يكن إغتيال الناشط نزار بنات- 24/6 سوى رأس جبل الجليد في سجلها، بعد أن تحوَّلت إلى منظومة ذاتية الحركة، مستقلة عن مرجعية حكومة السلطة. واتسع نطاق العمليات الفردية في الضفة، وصولاً حتى إلى القطاع (عملية المسافة صفر- 21/8).
أما في غزة، فكانت العودة إلى فعاليات المقاومة الشعبية، إفتتحتها مسيرة 20/8، في ذكرى إحراق المسجد الأقصى، واستئناف المقاومة بأشكالها على خطوط التماس.
أما الحدث المزلزل لمعادلات المواجهة، فتمثل بعملية «نفق الحرية»- 6/9، لخروجها عن سياق المألوف، لتداعياتها، ولما ولَّدته من حالة مشتبكة، إستثنائية بحدتها وتحديها للسَجَّان ودولته، في كل مكان على أرض فلسطين.
وفيما يلي خلاصات ترسم الإطار السياسي الذي تتحرك من خلاله الحركة الجماهيرية في فلسطين المحتلة – 67 والشتات، وهي تمضي قدماً، متصاعدة حدة في مواجهة الإحتلال واستعماره الاستيطاني:]
1– تَخَلَّفت القيادة الرسمية –مرة أخرى– عن النهوض بمسؤولياتها الوطنية في اتخاذ الخطوات الضرورية لتوفير الغطاء السياسي للهبّة الشعبية والمساهمة في دفعها على طريق الإنتفاضة الشاملة، والرد على العدوان الوحشي ضد قطاع غزة، من خلال التنفيذ الفوري لقرارات الدورة 23 للمجلس الوطني- 2018 بالتحرر من الإلتزامات المجحفة لاتفاقيات أوسلو، وبخاصة وقف التنسيق الأمني والتحلل التدريجي من إملاءات «بروتوكول باريس الإقتصادي».
[ كمثال معبِّر عن أداء القيادة الرسمية أثناء «معركة القدس»، نشير إلى الاجتماع القيادي- رام الله، 12/5، بعد يومين من إندلاع «سيف القدس»، الذي لم يخرج بأي قرار أو توجه محدد، بل اقتصر على تشكيل لجنة لدراسة الإقتراحات المقدمة(!). في هذا الإجتماع طالبت الجبهة الديمقراطية إستئناف العمل بقرارات 19/5 بدءاً من وقف التنسيق الأمني، وإحياء القيادة الوطنية الموحدة.]
2- إن استمرار هذه السياسة التي تتمسك بخيار الإلتزام باستحقاقات أوسلو وقيوده، والإغراق في وهم الرهانات الخاسرة على إحياء المفاوضات العبثية برعاية الرباعية الدولية، التي مازالت أسيرة الإحتكار الأميركي، بات يعطل الدور الريادي لـ م.ت.ف، ويتنكر لقرارات مجلسيها الوطني والمركزي، ويغذي اصطناع البدائل لها، ويزيد بالتالي من تفاقم أزمة النظام السياسي الفلسطيني وعجزه عن التقدم في مواكبة المسيرة الكفاحية لشعبنا، وفي تجاوز حالة الإنقسام التي تعمق هذه الأزمة وتزيدها تعقيداً.
3- إذ نحذر من خطورة الرهان على إمكانية إطلاق عملية سياسية جدية لحل الصراع في الأمد القريب، نشدد على ضرورة إستمرار النضال في الميدان وعلى الصعيد الدولي، من أجل تغيير حاسم في ميزان القوى، يملي على العدو الإذعان لقرارات الشرعية الدولية وبخاصة القرار 2334-2016، الذي ينص على وقف الاستيطان الإستعماري اللاشرعي وقفاً تاماً، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لإطلاق عملية سياسية قابلة للنجاح، في إطار مؤتمر دولي تحت الرعاية الجماعية للأمم المتحدة، ممثلة بالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن- P5، من أجل تنفيذ القرارات ذات الصلة، بما يضمن الحل الشامل للقضية الفلسطينية بكافة جوانبها، بما فيه حل قضية اللاجئين وفقاً للقرار 194 الذي يكفل حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948.
4- إن ما حققه شعبنا من انتصارات، نقل قضيتنا الوطنية إلى مرحلة جديدة، باتت تستوجب سياسة وطنية جامعة، ترقى إلى مستوى التحديات والاستحقاقات التي باتت تطرحها هذه المرحلة، ما يتطلب سريعاً، إعادة تنظيم الصف الوطني على أسس إئتلافية، تستعيد قيم وقواعد عمل حركات التحرر الوطني، ووفق برنامج نضالي يعتبر من الدروس الغنية لـ «معركة القدس» وفي مقدمها وحدة الشعب والأرض والقضية والحقوق الوطنية، كما يُعبِّر عنها بدقة البرنامج الوطني المرحلي، الذي أتت الأحداث – مرة أخرى – لتؤكد على راهنيته.
5- نؤكد على ضرورة قراءة دروس ثورة الغضب الشعبي – هبّة الكرامة في الـ 48، وما أحدثته من تطور في تجسيد وحدة شعبنا ووحدة نضالاته، ما يتطلب توفير آليات وأطر عمل تكفل صون هذه الوحدة، وتراعي خصوصية كل بقعة من بقاع النضال بتنوعها، وتمايز شروطها، وأهدافها السياسية المرحلية، في سياق المشروع الوطني الفلسطيني الموحد، برنامج العودة وتقرير المصير والإستقلال والسيادة.
وفي هذا السياق يمكن بحث فكرة تشكيل إطار تنسيقي جامع، لا يكون بديلاً عن م.ت.ف، يؤكد وجود الشعب الفلسطيني كشعب واحد لا يقبل التجزئة قولاً وفعلاً، ويسمح بصورة خاصة لممثلي الفلسطينيين من مواطني إسرائيل، غير الممثلين في هيئات م.ت.ف، بالمشاركة فيه، مع مراعاة خصوصية الشرط الذي ينحكم له واقعهم.
6- النهوض العارم للحراكات الشعبية، في القارات الخمس، تضامناً مع نضال شعبنا ونضاله في سبيل حقوقه المشروعة، ومناهضة لجرائم الإحتلال وسياسات التمييز العنصري والتطهير العرقي، يعبر عن نقلة نوعية في الرأي العام، على المؤسسات والمنظمات الفلسطينية الرسمية والأهلية، التفاعل معها، وتطويرها لعزل دولة الإحتلال، كما تم فيما مضى عزل نظام الأبارتهايد البائد في جنوب إفريقيا، ناميبيا، زمبابوي، الخ..
7- نؤكد من جديد على أهمية المسارعة لالتئام حلقة الحوار الوطني الشامل على أعلى المستويات، حوار تصدر عنه قرارات ملزمة للكل الوطني، تُخرج الحالة الفلسطينية – وإن بخطوات متدرجة - من واقع الإنقسام، وتضع آلية لإعادة بناء م.ت.ف وإصلاحها على أسس ديمقراطية، تعددية، وطنية جامعة، بما يعزز موقعها السياسي والنضالي؛ وتعتمد استراتيجية كفاحية، تكفل مواصلة استنهاض قوى شعبنا، واستعادة عناصر القوة التي يملك■
مطلع 10/2021

ملحق1
الرؤية الوطنية لترتيب البيت الفلسطيني
وإنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة الوطنية( )
إنطلاقاً من المعركة البطولية التي خاضها شعبنا الفلسطيني في أماكن تواجده كافة، ملتفاً حول قضيته الوطنية، وفي القلب منها القدس، العاصمة الأبدية لفلسطين، وتأسيساً على منجزات هذه المعركة الخالدة، معركة «سيف القدس»، التي توحد فيها العمل الفلسطيني في الداخل والخارج، وهزت الإحتلال، وكشفت ضعفه وعنصريته، كان لا بد من تعزيز صورة الصمود والانتصار، واكتمالها عبر لوحة وطنية تليق بشعبنا، تكمل اللوحة الجهادية النضالية التي رسمها الميدان، وعليه نعلن نحن الموقعين على هذه الوثيقة من فصائل وقوى ومكونات وشخصيات وطنية مختلفة، عن رؤيتنا الوطنية الشاملة لتحقيق الوحدة داعين شعبنا العظيم وقواه المختلفة إلى دعم هذه الرؤية، وتبنيها، ولتكون حقيقة واقعة وبشكل فوري:
أولاً: ندعو إلى سرعة عقد الحوار الوطني الشامل في القاهرة، على مستوى مقرر، بحيث يُشارك فيه الرئيس عباس، والأمناء العامون لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة الفلسطينية.
ثانياً: ينطلق الحوار على أساس ترتيب البيت الفلسطيني، بدءاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، البيت الجامع للشعب الفلسطيني كله أينما وجد، بحيث يتم الاتفاق وطنياً على تشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد بالتوافق ويكون مجلساً إنتقالياً لمدة عامين، ولهذا الغرض يُشكل المجتمعون لجنة وطنية خاصة تضع أسس ومعايير تشكيل المجلس، ومن ثم تشرع في تشكيله بالتوافق ثم يُكمل المجلس الجديد العمل لتشكيل هيئات منظمة التحرير الفلسطينية المختلفة، على أن يتم الانتهاء من ذلك كله في غضون 3 أشهر من تاريخه.
ثالثاً: يشكل المجتمعون قيادة وطنية مؤقتة للشعب الفلسطيني، تشرع فوراً في قيادة الحالة الوطنية الفلسطينية بكل تفاصيلها، وتتولى هذه القيادة دون غيرها مسؤولية إدارة الشأن الوطني حتى الانتهاء من تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني والهيئات المنبثقة عنه، وتُشكل هذه القيادة من الأمناء العامين لجميع الفصائل الفلسطينية سواء فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة الأخرى، على أن تنبثق عنه لجنة مصغرة بهدف تسهيل العمل ومتابعة الشأن الفلسطيني أولاً بأول.
رابعاً: تُشكل القيادة الوطنية المؤقتة لجنة وطنية ميدانية موحدة للمقاومة الشعبية، تقود الاشتباك مع الإحتلال في كل مكان، ضد تهويد القدس والاستيطان والمستوطنين، والضم والحصار، لتحقيق الأهداف الوطنية لشعبنا.
خامساً: يتولى المجلس الوطني الجديد والهيئات المنبثقة عنه مسؤولية الاتفاق على شكل النظام السياسي الفلسطيني، وأدواته، واستراتيجية العمل الوطني الفلسطيني، والبرنامج السياسي للمرحلة المقبلة، بما يضمن إنجاز الأهداف الوطنية الكبرى لشعبنا المتمثلة في العودة والتحرير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
سادساً: ندعو شعبنا الفلسطيني في كل مكان إلى تصعيد العمل الوطني بكل أشكاله، ونخص بالذكر أهلنا العظماء في الأراضي المحتلة عام 48، وشعبنا الأبيّ في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، خاصة على صعيد الاشتباك المستمر مع الإحتلال، وتبني القضايا الوطنية، والتمسك بالثوابت الفلسطينية.
سابعاً: ندعو أمتنا العربية، والإسلامية، وأحرار العالم من شعوب وحكومات، إلى إسناد الحق الفلسطيني في الحرية والتحرر وطرد الاحتلال، فلا سلام ولا استقرار ما لم يسترد الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة غير منقوصة■
7/6/2021

ملحق 2
عناصر «إجراءات بناء الثقة»( )

1- إعادة فتح بيت الشرق ومؤسسات فلسطينية أخرى مغلقة منذ عام 2001 في القدس الشرقية.
2- إستعادة الوضع السابق في المسجد الأقصى بالحد من نشاط الشرطة الإسرائيلية فيه، ووقف اقتحامات المستوطنين.
3- وقف إخلاء منازل الفلسطينيين في القدس، لا سيما حي الشيخ جراح.
4- تنفيذ «النبضة الرابعة» بالإفراج عن أسرى كان ينبغي الإفراج عنهم عام 2014، بموجب إتفاق إسرائيلي - فلسطيني، لكن إسرائيل أخلّت بالاتفاق، إلى جانب الإفراج عن أسيرات وأسرى مسنين وقاصرين وجثامين شهداء .
5- وقف توسيع المستوطنات بما في ذلك البناء في القدس الشرقية ، وإخلاء جميع البؤر الاستيطانية الموجودة على الأراضي الفلسطينية.
6- وقف هدم المنازل في الأغوار.
7- وقف الاقتحامات للمدن الفلسطينية .
8- إعادة الأسلحة التي صادرتها اسرائيل من قوات الأمن الفلسطينية.
9- تجديد عملية لمّ شمل الأسر الفلسطينية.
10- زيادة عدد تصاريح العمل في إسرائيل.
11- عودة الشرطة الفلسطينية والمسؤولين وضباط الجمارك إلى جسر الكرامة كما كان الحال بعد اتفاقيات أوسلو، والسماح بإقامة مطار دولي في الضفة الغربية، وأيضاً منطقة تجارة حرة بالقرب من أريحا، والسماح ببناء خطوط سكك حديدية.
12- تخصيص مناطق في المنطقة (ج) – حوالى 60٪ من الضفة الغربية – للمصانع ومحطات الطاقة والمشاريع السياحية وتعزيز أنشطتها في مناطق «ب».
13- تعديل «اتفاقية باريس» الاقتصادية بحيث يتم تحرير البضائع المتجهة إلى الضفة الغربية من الجمارك.
14- رفع مستوى الشبكات الخليوية في الضفة الغربية إلى G4.
11/7/2021
ملحق 3
حول مقولة «تقليص الصراع»
■ مقولة «تقليص الصراع»، مقولة جديدة تدخل إلى القاموس السياسي الإسرائيلي، وهي من إنتاج أستاذ التاريخ الإسرائيلي ميخا غودمان، التي لا يتردد رئيس الحكومة بينيت من استخدامها، دون أن يتبنى كل ما جاء فيها. وتوضيحاً لهذه المقولة كتب غودمان مقالة بعنوان: «ثماني خطوات لتقليص الصراع». بعض هذه الخطوات يتعلق بالشؤون المدنية الحياتية، والبعض الآخر يتعلق بالشؤون الاقتصادية. لكنها جميعها تنطلق من افتراض أن «تقليص الصراع» يكون باتخاذ خطوات جريئة من قبل إسرائيل، من شأنها أن تقلل الاحتكاك ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دون أن تعد بحلول سياسية سيادية من جهة، ودون أن تهدد أمن إسرائيل من جهة أخرى. وهذه الخطوات هي:
1- ربط كل مناطق «أ» و«ب» داخل الضفة الغربية مع بعضها البعض، من خلال إنشاء بنية تحتية من الشوارع السريعة والأنفاق والجسور. والهدف أن يتنقل الفلسطيني من الخليل إلى جنين مروراً بأريحا بدون أن يشعر أنه تحت احتلال، وبدون أن يلتقي بجندي إسرائيلي واحد، أو يتوقف عند حاجز. خصوصاً عندما تستلم السلطة الفلسطينية السيادة على هذه الشوارع، فإن الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطيني سيتغير بشكل دراماتيكي.
2- مصدر آخر للصدامات ما بين الجيش الاسرائيلي والفلسطينيين، هو الحق في السكن والتوسع الطبيعي داخل الضفة الغربية. وعليه تطرح الخطوة الثانية منح مساحات إضافية للسلطة الفلسطينية، تكون على أطراف القرى والمدن، وهي أطراف قام الفلسطينيون أصلاً بالتوسع عليها بشكل «غير قانوني». ويمكن ضرب عصفورين بحجر، إذ أن إقامة بنية تحتية لربط المناطق الفلسطينية، سيتطلب أن تقدم إسرائيل «تنازلات» في المناطق «ج» والتي يمكن أيضاً الاستفادة منها للتوسع العمراني.
3- السفر إلى الخارج هو من أهم التجارب التي تجعل الفلسطيني يشعر بوجود الاحتلال. إن توسيع جسر اللنبي، وتسهيل تنقل الفلسطينيين، سوف لن يضر بالأمن الإسرائيلي، لكنه لا يكفي أيضاً. يقترح غودمان إضافة إلى ذلك افتتاح محطة مغادرين في الضفة الغربية، تكون مرتبطة مباشرة مع مطار بن غوريون، وتسيير خط حافلات - مكوك (shuttle) بينهما. هذه القضية وحدها قادرة على أن تحدث نقلة نوعية في مفهوم الفلسطينيين حول الاحتلال.
4- زيادة عدد تصاريح العمال الفلسطينيين ليصلوا إلى حوالي 400 ألف.
5- تخصيص مساحات في المنطقة «ج» لغرض إنشاء مدن صناعية.
6- ربط التجار الفلسطينيين بخطوط مباشرة مع الموانيء البحرية والجوية الإسرائيلية، على نمط الخطوط اللوجستية المسماة «باب إلى باب» (Door-to-Door) والتي ستعفي التاجر الفلسطيني من المرور عبر المعابر التجارية المرهقة من خلال فتح مسار «آمن» له.
7- إلغاء إتفاقية باريس الاقتصادية، التي يعتبرها الفلسطينيون بأنها إعادة إنتاج للاحتلال بأدوات إقتصادية. ويقترح غودمان منح إستقلالية إقتصادية شبه كاملة للفلسطينيين.
8- إنضمام إسرائيل إلى جهود القيادة الفلسطينية الرامية إلى الاعتراف بفلسطين كدولة في الأمم المتحدة. بيد أن اعتراف العالم يجب أن يكون إعترافاً بدولة فلسطين وليس اعترافاً بحدودها. هذا قد يفتح الباب لتحول السياسات الإسرائيلية، من سياسات «الضم الزاحف» إلى سياسات «الانفصال الزاحف»، بدون إلتزامات جغرافية محددة.
■ من الواضح أن «تقليص الصراع» يهدف إلى إبقاء 60% من مناطق الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية، وفي أحسن الحالات «التنازل» عن 2-5% من مناطق الضفة الواقعة في المنطقة «ج» لصالح الخطوتين الأولى والثانية. ثم إنه يقترح منح إقامة دائمة (على غرار الهوية المقدسية) للفلسطينيين الذين سيبقون في المناطق «ج» وربطهم منفعيا مع المؤسسة الإسرائيلية.
■ إن تقليص الصراع لدى غودمان، يختلف عن مفهوم «السلام الاقتصادي» العائد إلى نتنياهو، الذي كان يستند إلى زيادة السيطرة على الفلسطينيين، ومراقبتهم، والتحكم في مفاصل حياتهم من جهة، وتقديم تسهيلات إقتصادية إنعاشية من جهة أخرى. وعليه، لم يجد نتنياهو نفسه مضطراً لخوض أي عملية سياسية مع الفلسطينيين. بيد أن «تقليص الصراع» يقوم على عقيدة نقيضة، مفادها إنهاء السيطرة المباشرة على الفلسطينيين، وإنهاء أي احتكاك بينهم وبين الإسرائيليين.
ويمكن النظر إلى «تقليص الصراع» على أنها إعادة إنتاج لرؤية موشيه ديان حول «الاحتلال الخفي»، الذي كان يعني الإبقاء على هياكل الاحتلال، والاستمرار في السيطرة الفعلية على الأرض ومصير السكان الفلسطينيين، بدون أن يشعر الفلسطينيون بذلك. والسبيل الوحيد لأن لا يشعروا بذلك، هو أن يتم منحهم شعوراً بأنهم أحرار، وأنهم غير مضطرين إلى مقابلة جندي إسرائيلي في كل مرة يغادرون منزلهم. بل إن منحهم «سيادة رمزية» بدلاً من السيادة الفلسطينية الحالية التي تآكلت، قد يكون حجر الأساس في تقليص الصراع.
■ لا بد من الإشارة إلى أن عدداً من النقاط الثماني الواردة أعلاه، ضمن خطة تقليص الصراع، قد تم تطبيقها بالفعل على شكل خطوات جزئية صغيرة، بعضها بشكل عملي، والبعض الآخر بشكل نظري:
1- بخصوص ربط مناطق «أ» و«ب» من خلال شبكة شوارع فلسطينية، فقد قطع المشروع شوطا لا يستهان به على المستوى النظري لا العملي. وقد طور قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي، قبل حوالي 20 عاماً، خطة أسماها «الجميع يتدفق»، ومن ثم أرسلها إلى شركات خاصة لتطويرها. بالفعل تطورت هذه الخطة بشكل «مهني» لدى القطاع الخاص.
2- فيما يخص زيادة عدة التصاريح، فإن حكومة بينيت كانت قد صادقت، خلال الشهر الأول من ولايتها، على زيادة كوتة التصاريح لعمال البناء بحوالي 15 ألفاً. ومن المرجح على ضوء الإصلاحات الزراعية التي تقدمها حكومة بينيت، أن تتم زيادة عدد تصاريح الزراعة بشكل ملموس في الوقت القريب.
3- قبل بدء جائحة كورونا، وافقت إسرائيل على منح العديد من الفلسطينيين حق استخدام مطار بن غوريون بشكل حر، خصوصا الفلسطينيين الذين يملكون معاملات لم شمل.
4- فيما يخص ربط التجار الفلسطينيين بالخطوط اللوجستية الآمنة (door-to-door)، فإن المشروع قد انطلق بالفعل في 3 - 2018، ويصل عدد التجار المستفيدين منه إلى حوالي 30 موزعين ما بين الخليل ونابلس وجنين ورام الله، وهؤلاء التجار مسؤولون عن حوالي 60% من صادرات الضفة إلى إسرائيل.
■ قد يعتقد البعض أن هذه الخطوات العملية والنظرية، التي تم تنفيذها حتى اليوم، هي مجرد خطوات بسيطة لا ترتقي إلى ما يسميه غودمان خطة «تقليص الصراع». لكن الأمر على هذا النحو، فخطة غودمان تقوم بالأساس على مبدأ «إحداث خطوات صغيرة جدا، وبشكل متتابع ومكثف... للوصول إلى تغيير جوهري» والمتمثل بتقليص الصراع. لهذا الغرض، يتجنّد العديد من الإسرائيليين لدعم مفهوم «تقليص الصراع» والقيام بحملات إعلامية ومبادرات سياسية للترويج لهذه الخطة، التي تمنح الفلسطينيين «مشاعر بالحرية» حتى بدون إقامة دولة. كما أنها تضمن أمن إسرائيل، ولا تشمل إنسحاباً من أراضي «ج». من وجهة نظر نفتالي بينيت إذن هي صفقة مناسبة للجميع■

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية