حسيبك للزمن

منير المجيد
2021 / 10 / 13

يُروى أنّ بليغ حمدي رفض تلحين قصيدة لعبد الوهاب محمّد (١٩٣٠ - ١٩٩٦)، حين كلّفته أمّ كلثوم بالمهمّة. وقال بما معناه: كيف يمكن أن يُخاطب حبيبٌ بـ «الزمن حيدّوقك في البعد ناري، الزمن هو اللّي ح يخلّص لي تاري».
أعتقد في صحّة الرواية، لسبب بسيط وهو أن بليغ حمدي عشق، في معظم سنوات حياته الإحترافية، الإيقاع الفرح الراقص، البعيد، قدر الإمكان، عن أسلوب القصبجي، زكريا أحمد والسنباطي، في الألحان الدرامية الميلانكولية المليئة بالعذاب والوحدة.
لكنّه، في أول لقاء موسيقي مع السيّدة عام ١٩٦٠ (أغنية حبّ إيه)، وفي أنساك يا سلام (١٩٦٢)، وكلّ ليلة وكل يوم (١٩٦٣)، لم يجرؤ على الخروج من عباءة الكبار، فسلك طريق السلطنة والطرب، إلى أن جاء محمد عبد الوهاب في إنت عمري عام ١٩٦٤ ليقلب المعادلة، ويفتح الباب على مصراعيه لتغيير أسلوب أمّ كلثوم.
إن كانت الفرقة الموسيقية سابقاً تتبع أمّ كلثوم، وصوتها هو الذي يُدير تفاصيل الحفل، صارت هي التي تتبع الموسيقى، بعد إدخال الأنغام الراقصة والآلات الموسيقية المُتنوّعة. وتخيّل السيّدة تغنّي، وإلى جانبها رقّاصة تهز وركيها العاريتين وتتغنّج، لم يعد بعيداً عن التصّور. بمعنى أن الجو الجاد الصارم إتّجه نحو أجواء الكباريهات، إن صحّ القول.
هذا الباب الذي فُتحُ على مصراعيه دخله بليغ حمدي بقوّة في سيرة الحب في نفس العام.

أعود إلى الأغنية التي رفض تلحينها، ولحسن حظّنا أخذها رياض السنباطي.
حسيبك للزمن (١٩٦٢) هي واحدة من قمم التعاون التاريخي بين الصوت المعجزة والموسيقي العبقري المُثقّف ثقافة واسعة عريضة.
في المُقدّمة الموسيقية تآلف مُذهل بين اللحن الذي سوف يسبق الكلمات المليئة بالحنين والهجر والخصام والشجن (كلمة شجن أُستخدمت كثيراً في قصائد أحمد رامي على وجه الخصوص).
اختار السنباطي هنا مقام السيكاه. التسمية فارسية في كلمتين: سيه (ثلاثة)، وكاه (مقام)، وليس هناك مقام يتناسب مع القصيدة أكثر.
تبدأ المُقدّمة بالقانون، ثم يأتي الإيقاع السريع «الخببي»، تحضيراً لأداء السيدّة على مقام الراست.
هنا يقوم السنباطي بإجراء عملية تشريحية بارعة ورشيقة لكل مقام على حدة، بالرغم من القرابة العائلية بين السيكاه والراست، وفي تفاصيلهما في مقام راحة الأرواح، الذي لطالما أثار حيرة حتى الخبراء لتماثله مع مقام الهُزام.

القصّة الطريفة المُتعلّقة بهذه الأغنية تعود إلى حفلة أمسية الخميس ١٢ شباط ١٩٦٤ على مسرح سينما ريڤولي، فبينما بلغت كوبليه «الزمن حيدوّقك في البعد ناري» توقّف الميكرفون عن العمل وأصدر صفيراً مُرعباً يُؤذي الأعصاب. مضت بضع ثوانٍ فقامت أمّ كلثوم بتجاوز الميكرفون وخطت نحو حافة المسرح أمام الجمهور وأكملت مُستغلّة قوة صوتها العجيبة، وهي بعمر السادسة والستين.
وفي تاريخها العديد من المواقف المُرتجلة، لا بل لم تتردّد في بهدلة أحد الحضور، كما جرى في ليبيا عام ١٩٦٩. فبينما كانت تغنّي «بعيد عنك حياتي عذاب»، والجمهور كعادة كل أغانيها في كل مكان يصفّق بشدة ويستحسن ويُطالب بالإعادة. وحينما قال أحد الحضور «عيدي يا مرة عيدي»، لم ترق للسيّدة التي ميّزت صوته فقالت «إخرس، قليل الأدب».
وفي حفلتها الشهيرة عام ١٩٥٥ على مسرح مدرسة اللاييك في دمشق، وبحضور ظريف دمشق فخري البارودي (وكان قد اعتزل السياسة حينذالك)، اكتفت السيّدة بابتسامة عندما كرّر البارودي عدّة مرات «الله يبليني بحبّك»، و «الله يبليكي بحبي»، وهي تشدو جدّدت حبّك ليه.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية